View izZoqUCax7UesKX.pdfانت أيضاً صحابية flipbook.
أنت ِ أيضا ً صحابيَّة
أنت ِ أيضا ً صحابيَّة أدهم شرقاوي دار كلمات للنشر والتوزيع بريد إلكتروني: Dar_Kalemat@hotmail.com الموقع اإللكتروني: www. kalemat.com جميع الحقوق محفوظة للناشر: ال يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو أي جزء منه أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي ّ شكل من األشكال، دون إذن خطي مسبق من الناشر. * All rights reserved. No part of this book may be reproduced, stored in a retrieval system, or transmitted in any form or by any means without the prior written permission of the publisher.
أدهم شرقاوي أنت ِ أيضا ً صحابيَّة 2022
5أنت ِ أيضا ً صحابيَّة اإلهداء: إلى التي تزوجَّت ْ ولم تُنجب، فتعزَّت ْ بعائشة رضي اهلل عنها، وإلى التي طُلِّقَت ْ فتعزت ْ برقية، وأم كلثوم ابنتي النبي ِّ وإلى التي تأخر زواجها فظنَّت ْ أن القطار قد فات، فتعزَّت ْ بخديجة رضي اهلل عنها في األربعين تزوّجت ْ سيد الرجال، وإلى التي حيل بينها وبين حبيبها، فتعزت ْ بزينب ابنة النبي ، وقد حيل بينها وبين أبي العاص بن الربيع، وإلى التي لم تتزوج أبداً، فتعزت بالصحابية الجليلة أم حكيم، وإلى التي لم تتزوج بعد وفاة زوجها، :وتعزت ْ بنائلة زوجة عثمان بن عفان وهي تقول ال أريد ُ أن يبلى حُب ُّ عثمان في قلبي! وإلى التي تزوجت ْ بعد وفاة زوجها، ألن َّ هذا حالل وليس في الحالل عيب، إلى المؤنسات الغاليات بنات خديجة بنت خويلد، وأخوات عائشة بنت الصدِّيق، وشقيقات فاطمة الزهراء، إليكن َّ أُهدي هذا الكتاب!
6أنت ِ أيضا ً صحابيَّة
7أنت ِ أيضا ً صحابيَّة هذه أنتِ! ِ لقد اعتدت ِ أن تنظري إلى نفسك ِ بعينيك ِ أنت فتعالي أُريك ِ نفسك ِ بعيني َّ أنا! مما جاء َ في خبر خلق أُمنا حوَّاء َ أن َّ اهلل تعالى لما خلق َ آدم عليه السالم وأسكنه الجنَّة استوحش فأخذ سبحانه قطعة ً من ضلع آدم قطعة قريبة جدا ً من القلب وخلق َ له منها حوَّاء لتؤنسه! هذه أنتِ! المرأة التي ال تكون الجنة بدونها جنَّة! أنت ِ األم التي جعل اهلل تعالى الجنة عند قدميكِ! وأنت ِ الزوجة التي ال يكون الرجل رجالً، إال إذا أكرمكِ! وأنت ِ البنت ُ التي جُعلت ْ حجاب أبيها من النار! وأنت ِ األخت ُ التي وصْلُها عبادة! وأنت ِ العمّة التي توضع ُ تاجا ً على الرأس! وأنت ِ الخالة التي قال عنها النبي ُّ : الخالة بمنزلة األم! وأنت ِ الجارة التي تُصان كأنها عِرض وأنت ِ المسلمة التي كانت تُحرَّك ُ ألجل كرامتها الجيوش أُهينت ْ مرة ً امرأة مسلمة فصرختْ: وامعتصماه!ً فبلغت ْ تلك الصرخة المعتصم فجهَّز لها جيشا
8أنت ِ أيضا ً صحابيَّة أوله عندها وآخره عنده! أنت ِ الحضن الحنون الذي نأوي إليه هاربين من مشقة الحياة، وأنت ِ الكتف الذي ال نستغني عن االتكاء عليه رغم رقّته! وأنت ِ العكّاز الذي ال نستغني عن االستناد عليه رغم نعومته! وأنت ِ مصنع ُ الرجال ومهد األبطال! لست ِ ضلعا ً قاصرا ً أبداً، وال مخلوقا ً ضعيفا ً يستحق ُّ الشَّفقة، أنت ِ نصف المجتمع! وأنت ِ التي تلدين، وتربين النصف اآلخر، كل رجل ٍ جاء إلى الدنيا، كان يوما ً جنينا ً في بطنك ِ يأكل من صحتك ِ وعافيتكِ! كل مَلكٍ، أو زعيم، أو مفكر، أو ثري، أو ناجح كان يوما ً قطعة لحم صغيرة بين يديكِ! كل نبي ٍّ أنت ِ ربَّيتِه، وكل عظيم ٍ أنت ِ صنعتِه، فارفعي رأسك ِ عالياً!
9أنت ِ أيضا ً صحابيَّة أَصْلِحي شُهودكِ! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! تخيّلي معي هذا المشهد، وعيشيه بقلبك ِ وروحكِ؛ جالسة ٌ أنت ِ مع النبي ِّ تُكحلين عينيك ِ برؤية وجهه تفتحين قلبك ِ على مصراعيه لتسمعي حديثه فالحبيب ُ يُسمع ُ بالقلب ال باألذن! وتمر ُّ جنازة فيثني الصحابة عليها خيراً، لربما تسمعينهم يقولون: كان هذا الميت صديقا ً وفياً، وزوجا ً مُحبّاً، وابنا ً باراً، وجارا ً كريماً، كان يتصدَّق ُ على المساكين، ويسد ُّ دَيْن المدينين، كان يجبر ُ الخواطرُ، ويربت ُ على األكتاف، كثيرا ً ما مسح دمعة حزين، ومد َّ يد المساعدة لمتعثر، كان صديقا ً للمصحف، ومشَّاء ً إلى المساجد! فقال النبي ُّ : وجبتْ! ومضى وقت قصير ومرَّت ْ جنازة أخرى، فأثنى الصحابة عليها شرّاً! لربما تسمعينهم يقولون:
10أنت ِ أيضا ً صحابيَّة كان هذا الميت صديقا ً غادراً، وزوجا ً قاسياً، وابنا ً عاقاً، وجارا ً ال يُؤتمن، لم يتصدّق ْ يوما ً على مسكين، كان يكسر ُ الخواطر بأفعاله، ويجرح الكرامات بأقواله، كان هاجر للقرآن، وال تعرف قدماه طريق المسجد! فقال النبي ُّ : وجبتْ! فسأله الصحابة: ما وجبت ْ يا رسول اهلل؟ فقال: من أثنيتم عليه خيرا ً وجبت ْ له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرّا ً وجبت ْ له النار، أنتم شهداء اهلل في األرض! أما اآلن َ وقد سمعت ِ كل هذا، وعرفت ِ أنك ِ ستُحملين يوما ً على األكتاف إلى قبركِ، وأن الناس الذين تتعاملين معهم اليوم، هم شُهداء اهلل في األرض، فأصلحي شُهودكِ! كوني ابنة ً بارَّةً، حتى إذا مت ِّ قال أبواكِ: اللهم َّ ارحم ْ بنتا ً جبرت ْ خواطرنا وأحسنت ْ معاملتنا كانت تغض ُّ صوتها، وتنتقي كالمها وتُسابق جميع أخواتها في رضانا! كوني زوجة ً مُحبَّة،
11أنت ِ أيضا ً صحابيَّة حتى إذا مت ِّ قال زوجكِ: اللهم ارحم ْ زوجة ً أحبتني كروحها، صانت ْ عِرضي، وأنارت ْ بيتي، عطفت ْ على أوالدي، واحترمت ْ أهلي، اللهم إنها كانت ْ صابرة في الضَّراء، شاكرة في السَّراء، فاجعل ْ قبرها روضة ً من رياض الجنّة! كوني أُما ً رؤوماً، حتى إذا مت ِّ قال أوالدكِ: اللهم ارحم ْ أُما ً حنوناً، وقلبا ً عطوفاً، أفنت ْ عمرها في سبيلنا، وقدمتنا على نفسها، أمرتنا بالصالة، والحقتنا على الصيام، وحفَّظتنا القرآن، اللهم َّ إنها لم تُميِّز ْ بيننا، ولم توغر صدورنا على بعضٍ، وتركتنا بعدها إخوة متحابين، فاللهم َّ أكرِم ْ نُزلها، وأنِر ْ قبرها! كوني أُختا ً طيِّبة، حتى إذا مت ِّ قال إخوتكِ: اللهم َّ إنها كانت ْ شقيقة الروح وقطعة القلب، وصلتْنا حين قطعناها، وأعطتنا حين منعناها،
12أنت ِ أيضا ً صحابيَّةً ما سمعنا منها إال خيراً، وما رأينا منها إال خيرا فاللهم َّ اجعل ْ قبرها روضة ً من رياض الجنَّة! كوني كنَّة ً حنوناً، حتى إذا مت ِّ قالت ْ حماتكِ: اللهم َّ إنها كانت ْ لي ابنة ً أكثر من بناتي، جبرت ْ خاطري، وراعت ْ مشاعري، وأعانت ْ ابني على برِّي، اللهم كُن ْ بها رحيما ً كما كانت ْ بي رحيمة! كوني حماة ً طيِّبة، حتى إذا مت ِّ قالت ْ كنتُكِ: اللهم َّ إنها كانت لي أُما ً مع أمي، ساندتني حين ضعفتُ، وواستني حين حزنتُ، وأمرت ْ ابنها بحُسن معاملتي، ولم تُفضِّل أوالد غيري على أوالدي، اللهم َّ عاملها اليوم بما يليق ُ بكرمكَ! كوني جارة ً مُحبَّة، حتى إذا مت ِّ قالت ْ جارتكِ:ً اللهم َّ إنها كانت لي أُختاً كانت ْ في المصائب كتفا
13أنت ِ أيضا ً صحابيَّةً وفي النوائب عكازا ما كشفت ْ لنا سراً، وال هتكت ْ لنا عِرضاً، كانت ْ تزور ُ مريضنا، وتُعزي في ميّتنا، تُهدينا الطعام، وتُلقي علينا السَّالم، فاللهم كُن لها جارا ً وجواراً! كوني صديقة ً مأمونة، حتى إذا مت ِّ قالت ْ صديقتكِ: اللهم َّ إنها كانت ْ من نِعمك َ عليَّ، كانت ْ تُذكرني بكَ، وتحثني على طاعتكَ، أهدتني مصحفا ً هو رفيقي، وسُبحة ً هي دوما ً في يدي، لم تُفش ِ لي سرِّاً، كنت ُ إذا اعوججت ُ باللطف ِ قوَّمتني، وإن حزنت ُ واستني في حزني، وإن فرحت ُ شاركتني في فرحي، اللهم َّ إنها فتحت ْ لي قلبها وبيتها، فابن ِ لها بيتا ً في الجنة!
14أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ال تنسي المعروف! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! تركت ِ بيتك ِ في مكة، وهاجرت ِ إلى المدينة تابعة ً قلبك ِ ودينك ِ ونبيّك ِ كل ُّ شيء ٍ فيك ِ يشتاق ُ إلى مكة، الحنين إلى الكعبة ال يهدأ، وتنتظرين بفارغ الصبر تلك اللحظة التي ستكحلين فيها عينيك ِ برؤيتها مجدداً! ويُخبرك ِ النبي ُّ أنه قد عزم َ على فتح مكة، فيرقص ُ قلبك ِ فرحا ً بهذا الخبر، ولكن َّ النبي َّ قد طلب منكم أن تُبقوا هذا األمر سراً! فالحرب ُ نهاية المطاف خدعة، والذي يملك ُ عنصر المفاجأة نادرا ً ما يُهزم! وقد أراد النبي ُّ فتحا ً بأقل الخسائر، نمت ِ تلك َ الليلة وأنت تحلمين بتلك اللحظة، التي ستُقبّلين فيها تُراب مكة، وستشهدين األصنام تُداس باألقدام، وسترين بالال ً يصعد ُ على ظهر الكعبة، مناديا ً ملء حنجرته أن َّ «اهلل أكبر»! ولكن طارئا ً قد حدث هدَّد َ كل هذا الحلم باالنهيار، يستدعي النبي ُّ ثالثة ً من خيرة أصحابه،
15أنت ِ أيضا ً صحابيَّة علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، والمقداد بن األسود في مهمة عاجلة وخطيرة، ويأمرهم بالتوجه إلى «روضة خاخ» وهناك سيجدون امرأة ً تحمل ُ رسالة، عليهم إحضارها فورا ً مهما كلَّف َ األمر! وينطلق ُ الفرسان الثالثة على جناح السرعة، وهناك يعثرون على المرأة التي أخبرهم عنها نبيهم ،ً فلم ينطق ْ مرة ً عن هوى كانت معيَّة اهلل تحفُّه، والوحي يؤيده! طلبوا من المرأة أن تعطيهم الرسالة التي تحملها، ولكنها أنكرت ْ وجودها! فقالوا لها: إما أن تُخرجي الكتاب، أو لنضعن َّ الثياب! فلما عرفت ْ أنهم قد عزموا تفتيشها، أخرجت الرسالة من بين ضفائر شعرها حيث خبأتها! فأخذوا الرسالة وعادوا بها إلى النبي ِّ ، وفي المدينة يفتح ُ النبي ُّ الرسالة، فإذا بها من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، يُعلمهم فيها أن َّ النبي َّ قد عزم َ على فتح مكة! في العلوم العسكرية يُعتبر هذا خرقا ً أمنيا ً خطيراً، وإن شئت ِ فهذه خيانة عُظمى! ويُبرر حاطب ٌ للنبي ِّ فعلته هذه، بأن َّ له أهال ً ضعافا ً في مكة قد نالهم أذى قريش، وأنه أراد أن يُخففوا عنهم،
16أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وأن َّ اإليمان في قلبه كالجبال الرواسي لم يتزحزح قيد أُنملة! ويقبل ُ النبي ُّ عُذر حاطب بن أبي بلتعة، ولكن عمر بن الخطاب الحازم في دين اهلل، الشرس إذا تعلَّق َ األمر باإلسالم، يقول ُ للنبي ِّ : يا رسول اهلل، ائذن ْ لي أن أضرب َ عنق هذا المنافق! فقال له النبي ُّ : ال يا عُمر، إنه قد شهد َ بدراً، لعل َّ اهلل َ اطلع َ على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت ُ لكم! يا للوفاء يا رسول اهلل، يا للوفاء! لم يُنسِه هذا التصرف الخاطئ ماضي َ صاحبه المشرق معه! فال تنسي أنت ِ كل َّ معروف أُسدي َ إليكِ، عندما يقع ُ خالف ٌ بينك ِ وبين زوجكِ، ال تنسي تلك اللحظات الحلوة التي عشتماها معاً! تذكري تلك َ المواقف التي طيَّب َ فيها خاطركِ، تذكري الهدايا التي مأل قلبك ِ بها سعادة، تذكري حنانه عليك ِ يوم مرضتِ، وتذكري مشوارا ً لم يكن يرغب ُ فيه، ولكنه ذهب َ ألنه يريد ُ أن يُسعدكِ! تذكري أنه إن بخل َ عليك ِ مرةً، فقد كان كريما ً عليك ِ مرَّاتٍ! وإن لم يسمح له وقته باصطحابك ِ إلى أهلكِ، فقد فعلها عشرات المرات!
17أنت ِ أيضا ً صحابيَّة تذكري أنه إن غضب َ منك ِ اآلن، فقد صفح َ عنك ِ في غيرها! تذكري اللقمة التي كان يضعها في فمك ِ حُباً، والكلمة التي كان يقولها لك ِ شوقاً، والحُر ُّ من راعى وداد لحظة، وقد كان نبيُّك ِ ال ينسى المعروف، فاقتدي به وال تنسي المعروف أيضاً! أخوك ِ الذي غضبت ِ منه اآلن، ألم تضحكان من قبل معا ً وتبكيان معاً؟! فلِم َ ستهون عليك ِ تلك َ اللحظات الحلوة؟! أختك ِ التي حصل بينك ِ وبينها خصام ألم تكن يوما ً حبَّة قلبكِ؟! فما بالك ِ تهدمين عمرا ً من المودة ألجل خصام عابر؟! ابنك ِ الذي قصَّر معك ِ هذه المرَّة ألم يبرَّك ِ مرات ٍ ومراتٍ؟! أليس من النُّبل ِ أن تهبي هذه لتلكَ؟! حماتك ِ التي أغضبتك ِ اآلن ألم تكُن ْ لك َ مرة ً أُماً؟ أما كانت ْ في صفّك ِ مرَّةً؟ فلم َ تهون عليك ِ العِشرة؟!
18أنت ِ أيضا ً صحابيَّة جارتك ِ التي لم يُعجبك ِ منها تصرفها هذه المرَّة أما أعجبك ِ تصرفها مرَّاتٍ؟! أما أهدتك ِ يوما ً من طعامها؟ أما زارتك ِ في مرضٍ؟ فلماذا تريدين من الناس أن يكونوا مالئكة ً على الدَّوام؟! كان نبيُّك ِ وفياً، ولن تكوني صحابيَّة ً إال إذا كنت ِ مثله! جاءه يوما ً موفدان من مسيلمة الكذاب، فسألهما: هل تؤمنان أنه نبيٍّ؟! فقاال: نعم! فقال لهما: لوال أن الرُّسل ال تُقتل لقتلتكما! كذَّباه في نبوته، واعترفا بنبوة غيره، ومع هذا لم يخرجه غضبه من وفائه، فإن كان المرسل الكافر ال يُقتل على كفره، بل يؤمّن ُ ويُكرم أليس الزوج المسلم أحق ُّ بالوفاء؟! أليست األخت والحماة والجارة والصديقة أحق ُّ بالوفاء؟! أرسلت ْ قريش ٌ أبا رافع ٍ موفدا ً إلى النبي ِّ ، فلما جاء إلى المدينة دخل َ اإلسالم ُ إلى قلبه، فأخبر َ النبي َّ أنه يريد ُ أن يبقى في المدينة، فقال له النبي ُّ : إني ال أخيس ُ بالعهد،
19أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وال أحبس ُ الرُّسُلَ، ولكن ارجع ْ إلى قومكَ، فإن كان في نفسك َ الذي فيها اآلن فارجِعْ! وأنت ِ أيضا ً إن كنت ِ صحابية فال تخيسي بالعهد! أنت ِ عِرض ُ رجل ٍ فاحفظيه، وأمان أوالدك ِ فالزميهم، وسُمعة أبيك ِ فحاربي ألجلها، ال تحني رأس رجال ٍ أحبوك ِ وربوك ِ ألجل لحظة طيش، وال ألجل شعور عابر، من أمَّنك ِ فأدِّي إليه أمانته! يقول حُذيفة بن اليمان: ما منعني أن أشهد َ بدرا ً إال أني خرجت ُ أنا وأبي حسيل نريد ُ النبي َّ فأخذنا كفار قريش، وقالوا: إنكم تريدون محمداً؟ فقلنا لهم: ما نريده، ما نريد إال المدينة؟ فأخذوا منا عهد اهلل وميثاقه لننصرفن َّ إلى المدينة وال نُقاتل معه! فأتينا النبي َّ وأخبرناه بالخبر فقال: انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين ُ باهلل ِ عليهم! هذا هو نبيّك ِ ! كان يفي بعهده للكافر الذي جاء لقتاله! فإن كنت ِ تريدين حيازة شرف َ أن تكوني صحابيَّة فوفاء عهود المسلمين أولى!
20أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فال تنسي عهدا ً قطعته، وال معروفا ً أُسدي َ إليكِ، وال لحظة ً حُلوة عشتها، كوني وفيَّة ً كما يليق ُ بالصحابيَّة أن تكون!
21أنت ِ أيضا ً صحابيَّة رحلة إلى السَّماء! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! وها هو نبيُّك ِ ، وحبيبك ِ قد عاد من رحلته إلى السَّماء! جالسة ٌ أنت ِ في جمع الصَّحابة وكلُّك ِ لهفة لتسمعي شيئا ً من عجائب المعراج! وها هو الذي حل َّ ضيفا ً في سِدرة المنتهى، يُسرِج ُ لك ِ صهوة َ الكالم ِ بعذب ِ صوته ويقول لكِ: لمَّا كانت الليلة التي أُسري َ بي فيها، أتت ْ علي َّ رائحة طيِّبة، فقلتُ: يا جبريل ُ ما هذه الرائحة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأوالدها! فقلتُ: وما ماشطة ابنة فرعون؟ فقال: بينما هي تُمشِّط ُ ابنة فرعون ذات يوم إذ سقط َ المشط ُ من يدها، فقالت: بسم اهلل! فقالت ْ لها ابنة فرعون: أبي؟! فقالتْ: ال، ولكن ربي ورب ُّ أبيك ِ اهلل! قالتْ: أأخبره بذلك؟ قالت: نعم! فأخبرته، فدعاها، فقال: يا فالنة وإن َّ لك ِ ربَّا ً غيري؟ قالتْ: نعم، ربي وربُّك َ اهلل!ْ فأمر بقِدْر ٍ من نُحاس ٍ فأُحميت
22أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ثم أمر َ أن تُلقى هي وأوالدها فيها! قالت ْ له: إن َّ لي إليك َ حاجة! قال: وما حاجتكِ؟ قالتْ: أُحب ُّ أن تجمع عظامي وعظام أوالدي في ثوب ٍ واحد ٍ وتدفننا! قال: ذلك َ لك ِ علينا من الحق! فأمر بأوالدها فأُلقوا بين يديها واحدا ً واحداً! إلى أن انتهى ذلك َ إلى صبي ٍّ لها رضيع، وكأنها تقاعست ْ من أجله، فقال: يا أُمَّاه، اقتحمي، فإن َّ عذاب َ الدنيا أهون من عذاب اآلخرة! أرأيت ِ ما يفعل ُ اإليمان بالقلوب أيتها الصحابيَّة؟!ٍ أرأيت ِ كيف يُحوَّل المرء من كائن ٍ ضعيف إلى جبل ٍ ثابت ٍ ال يركع ُ إال لربِّه، إنها مجرَّد ماشطة ٍ بين آالف الخدم، وفرعون الملك ُ الجبَّار الذي يهابه الرجال األشداء ﴾أنا ربكم األىلع﴿ وينادي في الناس كذبا ً وزوراً: فال يجد من يخبره بكفره وافترائه بلد كامل ٌ منصاع ٌ له عن آخره خوفا ً ورهبة ولكن اإليمان غيَّر َ كل هذه المعادلة! الخادمة الضَّعيفة في مواجهة الملك ِ الذي يحكم ظلماً، واإلله الذي يُعبد ُ كُفراً،
23أنت ِ أيضا ً صحابيَّة مواجهة محسومة مسبقا ً لوال اإليمان الذي قلب َ الموازين، وقفت ْ الماشطة بثبات ٍ حيث يرتجف ُ الرِّجال، وقالت ْ لفرعون قوال ً لم يسبق أن سمعه من غيرها، ربي وربُّك َ اهلل!ً كل جيوش فرعون لم تُغن ِ عنه شيئا، كل جبروته ذهب َ أدراج الرياح، وجلس صاغرا ً يأخذ درسا ً في التوحيد من ماشطة ابنته: «ربي وربُّك َ اهلل»! لوال اإليمان ما سمعنا بهذه المرأة، ولطواها التاريخ كما طوى ماليين الناس، ولكنه اإليمان أقوى جنود اهلل إذا ما تمكَّن َ من القلب! أنت ِ باإليمان، جبل وإن كنت ِ تفيضين أنوثة! وأنت ِ باإليمان جيش، وإن كنت ِ وحدكِ! مع اإليمان ال شيء في الدُّنيا يستطيع ُ هزيمتكِ، إنه سالحُك ِ األقوى، وسيفُك ِ األمضى! تتأملين أنوثتك ِ في المرآة وأنت ِ المفطورة ُ على أن تُظهريها لتُشبعي جوع الحُب عندكِ،ِ ولكن َّ اإليمان الذي في قلبك ِ يجعلك ِ تقولين لنفسك هذا الجمال يجب أن يُصان عن العيون، هذه األنوثة سأخبئها إلى حين يأتي صاحبها، فيجدني كالدُّرة المُصانة التي ال تُعرض ُ في الواجهات! الذَّهب يُعرض ُ على الرفوف أمام المارَّة،
24أنت ِ أيضا ً صحابيَّة أما الدُّرر ُ فتُخبأ إلى أن يأتي من يعرف قيمتها! أنت ِ باإليمان أقوى! يمر ُّ بك ِ الفقر ُ الذي يمر ُّ بالنَّاس فيسخطهم على قَدَر ِ اهلل، أما أنت ِ فتقولين له: إن َّ اهلل تعالى لم يحرمني عن قلَّة ما عنده، فخزائن السماوات واألرض بيده،َ ولكنها دار امتحان وقد ابتالني اهلل ُ بك لينظر َ أأصبر ُ أم أكفر! وأنا صابرة محتسبة فأقِم ْ يا فقر ما شئت َ عندي، فلست َ تقيم ُ بأمرك َ وال ترحل ُ بأمركَ، إن َّ األمر كله هلل! ِ ثم تعزين نفسك ِ بنبيِّك ِ ، وحبيبك تتذكرين كيف نام على الحصير حتى أثَّر في جنبه ، فلم يكن عنده فراش وثير! وتتذكرين كيف كان يربط ُ حجرا ً على بطنه من الجوع، وكيف كانت تمر ُّ األيام وال يوقَد ُ في بيته نار لطعام، ليس له ، ولزوجاته من الطعام غير التمر والماء! فتهون عليك ِ نفسك ِ أمام نفسه، وتهمسين لنفسكِ: أنا أيضا ً صحابيَّة، وسأصبر كما صبر رسول اهلل ! أنت ِ باإليمان جبل، يمر ُّ بك ِ المرض ُ الذي يمر ُّ بالناس،
25أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ويجعلهم غير راضين على قدر اهلل، أما أنت ِ فتقولين له: إن َّ اهلل نظر َ إلي َّ فأحبَّني، وأراد أن يرفع درجتي في الجنّة، فأرسلك َ إليَّ! فواهلل ِ لن تجد مني يا مرض غير الحمد والصبر، لست ُ خيرا ً من أيوب عليه السالم إذ ابتاله ربه، ولست ُ خيرا ً من نبيي وحبيبي ، إذ كان يربط ُ رأسه من شدة الصُداع، ويجهده التعب والوجع إذا راجعه أثر سُم ِّ اليهودية، الذي دسته له في كتف الشاة! يا أيها المرض ُ لم تأت ِ بأمركِ، ولن ترحل َ بأمركَ، إن َّ األمر كله هللِ، فإن أقمت َ عندي فلن تجد إال الصبر وإن رحلت َ فلن تجد َ إال الشُّكر أنا أَمة ُ اهلل، ومُلكه، وله، وطوع أمره، وبين يديه وكل أقداره خير! أنت ِ باإليمان غير! يمر ُّ بك ِ فقد ُ األحبة الذي يمر ُّ بالناس، ويجعلهم يتذمرون فقد أحبابهم، أما أنت ِ فتقولين له:
26أنت ِ أيضا ً صحابيَّة هلل ما أعطى، وهلل ما أخذ، وكل شيء ٍ عنده بقدر! وتتعزين بنبيك ِ وحبيبك ِ ، تتذكرين حزنه يوم فقد زوجته خديجة، وتتذكرين وجعه يوم فقد عمه حمزة، وتتذكرين دموعه يوم فقد ابنه الرضيع إبراهيم، فتعلمين أنها أعمار مكتوبة، وآجال محددة، وأننا سنمضي جميعا ً نهاية المطاف، وأننا لسنا إال ودائع في هذه الدنيا، وأن صاحب الوديعة من حقه أن يستردَّها متى شاء! لم نُخلق للدنيا أيتها الصحابيَّة، لسنا إال عابرين في سفر ٍ طويلٍ، بيوتنا الحقيقية في الجنّة، حيث سكن أبونا آدم عليه السالم وأُمنا حوَّاء يوماً، إلى هناك ننتمي، وإلى هناك سنعود، فاصبري، فمن عرف َ ما يطلب ُ هان عليه ما يبذل!
27أنت ِ أيضا ً صحابيَّة في قصر فرعون! !أنت ِ أيضا ً صحابيَّة عندك ِ شغف رهيب لمعرفة أخبار األمم السَّابقة، تجدين في هذا تثبيتا ً لقلبكِ، وتعزية ً لروحكِ، وتزدادين يقينا ً أن َّ هذا الدِّين واحد عند اهلل، بدأ بآدم عليه السَّالم وخُتم بمحمد ٍ ! تختلف ُ الشَّرائع، وتتفاوت ُ العبادات، أما الدِّين فواحد ال يتغيَّر عنوانه قول ربِّكِ: َمُ»الْ ِْسإلا َِّ هلل«إِن َّ الدِّين َ عِند َ ا وها هو نبيُّك ِ وحبيبُك ِ يَسرج ُ لك ِ صهوة صوته العذب، وها أنت ِ تمتطين ظهر الكالم، وتعودين أدراجك ِ إلى ماض ٍ سحيق لم تعيشيه، وتطَّلعين على غيب ٍ لم تشهديه! يقول ُ لك ِ حبيبك ِ ومصطفاك ِ وقُرَّة عينيكِ:ٍ لم يكذب ْ إبراهيم عليه السَّالم إال ثالث كذبات ثنتين في ذات اهلل! ﴾ٌ إِن ِّ سَقِيم﴿ قوله: ﴾ْبَل ْ فَعَلَه ُ كَبِريُهُم﴿ وقوله: وبينما هو ذات يوم ٍ وسارة إذ أتى على جبَّار ٍ من الجبابرة فقيل له: إن َّ ها هُنا رجال ً مع امرأة ٍ من أحسن الناس،
28أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فأرسل َ إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي! فأتــى ســارة فقــال: يــا ســارة ليــس علــى وجــه األرض مؤمــن غيــري وغيــركِ، وإن َّ هذا سألني فأخبرته عنك ِ أنك ِ أختي، فال تُكذبيني! فأرسل َ إليهما، فلما دخلت ْ عليه ذهب َ يتناولها بيده، فأُخِذ!ِ فقال لها: ادعي اهلل أن يُطلق َ يدي، وال أضُرّك فدعتْ، فأُطلِقَ! ثم جاء َ يتناولها الثانية، فأُخِذ َ مثلها أو أشدَّ، فدعا بعض صحبته، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسانٍ، إنما أتيتموني بشيطان! فأتت ْ إبراهيم وهو يُصلي، وقالتْ: كف َّ اهلل يد َ الفاجر، وأخدمني هاجر! والقصّة أيتها الصحابيّة باختصار: أن َّ إبراهيم عليه السّالم عندما أخرجه قومه من العراق، توجه بزوجته سارة إلى مصر، وكانت ْ سارة أجمل امرأة في تاريخ البشرية، حتى ليُقال أن جمال يوسف عليه السالم بعِرْق ٍ منها فهي جدَّتُه! وكان فرعون في ذلك الوقت زير نساء، ال يرى امرأة جميلة إال أرادها لنفسه،
29أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وكان قد أمر جنوده إذا رأوا امرأة ً جميلة أن يخبروه بها، فأخبره جنوده بجمال سارة، فأرسل فرعون إلى إبراهيم عليه السالم يطلبه، فلما حضر عنده سأله عنها، فقال له إبراهيم عليه السَّالم: هي أختي! ألنه يعلم ُ أنه لو قال إنها زوجته، فسيقتله، ويأخذها منه! ولما حضر إبراهيم وسارة إلى قصر فرعون، أمر فرعون أن تُحمل َ إليه فلما أراد أن يمد َّ يده عليها تخشَّبت ْ يده! فطلب َ منها أن تدعو اهلل له أن يفكه ولن يقربها، ألنه علم أنها وإبراهيم عليه السالم موحدين يعبدون اهلل، فدعت ْ له، فشُفيَ، ولكنه حنث َ بوعده، وقام يحاول ُ أن يمد َّ يده عليها، فأصابه أشد مما أصابه في المرّة األولى، فنادى على خدمه وأخبرهم أن َّ هذه شيطانة ال إنسانة! وأمر َ أن يطلقوها ويعطوها هاجر هدية ً لها، فعادت ْ إلى إبراهيم عليه السالم وهو يصلي، وأخبرته باألمر، وقيل إن َّ اهلل سبحانه قد كشف َ الحجاب إلبراهيم عليه السالم، فكان يرى ما يحدث بين فرعون وسارة تعزية ً لخليله إبراهيم، وطمأنة لقلبه أن عِرضه مُصان! يا صحابية،
30أنت ِ أيضا ً صحابيَّة إن َّ الكذب َ الوارد في القصة ليس هو الكذب الذي تعرفينه، ذاك الكذب الذي يقلب الحق َّ باطالً، وإنما هو إخبار بغير الحقيقة للضرورة، واإلسالم العظيم دين الواقعية والحياة بامتياز، لذلك أباح الكذب في ثالثة مواضع! كذب المسلم ُ على أعدائه، فليس من المنطق أن يأخذ الكفار أسيرا ً مسلماً، ويسألوه عن أسرار المسلمين فيخبرهم! وكذب المسلم إلصالح ذات البين فعندما تقع ُ الخالفات بين الناس يجب حلَّها، فإذا وقع بين صديقتيك ِ خالف، جئت ِ إلى صديقة منهما وقلت ِ لها: فالنة تُحبكِ، ونادمة على ما كان منها، وقد قالت ْ عنك ِ كالما ً جميالً، دعينا ال نتحدث عما حدث، ونصلح الذي كان، وتقولين لألخرى مثل ذلك وبهذا ينتهي الخالف، ولك ِ أجر الصلح وليس عليك ِ إثم الكذب! وأباح اإلسالم العظيم كذب الرجل على امرأته، وكذب المرأة على زوجها، إذا ما تعلَّق َ األمر بجبر الخواطر، ومراعاة المشاعر، يقول ُ الرجل لزوجته: أنت ِ أجمل امرأة في الدنيا، وهو يعرف ُ أن َّ هناك من هي أجمل منها، وهي تعرف ُ كذلك،
31أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ولكن هذا ليس مضمار الحقيقة، ألن الحقيقة هنا تكسر القلب! وقد يمدح ثوبا ً لبسته وهو ال يُعجبه وتسريحة شعر ٍ وهي ال تروق له، وطبخة جديدة وهو لم يستطِبْها، وكل هذا داخل في باب جبر الخواطر، وجبر الخواطر عبادة! وما يُقال في حق الزوج، يُقال في حق الزوجة أيضاً! سأل َ رجل ٌ زوجته إن كانت ْ تُحبُّه، وناشدها اهلل أن تصدقه، فقالتْ: أما إنك َ ناشدتني اهلل، فال أُحبُكَ! فشكاها إلى عمر بن الخطاب، فأرسل عُمر في طلبها، وأنَّبها على ما كان منها فقالت ْ له: يا أمير المؤمنين، أتريدني أن أكذب عليه؟! فقال لها: نعم اكذبي عليه، أَكُل ُّ البيوت بُنيت على الحُب، أال إن َّ الناس يتعاملون بالمروءة والذمة! يا صحابية، صرت ِ تعرفين اآلن أن ما كان من إبراهيم عليه السّالم، إنما كان من باب حُسن التدبير والحيلة، ﴾ٌ إِن ِّ سَقِيم﴿ وكذلك قوله كان كي ال يخرج معهم إلى عبادة غير اهلل، ﴾ْبَل ْ فَعَلَه ُ كَبِريُهُم﴿ وقوله
32أنت ِ أيضا ً صحابيَّة كان من باب إقامة الحُجة عليهم، وكي يريهم أن هذه األصنام التي يعبدونها من دون اهلل إنما هي عاجزة ال تضر وال تنفع! فال تكوني فظّة بدعوى أنك ِ تقولين الحقيقة! عند جبر الخواطر «الدبلوماسية» هي المطلوبة، وعندما تقع الخالفات كوني رسول خير، وال تمشي بالنميمة بين المتخاصمين، فتصبين الزيت على النار وتذكري: ال يدخل الجنة نمَّام! يا صحابية، من أرادت ْ العِفَّة عفَّها اهلل، إن َّ اهلل أعدل من أن يراك تطلبين الستر فيفضحك، وأجل َّ من أن تطلبي الخير فيوقعك ِ في الشَّر، أصلحي قلبك ِ ونيّتك ِ ثم اتركيها على اهلل، كل األسباب بيده سبحانه، شُلَّت ْ يد فرعون ألنها امتدت ْ إلى امرأة عفيفة، فكوني مع اهلل يكُن ْ معكِ! يا صحابية، الجمال، المال، والمنصب نِعَم يجب أن تُصان، الجمال يُصان بستره وعدم كشفه إال لصاحبه، والمال يُصان بالحمد ومساعدة الفقراء، والمنصب يُصان بخدمة الناس،
33أنت ِ أيضا ً صحابيَّة كوني جميلة، واهتمي بأنوثتكِ، ضعي مساحيق التجميل، والبسي أجمل الثياب، واستخدمي أجمل العطور، ولكن في موضعها، موضعها فقط! تعلمي، واحصلي على الشهادات، وتاجري إن شئتِ، كوني ثرية ولكن دون كبر وكفران النعمة! وانجحي في وظيفتكِ، واسعي لمنصب أعلى، ولكن ال تنسي أبدا ً أن َّ الذي رفعكِ، قادر ٌ على أن يُنزلك ِ بدعوة مظلوم! يا صحابية، مهما كنت ِ جميلة وثرية وناجحة، كوني دوما ً في كنف زوجكِ، وال تتكبري عليه، أو تنتقصي من رجولته! ما هذا دأب ُ الصالحات، وال أخالقهُنَّ، مهما بلغت ِ من الجمال فلن تصلي إلى جمال سارة، وقد كانت في كنف إبراهيم عليه السالم، زوجة مُحبَّة، ورفيقة درب! ومهما بلغت ِ من الثراء فلن تصلي إلى ثراء خديجة رضي اهلل عنها وقد جعلت ْ كل مالها في يد زوجها، وأعطته حين حرمه الناس،
34أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وصدقته حين كذَّبه الناس، وآمنت ْ به حين كفر َ به الناس! مالك ِ لك ِ ال شكَّ، وهذا حقك ِ الذي ال يجادلك فيه أحد، ولكن البيوت التي يكون فيها جيبان، وهذا لك َ وهذا لي، العيش ُ فيها ال يُطاق!
35أنت ِ أيضا ً صحابيَّة إن َّ اهلل ال يُضيع أهله أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! استمعت ِ بشغف ٍ إلى قصة سارة في قصر فرعون، وكيف حفظ َ اهلل تعالى لها عِرضها، وكيف رجعت ْ إلى إبراهيم عليه السَّالم ومعها هاجر، الخادمة التي وهبها إياها فرعون بعدما عرف أنها امرأة مباركة، وأرى أن الشغف َ عندك ِ قد تضاعف، وأنت ِ اآلن تسألين: ما الذي حدث َ بعد ذلك؟ً كنت ِ في شغفك ِ على حق ٍّ تماما، فإن َّ الذي حدث َ بعد ذلك مُعجزة، تستحِق ُّ أن يعيرها المرء ُ قلبه وعقله وسمعه! نظرت ْ سارة في نفسها وعرفت ْ أنها ال تُنجب، فقد مضى على زواجها من إبراهيم عليه السَّالم سنوات، وكانت ْ تعرف ُ توق َ إبراهيم عليه السّالم للذريَّة والولد، فأعتقت ْ هاجر وطلبت ْ من إبراهيم عليه السّالم أن يتزوجها وهكذا كان... ووهب َ اهلل ُ تعالى خليله بِكره إسماعيل، وتعلَّق َ قلب ُ إبراهيم عليه السالم بالولد وأمه، وشعرت ْ سارة بغيرة شديدة، وكان منها تصرفات ٍ تكون من الزوجة إذا غارت ْ من ضرتها! فجاء إبراهيم ُ عليه السّالم وأخذ هاجر وإسماعيل ومضى بهما، في رحلة طويلة كُتب َ لها أن تُغيِّر وجه األرض إلى األبد!
36أنت ِ أيضا ً صحابيَّة كانت الوُجهة مكة! المدينة التي ليس فيها أي شيء ٍ من مقومات الحياة؛ ال بشر، وال شجر، وال ماء! أما الكعبة فكانت قد تهدمت ْ بسبب طوفان نوح ٍ عليه السالم، ولم يبق َ منها إال أساساتها التي غمرتها الرمال بفعل الزمان وال يعلم بهذا إال اهلل! أعطى إبراهيم عليه السالم هاجر جُرابا ً فيه تمر، وسقاء ً فيه ماء، ثم أدار ظهره ومضى! فلحقته هاجر وقالت له: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به إنس ٌ وال حياة؟! وجعلت ْ تُكرر قولها هذا، وإبراهيم عليه السّالم ال يلتفت ُ إليها، فقالت ْ له: آهلل ُ أمرك َ بهذا؟ قال: نعم فقالتْ: إذن ْ ال يُضيِّعُنَا! فرجعت ْ هاجر إلى حيث وضعها زوجها، أما إبراهيم عليه السالم فمضى حتى إذا كان عند «الثَّنيَّة» حيث ال يرونه رفع يديه يدعو ربه فقال: َ ـكـد َ بَيْتِـِْ ذِي زَرْع ٍ عِنـ ريــوَاد ٍ غَــي ِ بِــن ذُرِّيَّــكَنت ُ مِــا إِن ِّ أَسْـرَّبَّنَـ﴿ ـوِيـاس ِ تَهْــن َ انلَّــدَة ً مِّــل ْ أَفْئِــاَة َ فَاجْعَــوا الصَّــا لُِقِيمُــرَّم ِ رَبَّنَـالْمُحَـ ﴾َ ـكُرُونـم ْ يَشْــرَات ِ لَعَلَّهُــن َ اثلَّمَــم مِّــم ْ وَارْزُقْهُـإِلَْهِـ
37أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وجعلت ْ هاجر تُرضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِد َ ما في السِّقاء عطِشت ْ وعطش ابنها، وجعلت ْ تنظر ُ إليه يتلوّى، فانطلقت ْ كراهية أن تنظر إليه، وجعلت ْ تسعى بين الصفا والمروة علَّها تجد ُ أحدا ً يعينها، فلما أتمَّت ْ سبعة أشواطٍ، ويئِست ْ من الناس وعلَّقت ْ كل الرجاء على اهلل، فإذا بالذي ال يُخيِّب ُ الظنون، قد أرسل َ لها ملكا ً ضرب بجناحه األرض! فتفجر نبع ُ ماء ٍ بين قدمي ابنها، فجعلت ْ تتدارك الماء بيديها خشية أن يذهب، وتقول: زُمّي، زُمّي فسمي َ ذلك َ الماء بماء زمزم! فشربتْ، وأرضعت ْ ولدها، فقال لها المَلكُ: ال تخافوا الضَّيعة،ِ فإن َّ ها هُنا بيت َ اهلل يبنيه هذا الغالم وأبوه، وإن َّ اهلل ال يُضيِّع أهله! واكتشفت الطيور مكان الماء وجعلت ْ تُحلِّق ُ فوقه، وبالقرب من ذلك مرَّت ْ قبيلة «جُرهم» فرأت ْ الطيور في السماء، فقالوا: إن َّ هذا الطائر ليدور على ماء! لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فاستأذنوها أن ينزلوا عندها فأذِنت ْ لهم،
38أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وهكذا بدأت ْ عِمارة مكة بالناس، وآنس اهلل ُ هاجر، وأزال عنها الوحدة! قصة ثريَّة يا صَحابيّة لو أردنا أن نفيها حقَّها لما كفاها كتاباً، ولكن يكفي من القالدة ما أحاط بالعُنق، «وما ال يُدرك ُ كُلُّه ال يُترك ُ جُلُّه» كما قالت ْ العرب! يُحسب ُ لسارة أنها وهَبت ْ هاجر إلبراهيم عليه السالم ليتزوجها، خالفت ْ فطرتها، والمرأة مفطورة على بغض الضرائر! وما أرادت ْ أن تكون سببا ً في حرمان زوجها من الولد، وعندما غارت ْ فهذا مرجعه الفطرة ال قلة اإليمان، فهي جبل من اإليمان والثبات، ولكن الفطرة يتساوى فيها الناس جميعاً، المؤمن والكافر على حد ٍّ سواء، وال عالقة لمستوى اإليمان بهذا، اإليمان يضبط ُ هذه الفطرة ويؤدبها، ويكبح ُ جماح الغرائز وإن كان ال يُلغيها، ولو نجت ْ امرأة من غيرة الضرائر إليمانها لنجت ْ من هذا سارة! ولنجت زوجات النبي ِّ وقد كان بينهن َّ من الغيرة ما يكون بين سائر النساء، على أن اإليمان يضبط ُ اإليقاع كلَّه!
39أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ويجعل ُ المرأة تترفع عن الظُّلم وإن غارتْ، وهذا هو الفرق بين المؤمنة وغيرها! فإذا ابتليت ِ بضرَّة ٍ فال أقول ُ لك غير: ربط َ اهلل ُ على قلبك ِ فالشعور مرير وحالَّك ِ بالصَّبر ِ فإنه الزاَّد الوحيد النافع ولكن إياك ِ أن تظلمي! ال تقولي في ضرتك ِ ما ليس فيها، وال تقعي في عرضها وأنت ِ تعرفين طهرها! وال تفرقي بين أوالدك ِ وأوالدها، فإن َّ هذا من قطع األرحام، وقد يرقق ُ اهلل ُ قلوب أوالدها عليكِ، أكثر مما يُرقق ُ قلوب َ أوالدها عليها، وقد تجدين أحدهم في آخر عمركِ! فاحذري أن تُخرجك ِ الغيرة عن دينكِ، فتجمعين عليك ِ مرارة الدنيا وفساد اآلخرة! وتذكري أنه ال يضيع ُ شيء ٌ عند اهلل، وأن الجزاء من جنس العمل! فسارة كرهت ْ أن تقف في وجه سعادة زوجها، أصلحها اهلل تعالى على كبرها ورزقها بإسحاق عليه السالم، الذي كان من ذريته كل نبي بُعث في بني إسرائيل بعد هذا! يا صحابية، لم يكن إبراهيم عليه السالم مستغنيا ً عن ابنه وزوجته،
40أنت ِ أيضا ً صحابيَّة كان أبا ً مُحباً، وزوجا ً رائعاً، ولم تكن هاجر مستغنية عن زوجها، كانت زوجة مُحبّة، تأنس بزوجها، وتسعد بقربه، ولكن إبراهيم عليه السّالم تركها ألنه أمر ُ اهلل! وهاجر رضيت ْ بهذا االمتحان الصعب ألنه أمر اهلل! أوامر اهلل تأتي أحيانا ً بخالف الهوى هذا ألن الدنيا دار امتحان! أنت ِ لست ِ جاهلة بالموضة، ولكنك ِ تلبسين باحتشام ٍ ألنه أمر اهلل! ولست ِ ناقصة أنوثة، ولكنك ِ ال تُبدين زينتك ِ ألنه أمر اهلل! وتسترين جسدك ِ على أنوثته ألنه أمر اهلل! تصومين ال ألنك ِ كارهة للطعام، وإنما ألنه أمر اهلل! وتقومين الليل ال ألنك ِ كارهة للنوم، وإنما ألنك ِ تبتغين رضوان اهلل! أنظري إلى األمر من هذه الزاوية، يسهل ُ عليك ِ ترك ُ ما تحبين ألجل ما يُحبُّه اهلل! ما أجمل هاجر في قولها: آهلل أمركَ؟ فلما قال: نعم، هان َ عليها كل شيء ٍ بعد ذلك! الصحراء المقفرة ال تُخيفها ولو كانت وحيدة، والحَر ُّ ال يقلقها وإن كانت ْ ضعيفة،
41أنت ِ أيضا ً صحابيَّة تعرف ُ ملء قلبها أن َّ من أقام بأمر اهلل أقام َ اهلل أمره! كوني على يقين الحجاب ُ ال يُؤخر العريس، والسفور والزينه ال تُقرِّبه! هي أرزاق مكتوبة ولكن الفارق بينهما، أن أحدهما أُخذ برضوان اهلل واآلخر بسخطه! يا صحابيّة أنت ِ رقيقة ولكنك لست ِ ضعيفة، كُلك ِ أنوثة ولكنك ِ لست ِ عاجزة! أدركي الفرق َ جيداً، لو أن َّ هاجر جلست ْ تبكي بعد أن تركها إبراهيم عليه السالم، ما المها أحد! ما تفعل ُ امرأة وحيدة في صحراء شاسعة، هل تحفر ُ بئرا ً في صحراء؟! أم تبحث عن طعام في الصَّخر، ولكن هاجر لم تتوقف عن السَّعي رغم شدة الظروف، أخذت ْ تسعى بين الصفا والمروة، تبحث عن أي سبب ٍ من أسباب النجاة، هي تعرف أنها مأمورة بالسَّعي، أما النتائج بيد اهلل وحده! وعندما فعلت ْ كل ما تستطيع، وسعت ْ بكل ما قدرت ْ عليه من السعي جاءت ْ معيّة اهلل على هيئة معجزة!
42أنت ِ أيضا ً صحابيَّة من قال لك ِ أن المعجزات ال تحتاج ُ إلى سَعي أيضاً؟! يعرف ُ موسى عليه السالم ونعرف ُ نحن معه، أن العصا ال تشق ُّ البحر من تلقاء نفسها! وأن َّ اهلل سبحانه الذي شق َّ البحر بالعصا، كان قادرا ً على أن يشقه من دونها، ولكنها عبادة السَّعي، دأب ُ األنبياء والمؤمنين على مر ِّ التاريخ، ﴾َاضِْب بِّعَصَاك َ الَْحْر﴿ لهذا قال له اهلل: ويعرف ُ نوح ٌ عليه السالم ونعرف نحن معه، أن الذي أنجاه بالسفينة، كان قادرا ً على أن يُنجيه بدونها! ولكنه بذل السبب المُستطاع ثم ترك األمر بيد اهلل، ﴾َوَاصْنَع ِ الْفُلْك﴿ لهذا قال له ربه: وتعرف ُ مريم عليها السالم ونعرف ُ نحن معها، أن رجال ً شديدا ً ال يستطيع أن يهز َّ نخلة، فضال ً على أن تهزها امرأة وضعت ْ مولودا ً للتو، ولكن ال بُد َّ من بذل السبب المُتاح، وكان ال بد من بعض السَّعي،ِ ـكـاقِط ْ عَلَيْــة ِ تُسَــذْع ِ انلَّخْلَــك ِ بِِــزِّي إِلَْـوَهُـ﴿ لهــذا قــال لهــا ربنــا: ﴾رُطَبًا جَنِيًّا إن َّ الذي رزقها ولدا ً بخالف األسباب،
43أنت ِ أيضا ً صحابيَّة كان قادرا ً أن يرزقها تمرا ً بخالف األسباب، ولكنه السَّعي يا صحابية! أنت ِ قوية فاسعي وعلى اهلل النتائج، وأنت ِ محاربة فال تنكسري وباهلل ِ التوفيق! يا صحابيّة تأملي هذه المقولة ما أعذبها: إن َّ اهلل ال يُضيِّع ُ أهله، يحتاج الناس لمن يربت على قلوبهم، لمن يخبرهم أن الدنيا بخير، وأن َّ القادم أجمل ازرعي األمل في الناس، كوني إيجابيَّة وصانعة فرح، أخبري المريض أن الشفاء قريب، وذكِّريه بالذي شفى أيوب عليه السالم وقد أيِس َ منه الناس، أخبري الراسب أنها مجرد عثرة وليست نمط حياة، وأن ما فات اليوم يمكن تداركه غداً، أخبري المحتاج أن خزائن اهلل مألى، وأن َّ الذي أعطى الغني َّ يمكن أن يعطيه! أخبري المحزون أن الفرح قريب، وأن َّ في الهم ُّ والغم ُّ أجراً! أخبري المكسور أن الفرج قريب، وأن جبر اهلل سينسيه ما أصابه! الكلمة الحلوة تُنعش الروح،
44أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وتعين الناس على قسوة األيام ما أجمل أن يُعرف اإلنسان بإيجابيته، وأنه المواسي دوماً! وأنه المعين على نوائب الدهر أبداً، في سير أعالم النبالء لإلمام الذهبي ترجمة رائعة ألبي حمزة السُّكري ِّ رحمه اهلل قال عنه الذهبيُّ: أبو حمزة السُّكري، محمد بن ميمون عالم جليل حافظ، لم يكن يبيع ُ السُّكر وأنما سُمِّي َ السُّكري لحلو كالمه! يا صحابيّة، إذا ضاقت ْ عليك ِ فال تنظري في قوة المشكلة، وإنما في قوَّة من بيده حلُّها! يدهشُنا اهلل في الطريقة التي يُنجي بها أهله، فكوني هلل أهال ً يكُن ْ لك ِ أهالً، وإن َّ اهلل ال يُضيِّع ُ أهله! هذه ليست مقولة مخصوصة لهاجر، هذه قاعدة عامة، وقانون سارٍ، وسُنَّة من سُنن اهلل في الكون، احملي هما ً واحدا ً وهو: كيف ترضين ربَّكِ، ثم دعي بقيَّة الهموم له! جرت ْ سفينة نوح ٍ في موج ٍ كالجبال، ألن َّ نوحا ً عليه السالم ومن معه كانوا من أهل اهلل!
45أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ولم تحرق ْ النار ُ إبراهيم عليه السّالم، إال ألنه كان من أهل اهلل! ولم تذبح السِّكين َ إسماعيل عليه السالم إال ألنه أسلم نفسه هلل! ولم يأكل الحوت يونس عليه السّالم إال ألنه كان طول عمره من المسبِّحين! ولم ينشق َّ البحر لموسى عليه السَّالم إال ألنه كان يثق باهلل ويقول واإليمان يمأل قلبه: ﴾ِ ك ََّ إِن َّ مَع َِ رَب ِّ سَيَهْدِين﴿ زمن المعجزات لم ينتهِ، ومعيَّة اهلل ِ لعباده ال تتوقف! وعد ٌ صادق ال يُردُّ، وقاعدة ثابتة ال تتغير من كان مع اهلل كان اهلل معه!
46أنت ِ أيضا ً صحابيَّة أنت ِ عتبة الباب! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! استمعت ِ للحكاية من أولها، كنت ِ مع سارة في قصر فرعون ومع هاجر تسعى بين الصفا والمروة ووصل بك ِ المطاف حيث جاءت قبيلة جُرهم واستأذنت أم إسماعيل أن ينزلوا بجوارها ولعلَّك ِ اآلن تسألين: ما الذي حدث َ بعد ذلك؟ مضت اآلن سنوات ٍ طوالٍ، شب َّ فيها إسماعيل عليه السَّالم في أحضان جُرهم، وتعلَّم منهم اللغة العربيَّة، وتزوَّج امرأة ً منهم أيضاً، وماتت هاجر! وجاء إبراهيم عليه السَّالم ينظر ُ ما حل َّ بهم، فذهب َ إلى بيت إسماعيل عليه السالم فلم يجده، فسأل َ زوجته عنه فقالت ْ له: خرج َ يبتغي لنا، فسألها عن حالهم ومعاشهم، فقالتْ: نحن في شرٍّ، نحن في ضيق ٍ وشِدَّة، وأخذت ْ تشكو إليه وهي ال تعلم ُ من هو! فقال لها: إذا جاء زوجك ِ فاقرئي عليه السَّالم، وقولي له: غيِّر ْ عتبة بابكَ! فلما جاء إسماعيل عليه السَّالم كأنه شعر َ بشيءٍ،
47أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فسأل زوجته: هل جاءكم من أحد؟ فقالتْ: نعم، جاءنا شيخ أوصافه كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أننا في ضيق ٍ وشِدَّة، فقال لها: هل أوصاك ِ بشيءٍ؟ فقالتْ: نعم، أمرني أن أقرأ عليك َ السَّالم، ويقول لك َ غيِّر ْ عتبة بابكَ! فقال لها: ذاك َ أبي، وقد أمرني أن أُطلقكِ، فالحقي بأهلكِ! وتزوَّج إسماعيل عليه السَّالم امرأة أخرى، وعاد َ إبراهيم عليه السَّالم مرَّة ً أخرى لزيارة ابنه، فلم يجده أيضاً، ووجد َ زوجته الجديدة، فسألها: أين زوجكِ؟ فقالتْ: خرج َ يبتغي لنا! فقال لها: كيف أنتم، وكيف عيشكم؟ فقالتْ: نحن بخير ٍ وسَعةٍ، وأثنت ْ على اهلل ِ خيراً! فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم فقال: وما شرابكم؟ فقالتْ: الماء فقال: اللهم بارك ْ لهم في اللحم والماء ولم يكن عندهم طعام غيره، ولو كان عندهم، لدعا بالبركة أيضاً! ثم قال لها: فإذا جاء زوجك ِ فاقرئي عليه السَّالم، وقولي له: ثبِّت ْ عتبة بابك!
48أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فلما جاء إسماعيل عليه السَّالم قال لها: هل أتاكم من أحد؟ فقالتْ: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وسألني عنك َ فأخبرته، وسألني عن عيشنا فأخبرته أننا بخير! فقال: فهل أوصاك ِ بشيءٍ؟ قالتْ: نعم، هو يقرأ عليك َ السَّالم ويأمرك َ أن تُثبِّت عتبة َ بابكَ! فقال: ذاك أبي، وأنت ِ العتبة، وقد أمرني أن أُمسككِ! يا صحابيّة، مهما كنت ِ على حقٍّ، ومهما كانت دعواك ِ صادقة، األسلوب أوالً! يمكنك ِ أن تقولي األشياء القاسية بطريقة لطيفة، تصلين إلى مبتغاك ِ وال تجرحين الخاطر، وانظري ما أحسن الكناية التي استخدمها أبوك ِ إبراهيم! قولي له: غيِّر ْ عتبة ْ بابكِ! كان بإمكانه أن يقول لها: أنا أبوه، وقولي له أن يُطلقك! مع أن النتيجة واحدة نهاية المطاف، ولكنه أدب األنبياء! إنهم يختارون أجمل األلفاظ ويلبسونها ألفكارهم! وإن َّ لك ِ فيهم قدوة حسنة!
49أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابية، لقد رأيت ِ أن إبراهيم عليه السَّالم حين أمر ابنه بتطليق زوجته، لم يعِب ْ عليها في عرضها، معاذ اهلل! ثم إن َّ بيوت األنبياء ليست معصومة من الكفر، ولكنها معصومة من الزنا وخيانة زوجتي لوط ونوح عليه السالم الواردة في القرآن، هي خيانة في العقيدة والكفر ال في الفِراش! ولكنه عاب َ عليها كثرة شكواها وقلة شكرها، فالمرأة التي ال تقنع ْ مرض ٌ عُضال يُفسِد ُ الحياة! فاقنعي يرحمك ِ اهلل! إن َّ اهلل تعالى قد قسم األرزاق بين عباده عن حكمة يعلمها، لم يحرمك ِ عن فقر ٍ منه سبحانه! ولم يعطِك ِ كما أعطى غيرك ِ ألن الدنيا دار امتحان، وأنت ِ مأمورة بالصبر عند القلة والحرمان، ومأمورة بالشكر عند الكثرة والعطاء، والصابر والشاكر في األجر سواء! كالهما نجح في امتحان العبودية! يا صحابية، كما رأيت ِ فإن َّ إسماعيل عليه السالم لم يدَّخِر ْ جُهدا ً لتأمين قوت عائلته، باعتراف زوجته الساخطة حين قالتْ: خرج َ يبتغي لنا!
50أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ولكن هذا هو رزقه الذي قسمه اهلل له! فإن ابتليت ِ وزوجك ِ بقلة الرزق، فكوني له عونا ً على الدنيا وال تعيني الدنيا عليه! يا صحابيّة، كلنا نملك نفس العين ولكننا ال نملك نفس النظرة! أحيانا ً ال يكون الخلل في المشهد، وإنما في العين التي تنظُر إليه، إسماعيل عليه السَّالم هو إسماعيل مع الزوجتين، لم يتغيَّر ْ حاله، ولم تتبدل مصادر رزقه، ليس له من طعام إال ما يصطاده بقوسه، قد كان عليه السالم من أمهر الناس بالرَّمي، ولكن نظرة كل واحدة ٍ من الزوجتين للحياة مختلفة! األولى كثيرة السخط، قليلة الرضا، والثانية قليلة السخط، كثيرة الرِّضا، هذا ألن َّ الغنى مصدره ما في القلب، ال ما في الجيب! وحين يتأدب ُ العبد مع ربه يهُن ْ عليه كل شيء، يمرض ُ شخص ٌ فيشتكي على اهلل ويتسخَّط، ويمرض ُ آخر فيصبر، ويحمدُ، ويدعو، كالهما في المرض سواء! ولكن ما بين قلبيهما كما بين السماء واألرض في المسافة، الحياة امتحان عبودية يا صحابية فال تفشلي!
51أنت ِ أيضا ً صحابيَّة امرأة ٌ من نوع ٍ آخر! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة، تُحبين أن تُرافقي نبيَّك ِ وحبيبك ِ في أسفاره، تعرفين أن السَّفر معه مُتعة، رؤية وجهه تُنسيك ِ عناء الطريق، وحُلو حديثه يُبدّد مشقّة الدَّرب! وها أنت ِ اآلن معه في سفرٍ، وقد نزل َ في ضيافة أعرابي ٍّ فأكرمه وأحسن ضيافته، وألن َّ نبيُّك ِ وحبيبُك ِ ال ينسى معروفا ً أُسدي َ إليه، قال لألعرابي: يا أعرابي ُّ ائتنا! بأبي هو وأمي يريد ُ أن يرد َّ معروف األعرابي، وبالفعل لم تطل ْ المُدّة باألعرابي حتى جاء، فقال له النبي ُّ : يا أعرابي سلني حاجتكَ! فقال: ناقة نركبها، وأعنز ٌ يحلبها أهلي! وألنه نبي ُّ يُحِب ُّ معالي األمور قــال لألعرابــي كالمُعاتــب: أعجــزت َ أن تكــون مثــل عجــوز بنــي إســرائيل؟! ال شك َّ أن الفضول يتملكك ِ اآلن! وتريدين أن تعرفي ما شأن عجوز بني إسرائيل؟ وهذا هو حال الصحابة أيضاً! إنهم يسارعون بالسؤال: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول اهلل؟ فأخبرهم أن يوسف عليه السالم كان قد أوصى قومه،
52أنت ِ أيضا ً صحابيَّة إذا خرجوا من مصر أن يحملوه معهم ليُدفن في فلسطين، ومضت األعوام، سنة وراء سنة، وقرن وراء قرن! وأعلم َ موسى عليه السَّالم بني إسرائيل، أن َّ وقت الخروج من مصر قد حان! فأخبروه بوصية أخيه يوسف التي توارثوها جيال ً بعد جيل، فسألهم عن قبر يوسف ليأخذ جثمانه وينفذ وصيته، ولكن المفاجأة كانت أنه ال أحد يعرف مكان القبر! إال عجوزا ً من بني إسرائيل عرفت هذا من أجدادها، فطلب منها موسى عليه السالم أن تدله على مكان القبر، فرفضت ْ أن تخبره حتى يعطيها وعداً، أن تكون رفيقته في الجنة! فرفض َ موسى عليه السَّالم هذا الشرط، ألنه ال يملك أن يُدخل الناس الجنة! فأوحى اهلل تعالى إليه أن أعطِها ما طلبتْ! فدلتهم على مستنقعٍ، وقالت: جففوا الماء هذا، فإن َّ تحته قبر يوسف عليه السالم، وهكذا كان! يا صحابيّة، إذا أسدى إليك ِ أحد ٌ معروفا ً فال تنسيه، وابقي متحينة الفرصة لترديه، هكذا كان دأب ُ نبيُّك ِ وحبيبُك ِ دوماً! ضيافة عابرة من أعرابي لم يتركها واحدة عليه،
53أنت ِ أيضا ً صحابيَّة طلب من األعرابي أن يأتيه ليكرمه، احفظي للناس معروفهم وانتظري دورة األيام، فإذا حان دورك ِ فكوني على الموعد! وحتى إذا لم تُسعفك ِ اللحظة أن تردي المعروف، فكوني أرقى من أن تنكريه! ناكر المعروف ال يحترمه أحد! عندما رُجم النبي ُّ في الطائف، وأراد العودة إلى مكة، وجد أن زعماءها قرروا أن يمنعوه من دخولها، فطلب َ من المطعم بن عدي ٍّ أن يجيره، وكان المطعم بن عدي رجال ً شهما ً رغم شركه وكفره، فأجار النبي َّ ، وأدخله إلى مكة تحت حمايته ورعايته، ومات َ المطعم بن عدي ٍّ قبل أن يرد َّ له النبي ُّ معروفه! ولكنه بعد معركة بدر نظر في أسرى قريش، وقال: لو أن المطعم بن عدي ٍّ كلمني في هؤالء النتنى، ألطلقتهم له! انظري للوفاء يا صحابيَّة، قوم جاؤوا لقتاله ولو أُتيحت لهم الفرصة لقتله لفعلوا، ولكنه على استعداد أن يُطلق سراحهم! لو طلب منه ذلك الرجل الذي أسدى إليه معروفاً!
54أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيّة، الرَّب ُ الذي كان يوحي إلى موسى عليه السَّالم، كان قادرا ً أن يدله على مكان قبر يوسف عليه السَّالم، ويوفر عليه عناء المفاوضات مع امرأة عجوز، ولكن الرَّب َّ الرَّحيم الذي يُجازي على النوايا الحسنة، علِم َ تعلّق َ هذه المرأة به وشوقها إلى الجنّة، فلم يكشف لرسوله ما تعرفه هذه المرأة، وإنما ترك َ علمها مخفيا ً عن رسوله ليعطيها الجنّة! ضعي اهلل في نيَّتك ِ وقصدكِ، اصدقي في طلب رضوانه وجنته، وسيعطيك ِ هذا على أيسر الطرق وأهون األسباب! الصدق مع اهلل فقط هو السر، وال أحد أكرم من اهلل يا صحابيَّة! جاء أعرابي ُّ ال يعرفه من الصحابة أحد، فبايع النبي َّ على الجهاد والهجرة، وخرج َ معه في قتال ٍ من َّ اهلل تعالى فيه بالنصر على المسلمين، وقسم النبي ُّ الغنائم بين أصحابه، وكان األعرابي غائبا ً فترك َ له النبي ُّ نصيبه، فلما جاء قيل له: ترك لك َ النبي ُّ هذا! فأخذ الغنائم وذهب َ إلى النبي وقال له: ما هذا يا رسول اهلل؟ فقال له: قسمته لكَ! فقال: يا رسول اهلل، ما على هذا بايعتُكَ!
55أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ولكني بايعتُك َ على أن أُرمى بسهم ٍ ها هنا يخرج من ها هنا فأدخل الجنة وأشار إلى رقبته! فقال له النبي ُّ : إن تصدق اهلل يصدقك! ثم كانت ْ غزوة أخرى خرج هذا األعرابي فيها ، فجيء به شهيدا ً والسَّهم مغروز في رقبته حيث أشار، فقال النبي ُّ : أهو هو؟ فقالوا: نعم يا رسول اهلل! فقال: صدق َ اهللَ، فصدقه اهللُ! يا صحابيّة، كوني طموحة واغتنمي الفُرص! وال تكوني كاألعرابي الذي سنحت ْ له فرصة ذهبيّة، بإمكانه أن يستغلها أحسن استغالل، فطلب َ شيئا ً زائال ً من دنيا زائلة! صحيح أن اهلل َ يُحِب ُّ أن يُسأل، وقد أوحى إلى موسى عليه السالم فقال: يا موسى سلني علف َ دابتكَ، وملح عجينتك، وشِراك نعلك ولكن الفكرة أن تُعلقي قلبك ِ بالجنَّة! كل ما حال بينك ِ وبينها فاتركيه! وكل ما أبعدك ِ عنها فدعيه غير مأسوف ٍ عليه! ومن اهلل العوض!
56أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيّة، اسألي عما ال تعرفينه، ال عيب في هذا أبدا ً ! العيب أن يعتبر اإلنسان نفسه عالَّمة زمانه، فهذا موسى عليه السالم كليم اهلل، يسأل عن مكان قبر يوسف عليه السالم ألنه ال يعرف مكانه، لم يولد أحد ٌ متعلماً! ولكنا نجهل أشياء كثيرة، فاعبدي اهلل على بينة، اسألي عن أمور دينك لتعبدي اهلل عن علم! اقرئي، وتثقفي، وازدادي علما ً ومعرفة، المعرفة قوة!
57أنت ِ أيضا ً صحابيَّة سيدة الكعب العالي! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! تُعجبك ِ أخبار النساء في األمم السَّابقة، وها أنت ِ اليوم على موعد مع خبر من هذا، وها هو نبيُّك ِ وحبيبُك ِ يقول لكِ: كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة، تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت ْ رجلين من خشب، وخاتما ً من ذهب ٍ مُغلق ٍ مُطبق، ثم حشته مسكا ً وهو أطيب الطيب، وكانت ْ إذا مرَّت ْ بالمجلس حرَّكته فنفح ريحه! يا صحابيَّة: اسمعي مني حقائق ال مراء فيها، ثم تعالي بعد ذلك أُريك ِ روعة هذا الدِّين وعظمته، تُحِب ُّ المرأة الزينة ألسباب ثالثة: األول: ألنها تُحِب ُّ أن ترى نفسها جميلة، الثاني: ألن َّ عندها غريزة أن تُشتهى، الثالث: ألنها تميل إلى الرجل أكثر مما يميل ُ إليها! فأما إنها تُحِب ُّ أن ترى نفسها جميلة، فهذه تُعَد ُّ في باب الفضائل! فإن َّ اهلل تعالى جميل ٌ يُحِب ُّ الجمال،
58أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وإنه سبحانه يُحِب ُّ أن يرى أثر نعمته على عبده! وأما إنها عندها غريزة أن تُشتهى، فهذه حكمة اهلل البالغة الستمرار النوع البشري وعمارة األرض، ولوال هذه الغريزة ما تجمَّلت ْ امرأة وال رقَّت ْ لرجل، ولما كان قد تحقق هذا االستخالف وتلك العمارة! وأما إنها تميل ُ إلى الرجل أكثر من ميل الرجل إليها، فهذا راجع إلى أصل الخِلقة! فإن َّ اهلل سبحانه قد خلق حوَّاء من ضلع آدم عليه السالم، فهو بالنسبة إليها الكُل ُّ الذي جاءت منه، وأما هي بالنسبة إليه الجزء الذي أُخذ منه، وتعلق الجزء بالكل أقوى من تعلق الكل بالجزء! إن الغصن بالنسبة إلى الشجرة بعضها، أما الشجرة بالنسبة إلى الغصن كله! ولكن سبحانه من أخفى هذا الميل بالتمنع والكبرياء، فنجد المرأة متمنعة في سلوكها، ومن الداخل هي في أشد ِّ المَيْلِ! يا صحابيّة، إن َّ النبي َّ ما حدَّث عن هذه المرأة في معرض الذم، التخاذها الزينة والعِطر والخاتم، فهي أشياء تميل ُ إليها بالفطرة والغريزة، وإنما ذمَّها لمكان اتخاذ هذه الزينة وذلك العطر! إن األنوثة تفعل في الرجال فعل النار في الحطب!
59أنت ِ أيضا ً صحابيَّة لهذا أمر َ الشَّارع الحكيم المرأة بعدم إبداء زينتها، فاإلسالم ال يعمد ُ إلى إطفاء الحريق فقط! إنه يمنع ُ سبب اندالعه ابتداءً، فتجنب الوقوع في المشاكل أقل كلفة من حلها إذا وقعتْ، وهذا باب عظيم من أبواب الشريعة اسمه: باب سد ِّ الذَّرائع! فعندما أسكن َ اهلل تعالى أبوينا في الجنة، ﴾َوَل َ تَقْرَبَا هَٰذِه ِ الشَّجَرَة﴿ قال لهما: مع أن َّ المنهي عنه هو األكل منها فقط، ولكن االقتراب من الشجرة سيحرض على األكل منها، ولم يقل اهلل تعالى: وال تزنوا! ﴾وَل َ تَقْرَبُوا الزِّنَا﴿ وإنما قال: فنهى عن كل ما ييسر الوقوع فيه، فاالختالط من غير حاجة، والزينة في غير موضعها، والحديث الطويل، واألخذ والرد، والمصافحة، واتخاذ الصديق والصديقة للفضفضة، يجعل باب الزنى مشرعاً، واإلسالم يُغلق ُ كل باب ٍ يؤدي إلى الحرام!
60أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيَّة، اإلسالم ليس ضد َّ أن تكوني جميلة، وإنما السؤال: جميلة لمن، وفي عيون مَنْ؟ وليس ضد أن تكوني أنثى رقيقة ذات دالل وغنج، وإنما هذه الرقة لمن؟ وهذا الغنج لمن؟ وليس ضد أن تميلي إلى الرجل، وإنما السؤال: هل هذا الميل مشروع أم ال؟ إن َّ الزينة في الطريق إثم، والزينة في البيت أجر! وإن الدالل والغنج لمن ليس له هذا إثم ، والدالل والغنج للزوج أجر! اإلسالم ليس ضد الفطرة وال الغريزة، ولكنه يضع هذه الفطرة موضعها! ويجعل تلك الغريزة في الحالل، إنه بهذا المعنى ليس نهيا ً مطلقاً، وإنما نهي ُّ موجَّه، هدفه حمايتك ِ أنت ِ أوالً! ثم حماية اآلخرين منك ِ أنت ِ ثانياً! أنظري لألمر من هذه الزاوية! يا صحابيَّة، الرِّجالن من خشب في هذه القصة، هما الكعب العالي اليوم!
61أنت ِ أيضا ً صحابيَّة والخاتم المملوء عطرا ً ليفوح، هو نفسه العطر الذي غرقت به الثياب اليوم! اختلفت أنواع الغِواية وصورتها، أما النتيجة فواحدة! اإلسالم ليس ضد مستحضرات التجميل، وال أقالم الكحل والعطور، هذه ليست إال أدوات حرمتها وحلِّها في كيفية استخدامها! كل عطر في محله أجر، وكل قلم كحل ٍ ليس في موضعه وزر! اإلسالم ليس ضد أنوثتك ِ أبداً، ولكنه ضد أن تكوني مشاعاً، وليس ضد داللك ِ وغنجك ِ أبداً، ولكنه ضد أن تكوني سهلة المنال، أو أن توحي لآلخرين بأنك ِ كذلك! إن َّ اهلل تعالى قال مخاطبا ً أمهات المؤمنين: ﴾ٌَ تَْضَعْن َ بِالْقَوْل ِ فَيَطْمَع َ الَِّي ف ِ قَلْبِه ِ مَرَض اَف﴿ لقد نهى أمهات المؤمنين وهُن َّ أشرف النساء عن ترقيق أصواتهن، والحديث بلهجة أنثوية، مع خير رجال مروا في هذا الكوكب وهم الصحابة! كي ال يُمني أحد ما نفسه بشيءٍ! فالنهي ليس نهي تشكيك وإنما نهي حماية، وسد باب الذَّرائع! فال توقدي نارا ً أنت ِ أول من سيحترق بها،
62أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ثم إن َّ المتاح للجميع مقرف! وهلل ِ در ُّ عليّة بنت المهدي حين قالتْ: نحن نساء مع رجالنا، رجال مع غيرهم!
63أنت ِ أيضا ً صحابيَّة أمسكي نصالكِ! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! تُحبين القدوم إلى المسجد حيث النبي ُّ ، من ذا ال يُحب ُّ أن يكون حيث كان حبيبه؟! وفي المسجد مر َّ رجل ٌ معه سِهام، فقال له النبي ُّ : أمسِك ْ بنصالها! وقال يوماً: إذا مر َّ أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل، فليمسك على نصالها وليقبض عليها بكفِّه كي ال يصيب أحدا ً من المسلمين منها شيء! يا صحابيَّة، كان نبيُّــك ِ وحبيبُــك ِ حريصــا ً أن ال يُصــاب أحــد ٌ مــن المســلمين بــأذى وإن كان هذا األذى غير مقصود! لهذا أمر الرجل الذي مر َّ بالمسجد أن يمسك نِصال سهامه، على أن َّ النَّصل ليس حكرا ً على الرماح والسهام، فاللسان له نصل جارح أيضاً! وقد يُحدث في الناس جرحا ً أعمق، مما تُحدثه الرماح والسِّهام! ألن َّ جروح الرماح والسهام تشفى بسرعة، أما جروح اللسان فال تلتئم!
64أنت ِ أيضا ً صحابيَّة إنها تبقى تنز ُّ ألما ً في القلب، فأمسكي نصالكِ! يا صحابيَّة، إن َّ من أسوأ ما اُبتلي َ به الناس في زمننا، أنهم يخلطون بين الصراحة والوقاحة! الصراحة حين تُخطىء صديقة لكِ، فتحدثينها بكل حُب وتخبريها بخطئها، كي ال تأخذها العزَّة باإلثم! الصراحة حين تُدافعين عن عرض ٍ يُنتهك، وعن غائبة يُالك لحمها، الصراحة حين تُقدمين النصيحة على طبق ٍ من لطف، فتكون هلل، وفي اهلل، وما عدا ذلك وقاحة! نعم وقاحة وإن كانت هي الحقيقة! عندما تخبرين القبيحة أنها قبيحة، فهذه وقاحة وإن كانت هي الحقيقة! وعندما تخبرين المرأة الفرحة بفستانها أنه مضحك وبخالف الموضة فهذه وقاحة وإن كانت هي الحقيقة! وعندما تنتقدين تسريحة فالنة فتحزني قلبها أمام الناس، فهذه وقاحة وإن كانت تسريحتها مضحكة! ليس كل الحقائق تُقال! ثم من قال إن من شأنك ِ إخبار الناس بالحقائق،
65أنت ِ أيضا ً صحابيَّة جبر الخواطر أهم من الحقيقة إن لم يكن في األمر معصية! والمجاملة أهم من الحقيقة إن لم يكن في األمر حرام! فال تكوني جارحة! يا صحابيَّة، إن كلمة قد تقولينها وال تحسبين أبعادها، وال أثرها في نفس من يستمعها، تنسينها أنت ِ أما هو فال ينام ليلته منها! ادخلي بيوت الناس عمياء واخرجي منها خرساء! ما شأنك ِ بكيف هي صابرة على زوجها رغم فقره وطبعه، لماذا تهدمين البيوت، وتفرقين الود! إن الناس تحتمل واقعها بالعافية، وكل إنسان فيه ما يكفيه، فال تكوني أنت ِ والدنيا على الناس! إن كان عندك ِ كلمة حلوة فبارك اهلل بكِ، وإن لم يكن عندك ِ فبارك اهلل سكوتكِ، ما شأنك ِ أنت ِ بالسبب الذي ال يجعل جارتك ِ تشتري ثوبا ً جديدا ً لكل مناسبة، من قال لك ِ أنها ال تتمنى ذلك! ولكن البيوت أسرار وكان اهلل في عون الناس،ِ ما شأنك ِ أنت ِ بالسبب الذي يجعل صديقتك تصبر على أثاث بيتها القديم وال تقوم بتغييره! هل كل الناس يستطيعون ما تستطعين؟
66أنت ِ أيضا ً صحابيَّة هل كل الناس لهم إمكاناتك ِ وأموالكِ؟ الناس تعرف ُ الحرمان جيداً! وما من إنسان إال ويتعذب بما يفقد وما ال يستطيع فلم َ ترشين الملح على جروح الناس؟! يا صحابيَّة، قال حبيبُك ِ : من كان يُؤمن باهلل واليوم اآلخر فليقُل ْ خيرا ً أو ليصمتْ! هذه هي المعادلة باختصار: إما كالم جميل، أو صمت جميل! الكالم أناقة! أناقة أكثر من الثياب الجميلة، أناقة أكثر من مستحضرات التجميل، أناقة أكثر من العطور والمجوهرات، فكوني أنيقة! اختاري أجمل العبارات مهما كان المضمون، األشياء السيئة يُمكن أن تُقال بأساليب جيدة، كما أن األشياء الجيدة تفسد ُ باألساليب السيئة! رأى أحد الملوك في منامه أن جميع أسنانه قد سقطت ْ أمامه وهو ينظر ُ إليها، فطلب من مساعديه أن يحضروا له من يُعبِّر له الرؤيا، فلما استمع المُعبِّر ُ للرؤيا من الملك،
67أنت ِ أيضا ً صحابيَّة قال له: إن جميع أهلك سيموتون أمامك َ واحدا ً تلو اآلخر! فغضب َ الملك ُ من كالم المُعبِّر وأمر بحبسه، ثم طلب من مساعديه أن يحضروا مُعبِّرا ً غيره! فلما جاء المُعبِّر الثاني واستمع لرؤيا الملك، قال له: إن َّ جميع أهلك سيموتون أمامك َ واحدا ً تلو اآلخر، فغضب َ الملك ُ وأمر َ بحبس المُعبر الثاني أيضاً! ثم طلب من مساعديه أن يحضروا مُعبرا ً جديداً، وعندما جاء المُعبِّر الثالث واستمع لرؤيا الملك، قال له: يا لها من رؤيا جميلة يا جاللة الملك، أنت َ ستكون أطول أهلك عُمراً! فرح الملك ُ بهذا التأويل وأمر بجائزة للمُعبِّر، إن التأويل هو نفسه وال جديد فيه، فما دام الملك هو الذي سيكون األطول عمرا ً في العائلة، فهذا يعني أن الجميع سيموتون قبله، لم يختلف التأويل وإنما اختلف َ األسلوب فقط! فانتقي أساليبكِ!
68أنت ِ أيضا ً صحابيَّة سِتْر ٌ رغم المرض! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! وتُحبين أن تعرفي أخبار أخواتك ِ الصَّحابيات، وأنت ِ اليوم مع واحدة منهنَّ، عيشي هذه الحادثة، وتأملي هذا المشهد! قال عبد اهلل بن عبَّاس لتلميذه عطاء بن أبي رباح: أال أُريك َ امرأة ً من أهل الجنَّة؟ فقال له عطاء: بلى! فأشار ابن عباس ٍ بإصبعه وقال: هذه المرأة أتت النبي َّ فقالت له: يا رسول اهلل، إني أُصرع، وإني أتكشف، فادع ُ اهلل لي! فقال لها النبي ُّ : إن شئت ِ صبرت ِ ولك ِ الجنَّة، وإن شئت ِ دعوت ُ اهلل َ أن يُعافيك! فقالتْ: بل أصبر، ولكني أتكشَّف، فادع ُ اهلل لي أن ال أتكشف! فدعا لها! يا صحابية، كانت ْ أختك ِ هذه تُعاني من مرض الصرع، فإذا جاءتها نوبة الصرع، سقطت ْ أرضاً، وفي لحظة غياب وعي سقط حجابها عن رأسها، وانكشف شيء ٌ من عورتها، فجاءت ْ إلى طبيب القلوب واألبدان تشكو إليه،
69أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فخيرها بين أن يدعو لها بالشفاء، وبين أن تصبر، ويكون جزاء صبرها الجنة! وألن الصحابية ال تجد شيئا ً أثمن من الجنة، اختارت المرض على الشفاء! ولكن عز َّ عليها أن ينكشف منها شيء، رغم أنها غير مؤاخذة، واألمر ليس بيدها، إال أن الدُرَّة المصونة ال يهون عليها عرضها! يا صحابيَّة، إياك ِ أن تُفرِّطي في السَّتر، إياك ِ أن تكشفي شعرك ِ للناظرين، ال تكوني مشاعا ً يأكُلك ِ الرجال بعيونهم، ال تهوني على نفسك فتهونين عند اهلل! وإياك ِ وحجاب التبرج! ذاك الحجاب الذي فيه من السفور أكثر مما فيه من الحجاب! الحجاب أكثر من تغطية الشَّعر، وليس حجابا ً ذاك الذي ال يكون فيه بين لبس المحجبة وغيرها، تلك القطعة من القماش التي تغطي الرأس! تغطية الرأس ليس حجابا ً إذا كانت الثياب تُفصل جسدكِ! الحجاب لباس ساتر للجسد ال يصف وال يشف، أما كشف الرقبة، والسواعد، والساق فهذا حجاب موضة، ال حجاب دين ٍ وشريعة!
70أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيَّة، كانت أخواتك ِ الصحابيات يعز ُّ عليهن أن تنكشف أقدامهنَّ! وحدَّث النبي ُّ يوما ً أصحابه فقال: من جر َّ ثوبه خُيالء لم ينظر اهلل إليه يوم القيامة، فقامت أم سلمة وقالت ْ له: كيف تصنع النساء بذيولهنَّ/ أطراف الثياب؟ فقال: يرخين َ شبراً! فقالتْ: إذن ْ تنكشف ُ أقدامهنَّ، فقال: يرخين َ ذراعا ً وال يزدن َ عليه! يا للستر يا أم سلمة، يا للستر! يقول لها النبي ُّ : ارخي ثوبك ِ شبراً، فتخبره أن هذا ال يكفي وأن القدم تنكشف! فأمرها، وأخواتها أن يزدن َ ثيابهن ذراعاً! هكذا كانت أخواتك ِ يجادلن َ في الستر ال في التكشف، تريد ُ إحداهُن َّ رخصة ً لتزيد في السَّتر، ويعز ُّ عليها أن تُرى قدمها! يا صحابيَّة، تقول ُ امرأة من األنصار: دخلت ُ على أم سلمة، فدخل َ عليها النبي ُّ وكأنه غضبان، فاستترت ُ بكُم ِّ ثوبي! فتكلَّم بكالم لم أفهمه، فلما خرج َ قلتُ: يا أم المؤمنين وكـأني رأيت ُ النبي غضبانَ؟
71أنت ِ أيضا ً صحابيَّة قالتْ: نعم، أو ما سمعتيه؟ قالتْ: وما قال؟ فقالت أم سلمة: قال: إن َّ السوء إذا فشا في األرض، فلم يُتناه َ عنه، أنزل اهلل عز َّ وجل بأسه على أهل األرض! فقلتُ: يا رسول اهلل، وفيهم الصالحون؟ قال: نعم، وفيهم الصالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يقبضهم اهلل ُ عز َّ وجل إلى مغفرته ورحمته! والشّاهد في هذه القصة أن المرأة غطّت ْ وجهها بكُمِّها حين دخل النبي ُّ تخيلي هذا المشهد معي! إنها تحتجب ُ من النبي ِّ وهو أطهر مخلوق! وهي تعلم ُ أنه أتقى الناس هللِ! لهذا أنت ِ مأمورة بالستر حتى عن األتقياء! يا صحابيّة، دخلت ْ حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر على عمتها عائشة رضي اهلل عنها، وكانت حفصة ترتدي خمارا ً شفافا ً يُظهر وجهها، فقامت ْ عائشة وشقَّت ْ خمار حفصة، وقالت لها: أما تعلمين ما أنزل اهلل في سورة النور؟! ثم أعطتها خمارا ً كثيفاً! تُرى لو رأت ْ عائشة حجاب اليوم ماذا تفعل
72أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فاتقي اهلل يا صحابيَّة! يا صحابيّة، عندما مرضت ْ فاطمة الزهراء مرضها التي ماتت ْ فيه، دخلت ْ عليها أم جعفر بنت محمد وكانت ْ ممن هاجرن َ إلى الحبشة، فقالت ْ لها فاطمة: يا أم جعفر إني قد استقبحت ما يُصنع ُ بالمرأة إذا ماتتْ، يُطرح ُ عليها الثوب فيصفها كما الرجال إذا حُملوا! فقالت ْ لها أم جعفر: يا ابنة رسول اهلل أال أُريك ِ شيئا ً رأيته بالحبشة؟ فقالت ْ لها فاطمة: بلى! فدعت ْ أم جعفر ٍ بجرائد نخيل، فوضعتها على أطراف النعش ثم طرحت ْ فوقها ثوباً، فأعجب َ ذلك َ فاطمة جدا ً وقالتْ: ما أحسن هذا وأجمله! يا للستر يا فاطمة، يا للستر! إنها تخشى أن يكون جسدها مفصال ً وهي ميتة! فهل يليق ُ بالصحابيّة أن تفعل هذا وهي حيَّة؟! ال واهلل ِ يا صحابية، ال يليق!
73أنت ِ أيضا ً صحابيَّة خِالف ٌ زوجي! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! وتُحبين أن تدخلي بيوت أخواتك ِ الصحابيات لتتعلمي، فالبيوت تتشابه، والناس هم الناس في كل عصرٍ، وها أنت ِ اليوم في رفقة نبيك ِ وحبيبك ِ وقد جاء لزيارة ابنته فاطمة! لم يجد النبي ُّ علي َّ بن أبي طالب في البيت، فسأل فاطمة عنه، فأخبرته انه قد حدث بينهما خالف زوجي، فخرج َ من البيت ِ وال تعرف ُ أين هو اآلن! فتركها النبي ُّ وخرج أيضاً، وطلب من رجل ٍ أن يبحث له عن عليِّ، فعاد َ إليه وأخبره أنه نائم في المسجد، فذهب َ إليه، فإذا هو نائم وقد وضع خدَّه على األرض، وقد أصاب َ التراب خدَّه، فقال له: قُم ْ أبا تُراب! وجعل َ النبي ُّ يمسح ُ بيده الشريفة التراب عن وجهه! يا صحابيَّة، لعلَّك ِ الحظت ِ أن النبي َّ لم يسأل ابنته عن سبب الخالف، الذي وقع بينها وبين زوجها، ولم يطلب منها أن تسرد َ عليه وقائع الحادثة،
74أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وال ماذا قالت له، وال ماذا قال لها! أراد أن يُعلمك ِ أن البيوت أسرار! وقد أحب َّ أن يحفظ سر َّ ابنته، فإذا وقع بينك ِ وبين زوجك ِ خالف، فال تُسارعي بنشر غسيل هذا الخالف، ولو أمام أهلكِ! اُتركي األمر بينك ِ وبينه ما استطعتِ، فإنكما ستصطلحان نهاية المطاف، فال داعي ألن تتشوه صورة زوجك ِ عند أهلكِ، دعيهم يحبونه، ودعيه يُحبُّهم، ال تجعليهم يشعرون أنك ِ تعيشين في ميدان حرب، ألنك ِ تُخفين عنهم ساعات الهناءة معه، وتنشرين ساعات الخصام ! فالخالف يبقى صغيرا ً ما دام حبيسا ً بين جدران البيت، ومتى خرج َ من الباب وتناقله الناس، صار ككرة الثلج التي كلما تدحرجت ْ صارت أكبر! يا صحابيَّة، الخالفات الزوجية تقع ُ في كل البيوت، وهي شيء طبيعي جداً! المهم إذا وقعت ْ أن ال تُهدر فيها الكرامات، وال تُستباح ُ فيها الحُرمات!
75أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وال يُفجر فيها بالخصومة! ً حتى إذا اصطلحنا بقي أحدنا قادرا !على أن ينظر في عين اآلخر مشاكل الحياة تُسَوَّى، ولكن جروح القلب والكرامة من العسير أن تلتئم! يا صحابيَّة، ال شيء أجمل من خالف النبالء! غضبت ْ فاطمة رضي اهلل عنها فتركها علي ُّ وخرج ريثما تهدأ، ال تقفي أمام زوجك ِ نافشة ريشك ِ كالديكِ، تردين عليه الكلمة بعشر كلمات، اتركيه ريثما يهدأ، الردود وقت المشكلة تفاقمها، وما يُقال في تلك اللحظة ، قد يكون موجعا ً أكثر من المشكلة نفسها! تواري قليال ً في غرفتكِ، توضئي وصلي ركعتين وأطفئي نار الشيطان، إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث ُ سراياه، فأدناهم منه منزلة ً أعظمهم فتنة! يجيء أحدهم فيقول: فعلت ُ كذا وكذا، فيقول له: ما صنعت َ شيئاً، ثم يجيء ُ أحدهم فيقول:
76أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ما تركته حتى فرَّقت ُ بينه وبين امرأته، فيدنيه إبليس ُ منه ويقول له: نعم أنت! الشيطان يحب ُّ أن تستعر الخالفات في البيوت، ألن البيوت التي تُسلب الوفاق والرحمة، هي بيئة خصبة لكل اآلثام والشرور، فأغلقي على الشيطان الباب! يا صحابيَّة، مهما حدث بينك ِ وبين زوجك ِ ال تتركي بيتكِ، بيتك ِ هو عرشُك ِ والملكة ال تُغادر عرشها! بيتك ِ هو حصنُك ِ فال تكشفي نفسكِ، أنت ِ لديك ِ بنات وهُن َّ ينظرن َ إليكِ، فال تزرعي في أذهانهن َّ أن مغادرة البيت هو الحل، ال تفسدي صورة زوجك ِ في أذهان أوالدكِ، ال تجعليه وحشا ً بلحظة طيش وقلة صبر، وألجل شيء ٍ يحدث ُ في كل البيوت، أوتحسبين أن البيوت التي ال صوت فيها ليس فيها مشاكل، مخطئة أنتِ! كل البيوت فيها مشاكل وخالفات، ولكن الناس يعضّون على جراحهم لتستمر الحياة! يا صحابيَّة، جاء أبو بكر الصِّديق لزيارة ابنته عائشة،
77أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فاستأذن على النبي ِّ ، فإذا عائشة ترفع ُ صوتها على رسول اهلل ، فقال لها: يا بنت فالنة ترفعين صوتك ِ على النبي ! وهم َّ بها ليضربها! فحال َ النبي ُّ بينه وبينها، ثم خرج أبو بكر فجعل النبي ُّ يقول لها: ألم ْ تريني حِلت ُ بينك ِ وبين الرجل؟! ثم استأذن أبو بكر مرة ً أخرى فسمع َ تضاحكهما، فقال أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما! يا صحابيَّة، مهما بلغت ِ من اإليمان فلن تدركي إيمان عائشة، ومهما بلغ زوجك ِ من الصالح، فأين هو من صالح النبي ِّ وها قد وقع بينهما خالف زوجي! ليست المشكلة الحقيقية أن يقع الخالف، وإنما المشكلة الحقيقية كيف نتصرف في هذا الخالف؟! وصحيح أن الرجل هو رب البيت ويتحمل مسؤولية كبيرة فيه، ولكن هدوء البيت وسكينته هو وظيفة الزوجة ال الزوج، وال تتعجبي، أو تتهميني أني أتحزَّب ُ للرجال، أنت ِ زوجتي، وابنتي، وأمي، وأختي، وعمتي، وخالتي، أنت ِ عرضي، وشرفي، وأنا في صفِّك ِ ومعكِ، لهذا أخبرك ِ بالحقيقة وأضعها نصب عينيكِ،
78أنت ِ أيضا ً صحابيَّة واقرئي قول ربكِ: ـكُنُواـا لِّتَسْــكُم ْ أَزْوَاجًــن ْ أَنفُسِــم مِّــق َ لَكُــه ِ أَن ْ خَلَــن ْ آيَاتِـوَمِـ﴿ ﴾ـاإِلَْهَـ واقرئي قول ربكِ: ـاـا زَوْجَهَــل َ مِنْهَــدَة ٍ وَجَعَــس ٍ وَاحِــن نَّفْــم مِّــو َ الَِّي خَلَقَكُـهُـ﴿ ﴾لِيَسْــكُن َ إِلَْهَــا السَّكن والطمأنينة والهدوء هو وظيفة الزوجة، صحيح أن الزوج عامل مهم ومؤثر، وقد يكون عامال ً مساعداً، أو عامال ً مُعسراً، ولكن السَّكن وظيفتك ِ قبل أن تكون وظيفته! ومتى قمت ِ بهذه الوظيفة على أكمل وجه، كان كالخاتم في إصبعكِ!
79أنت ِ أيضا ً صحابيَّة دعوة أُم! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! تؤنسك ِ أحاديث األولين وأخبار األمم الغابرة، فكيف إذا كانت أحاديثهم وأخبارهم بصوت ِ نبيك ِ حبيبك ِ وأنت ِ اآلن على موعد مع هذا الجمال والجالل، يقول ُ لك ِ النبي ُّ : كان جُريج ُ رجال ً عابداً، فاتخذ صومعةً، فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي... فقالتْ: يا جُريج! فقال: يا رب، أمي وصالتي! فأقبل َ على صالته، فانصرفت ْ أمه، فلما كان الغد أتته وهو يصلي، فقالتْ: يا جُريج! فقال: أي رب، أمي وصالتي! فأقبل َ على صالته، فقالتْ: اللهم َّ ال تُمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات! فتذاكر بنو إسرائيل جُريجا ً وعبادته، وكانت ْ امرأة ٌ بغي ُّ يُتمثَّل ُ بحسنها، فقالتْ: إن شئتم ألفتننه! فتعرَّضت ْ له، فلم يلتفت ْ إليها، فأتت ْ راعيا ً كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها، فوقع َ عليها، فحملتْ!
80أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فلما ولدتْ، قالتْ: هذا من جُريج! فأتوه فاستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت َ بهذه البغيِّ، فولدت ْ منكَ، قال: أين الصَّبيُّ؟ فجاؤوا به... فقال: دعوني حتى أُصلي! فصلَّى...، فلما انصرف َ أتى الصَّبيَّ، فطعن َ بطنه، وقال: يا غالم، من أبوك؟ قال: فالن ٌ الرَّاعي! فأقبلوا على جُريج يُقبلونه، ويتمسَّحون به! وقالوا: نبني لك َ صومعتك َ من ذهبٍ! قال: ال، أعيدوها من طين ٍ كما كانتْ. ففعلوا! يا صحابيَّة، الجمال ُ نعمة تُصان، فال تستخدمي جمالك ِ وأنوثتك ِ سالح غواية! فهذا فعل الغانيات ال فعل العفيفات، األنوثة والغنج يأخذان بقلوب الرجال، فحافظي على نفسك ِ أوالً، وعلى الناس ثانياً! وقد قال اهلل لمن هُن َّ أطهر منكِ، زوجات النبي ِّ : َ يَــا نِسَــاء َ انلَّــي ِِّ لَسْــن َُّ كَأَحَــد ٍ مِّــن َ النِّسَــاء ِ إِن ِ اتَّقَيْــن َُّ فَــا﴿
81أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ً تَْضَعْــن َ بِالْقَــوْل ِ فَيَطْمَــع َ الَِّي ف ِ قَلْبِــه ِ مَــرَض ٌ وَقُلْــن َ قَــوْل ﴾مَّعْرُوفًــا عندما تُظهرين أنوثتك ِ في غير موضعها، وتكشفين داللك ِ أمام من ليس له، فستكونين محط َّ طمع، ويُظن ُّ بك ِ أنك ِ سهلة المنال! اثبتي أمام البائع في السوق، عرضك ِ أغلى من دراهم يحسمها لكِ! حافظي على رباطة جأشك ِ أمام زمالء العمل، سمعتُك ِ ال تُقدَّر بثمن! ال تفتحي الباب، أو شق منه، ثم تشتكين إذا ما تسلل منه أحد! معالجة األسباب أهون عليك ِ من معالجة النتائج! لتذهب الوظائف إلى الجحيم، إذا كان ثمنها شيء ٌ يمس ُّ شرفكِ! ما كان لك ِ من رزق ٍ سيأتيك ِ رغما ً عن الدنيا كلها، والرزق عند اهلل ال عند الناس، وما كان عند اهلل ِ ال يُؤخذ ُ بمعصيته! يا صحابيَّة، إياك ِ والدعاء ُ على أوالدكِ، فربما صادفت ْ دعوتك ِ ساعة استجابة فتهلكينهم، دعاء الوالدين فتَّاك!
82أنت ِ أيضا ً صحابيَّة كل ما أصاب جُريج الراهب كان بدعوة أمه، دعت ْ عليه أن ينظر في وجوه المومسات، فوافقت ْ دعوتها ساعة استجابة فأصابه ما قد علمتِ! رأى عمر بن الخطاب شيخا ً كبيرا ً في السن يده مشلولة، فسأله: ما الذي أصابك؟ فقال: دعا علي َّ أبي في الجاهلية أن تُشَلَّ، فَشُلَّتْ! فقال عمر: هذا دعاء اآلباء في الجاهلية، فكيف في اإلسالم؟! وفي كتاب أزهار الرياض من أخبار القاضي عياض، أن الزمخشري كان مقطوع الرِّجل، فسُئل َ عن ذلك، فقال: هذا بدعاء أُمي! ذلك َ أني كنت ُ في صباي أمسكت ُ عصفوراً، وربطه بخيط ٍ في رجله، فجذبته، فانقطعت ْ رجله! فتألمت ْ أمي لذلك وقالتْ: قطع َ اهلل ُ رجلك َ كما قطعت َ رجله! فلما كبرت ُ وكنت ُ في سفر ٍ إلى بخارى لطلب العلم، سقطت ُ عن الدابة، فانكسرت ْ رجلي، ووجب َ قطعها! أمسكي عليك ِ لسانك ِ يرحمك ِ اهلل، األوالد مُتعبون هذه حقيقة، ولكن لك ِ من كل هذا التعب أجر التربية! واألوالد يأتون بتصرفات ٍ مستفزة هذا واقع، ولكن الصبر باب من أبواب الجنة! ثم إن الدعوة السيئة على األوالد لو اُستجيبت، فأنت ِ أول من سيكتوي بنارها! لو دعوت ِ على ولد ٍ أو بنت ٍ بعدم التوفيق،
83أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فسيأتي هذا الولد وهذه البنت عاقين، ستحرمين نفسك ِ من برِّهم في لحظة غضب، عدم التوفيق شقاء! وأي راحة ٍ لك ِ إذا شقي َ أوالدكِ، عودي نفسك ِ الدعاء لهم ال عليهم، استبدلي تلك الدعوات الساحقة الماحقة بأُخرى حلوة جميلة! قولي للولد: هداك َ اهلل! وقولي للبنت: أصلحك ِ اهلل! وأنت ِ أول من سيقطف ثمار هدايتهم وصالحهم! يا صحابيَّة، الصالة مفزَع ُ الصالحين منذ فجر التاريخ، وعندما نزلت ْ بجريج هذه التهمة، قال: دعوني حتى أُصلي! فأنجاه اهلل سبحانه، وبرَّأه من تُهمة ٍ نُسبت ْ إليه، ليكن اهلل ُ مالذك ِ اآلمن، وحصنك ِ المنيع، إذا ضاقت ْ بك ِ الحيلة تصدَّقي، وإذا سُدَّت ْ بوجهك ِ األبواب سارعي في الدعاء، وإذا تعسَّرت ْ األمور فادخلي كهف الصالة، م مــن بطــن الحــوت إال تســبيحهالمــا أنجــى يونــس عليــه الســ واســتغفاره، وما نجا موسى عليه السالم من فرعون وجيشه، إال بحسن ظنه باهلل!
84أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وما نجا نوح ٌ عليه السّالم بالسفينة المصنوعة من الخشب، إال ألنه قد ركب َ من قبل سفينة التوحيد! وما نجا النبي ُّ وصاحبه يوم الهجرة، إال بالتوكل على اهلل واليقين باهلل! يا أبا بكر: ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما! يا صحابيَّة، أهل المعاصي مرضى قلوب، فاحذريهم! وإنهم يريدون لو كان الناس جميعا ً مثلهم، تلك الزانية أزعجها عفاف جُريج، فأرادت أن يكون مثلها! أنت ِ بصالحك ِ وعفافك ِ تذكرين الناقصين بنقصهم، المرتشي يؤلمه األمين ألنه بأمانته يخبره كم هو وضيع! والزانية تؤلمها العفيفة ألنها بعفتها تخبرها كم هي رخيصة! ْ ـمـم ْ إِنَّهُــن قَرْيَتِكُــوط ٍ مِّــوا آل َ لُـأَخْرِجُـ﴿ ومــن قبــل قــال قــوم لــوطٍ: ﴾َ ـرُونـاس ٌ يَتَطَهَّـأُنَـ إن النجس والملوث يختنق بطهارة غيره! يا صحابيَّة، ال تُعيري سمعك ِ للذين يقعون في أعراض الناس، اُتهم جريج بالزنا وهو عفيف طاهر، وصدَّق َ قومه التهمة رغم أنها جاءت ْ من زانية استأجروها! كم عفيفة ٍ ظُلمت،
85أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وكم أمين ٍ اُتهم بالخيانة، وكــم مُتهــم هــو مــن تهمتــه بــريء بــراءة الذئــب مــن دم يوســف عليــه م،الالســ فإذا حُملت ْ إلى مسامعك ِ تُهمة، فاجعليها تقف ُ عندك ِ وال تنشريها! فإن كانت ْ التهمة حقا ً فقد كنت ِ رسول إبليس في نشر الفاحشة، وإن كانت ْ كاذبة فقد وقعت ِ في أعراض الناس، من ستر َ سُتِر، والمرء ُ ال يأخذ ُ إال ما كان يُعطيه! ومن تتبع َ عورات الناس، تتبع َ اهلل عورته! اُتهمت الصِّديقة مريم بالزنا، م بأنــه يريــد أن يُظهــر فــي األرضالواُتهــم الكليــم موســى عليــه الســ الفســاد! واُتهم النبي ُّ بالكذب والسحر والجنون، فإذا كان هؤالء لم ينجوا من الناس، فكيف يسلم ُ الذين هم من دونهم وكلنا دونهم!
86أنت ِ أيضا ً صحابيَّة زيارة! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة، تُحبين الصالحين في كل عَصْر ٍ ومِصْرٍ، تُحبين أولئك الذين سبقوك ِ إلى قافلة التوحيد من األمم السابقة، وتُحبين أولئك الذين سيكونون على التوحيد ولم يولدوا بعد! ربَّاك ِ حبيبُك ِ ونبيُّك ِ أن َّ اإلسالم دعوة ضاربة الجذور في تربة التاريخ! وأن انتسابك ِ لهذا الدين لم يبدأ بوالدتك ِ على الفطرة، وإنما مع أول صراع ٍ بين الحق ِّ والباطل، حين رفض َ إبليس ُ اللعين السجود ألبيك ِ آدم عليه السالم! ولن ينتهي هذا االنتساب بموتكِ، أنــت ِ ابنــة عقيــدة يســقط ُ التكليــف بهــا حيــن ينفــخ ُ إســرافيل فــي الصــور، وألنك ِ سمعت ِ النبي َّ مرة ً يقول: وددت ُ أني قد رأيت ُ إخواننا فقالوا له: يا رسول اهلل، ألسنا بإخوانك؟ فقال : بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض! فقالوا: يا رسول اهلل، كيف تعرف ُ من يأتي بعدك من أمتك؟ قال : أرأيتم لو كان لرجل ٍ خيال ً غُرا ً محجلة، في خيل ٍ دُهْم ٍ بُهْمٍ، أال يعرف ُ خيله؟
87أنت ِ أيضا ً صحابيَّة قالوا: بلى يا رسول اهلل! فقال : فإنهم يأتون يوم القيامة غُرا ً محجلين من الوضوء! يا صحابيَّة، ها نفسك ِ تتوق لخبر قوم ٍ صالحين ما كانوا في عهد النبوة، وها أنت ِ اليوم مع الخبر فاستحضري قلبكِ! كان اإلمام ُ أحمد بن حنبل تلميذا ً لإلمام الشافعي، وكان أحمد يُكثر ُ من ذِكر الشافعي أمام أهله ويُثني عليه، وزار الشَّافعي يوما ً تلميذه أحمد في بيته، تناول الضيف ُ الطعام، ومضى إلى فراشه، ثم لما مضى الليل صلى بأهل البيت الفجر َ وعاد إلى فراشه، وفي الصباح قالت ْ ابنة اإلمام أحمد ألبيها: يا أبتاه، أهذا الشَّافعي الذي كنت َ تُحدثني عنه؟ فقال: نعم يا ابنتي!ً فقالتْ: سمعتُك َ تُعظِّمه، وما رأيت ُ له هذه الليلة صالة وال ذِكراً، وال وِرْداً! وقد الحظت ُ عليه أمورا ً ثالثة! فقال: وما هي يا بُنيَّة؟ فقالــتْ: عندمــا قدَّمنــا لــه الطعــام أكل كثيــرا ً علــى غيــر مــا ســمعته عنــه، ولم يقُم ْ ليصلي من الليل شيئاً! وعندما صلَّى بنا الفجر لم يتوضأ! فأخبر َ اإلمام ُ أحمد ُ اإلمام َ الشَّافعي َّ بما قالته ابنته!
88أنت ِ أيضا ً صحابيَّة َ فقــال لــه الشَّــافعيُّ: يــا أحمــد لقــد أكلــت ُ كثيــرا ً ألنــي أعلــم أن طعامــك حالل، والطعام الحالل دواء، وبي مرض! فأكثرت ُ من طعامك َ ال ألشبعَ، وإنما ألتداوى! وأما أنني لم أقُم ْ لصالة الليل، فألني عندما وضعت ُ رأسي ألنام، نظرت ُ فكأن َّ أمامي الكتاب والسُّنة، ففتح َ اهلل ُ علي َّ باثنتين وسبعين مسألة ً من علوم الفقه! رتبتها في مصالح المسلمين، وحال التفكير فيها بيني وبين القيام! وأما أنني صليت ُ بكم الفجر بغير وضوء، فواهلل ِ ما نامت ْ عيني حتى أُجدد الوضوء، فصليت ُ بكم الفجر في وضوء العشاء! ثم ودَّعه ومضى... فقال اإلمام أحمد البنته: هذا الذي عمله الشافعي وهو مُستلقٍ، أفضل ُ مما عملته وأنا قائم! يا صحابيَّة، خُلقت ِ للمعالي، فدعي عنك ِ توافه األمور! علمتك ِ ابنة اإلمام أحمد درسا ً بليغا ً في الحياة! النظر إلى الجوهر ال إلى المظهر، لم تتحدث عن عمامة اإلمام الشافعي، وما إذا كانت مناسبة للون ثيابه، لم يلفتها لحيته وال خاتمه،
89أنت ِ أيضا ً صحابيَّة كانت ترقب ُ دينه وعبادته فقط! فدعي عنك ِ تفاهة المشاهير في مواقع التواصل، ماذا يُفيدك ِ متابعة كل ما تلبسه هذه «الفاشينستا» أو كل ما فعله هذا المطرب في يومه، ما خُلقت ِ لتعيشي في حياة اآلخرين وإنما في حياتكِ! في مواقع التواصل علم غزير، ومنافع كثيرة، دروس في الفقه، والحديث، وعلم التفسير، أفالم وثائقية نافعة ومفيدة! محاضرات في شتى العلوم تجلب ُ لك ِ المعرفة إلى حِجركِ، أعمال خير وإغاثة غيَّرت ْ حياة الكثيرين نحو األفضل، فتعاملي مع الحياة بعقلية النحل ال عقلية الذباب، إن النحل ال يقع ُ إال على الورد، والذباب ال يقع ُ إال على القذارة ! ابحثي عما يُرقق ُ قلبك ِ فإنما المرء ُ بقلبه، وعما يُنير ُ عقلكِ، فعقلك ِ سالحكِ! يا صحابيَّة، لست ُ أقول ُ لك ِ كوني جاهلة بالموضة، وال دعي عنك ِ األناقة والتجمل! وإنما أقول لكِ: المعرفة شيء والهوس شيء ٌ آخر، ولست ُ أقول ُ لك ِ عيشي في عالم غير العالم، وإنما أقول أن الماديات تفسد ُ الروح، ومتابعة تفاصيل حياة البعض قد تفسِد ُ حياتكِ!
90أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ألنها ستجعلك ِ غير راضية عما قسمه اهلل ُ لكِ، هؤالء ليس لهم حديث إال عما اشتروا أو باعوا، أو عما أكلوا وإلى أين سافروا! حياتهم أفالم تُعرض على أنها الحياة المثالية! فتزدرين حياتك ِ دون أن تشعري، ستشعرين بالنقص ألنه ليس لديك ِ شنطة فالنة ومجوهراتها، وبالضيق ألنه ليس لديك ِ أسفار فالن وترحاالته، نحن حين ننظر إلى ما في أيدي اآلخرين نستقل ما في أيدينا! وتنمو في داخلنا بذرة عقدة النقص! ثم من قال لك ِ أن هؤالء حياتهم مثالية؟ هؤالء ال يجعلونك ِ ترين من حياتهم إال ما يريدون! أكثر نسب الطالق تجدينها عندهم، وأكثر المشاكل على المال تجدينها بينهم، وحين كانت فالنة تستعرض حياة ً براقة، كان عندها بيت ٌ مهمل، وأسرة تضيع! وحين كان فالن يعلمك ِ كيف تأكلين، وماذا تشترين، كان له بيت يضج باإلهمال! أسوأ ما في حياة المظاهر هذه أنها تقتل فينا اإلنسان! وتنسينا تلك المهمة العظيمة التي خُلقنا ألجلها، وذلك االمتحان الصعب الذي علينا اجتيازه!
91أنت ِ أيضا ً صحابيَّة اللهم َّ ال تجعلني مثله! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! لم ترتوي بعد ُ من قصص األولين، بك ِ عطش ٌ إلى أخبارهم يزيد ُ مع كل حكاية، ومن غير ُ المؤيد بالوحي يروي لك ِ ما حدث فعالً؟! وها أنت ِ اليوم مع خبر ٍ جديد، وحكاية ٍ ماتعةٍ، وها هو نبيُّك ِ وحبيبك ِ يصحبكِ، إلى الزمن الغابر على متن ٍ قصة! يقول ُ لك ِ بصوته العذب: كانت امرأة ٌ تُرضع ُ ابنا ً لها من بني إسرائيل، فمر َّ بها راكب ٌ ذو شارةٍ، فقالتْ: اللهم اجعل ْ ابني مثله! فترك َ ثديها وأقبل َ على الراكب وقال: اللهم َّ ال تجعلني مثله! ثم أقبل على ثديها يمصه، وجعل َ النبي ُّ يمص ُّ اصبعه ليجعلك ِ تعيشين القصة، وكأنها ترينها أمامك ِ اآلن! ثم مُر َّ بأمة ٍ تُضربُ، فقالتْ: اللهم ال تجعل ابني مثلها! فترك َ ثديها وقال، اللهم َّ اجعلني مثلها! فقالتْ: ولِم َ ذاكَ؟ فقال: الراكب ُ جبار ٌ من الجبابرة، وهذه األمة يقولون سرقتِ، زنيتِ، ولم تفعل!
92أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيَّة، القصص التي جاء بها الوحي ُّ قرآنا ً أو سُنَّةً، ليست للمتعة والتسلية وإن كانت ماتعة مسلية، وإنما هي لتصديق بوقوعها أوالً، وللعظة، واالعتبار، والعمل بها ثانياً! فإبراهيم عليه السالم أُلقي َ في النار ولم يحترق حقاً! وموسى عليه السالم شق َّ البحر بعصاه واقعاً! ويونس عليه السالم مكث في بطن الحوت يقيناً! وسليمان عليه السالم حكم َ الجن واإلنس والطير فعالً! ونوح عليه السالم ركب َ السفينة في موج ٍ كالجبال صدقاً! والسكين لم تذبح إسماعيل عليه السالم أبداً! والقصص النبوي كالقصص القرآني وحي ال مراء فيه، فهو ليس مبالغات أبي زيد الهاللي، وال مهاترات جلجامش وبحثه عن نبتة الخلود، وال تخاريف اإللياذة اإلغريقية، أو الشاهنامة الفارسية، وعندما يُحدُّثك ِ نبيُّك ِ بغرائب األحاديث، فكوني على يقين أن َّ هذا وقع فعالً، واإليمان به واجب! وإن الطفل الرَّضيع في هذه القصة قد تكلم حقا ً في المهد! تماما ً كما تكلم عيسى عليه السالم يوم جاءت به أمه تحمله! نحن أمة اإليمان بالغيب قبل الصالة والصيام! نؤمن بالجنة، والنار، والصراط، والمالئكة، والجن، ومعجزات األنبياء
93أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وكل هذا غيب لم نشهده، وإن لم نؤمن به فال يصح بعد ذلك ال صالة وال صيام! يا صحابيَّة، ال تنخدعي بالمظاهر، فهي واهلل ِ خدَّاعة! وال تحكمي على األشياء بظواهرها فقط فهذا من سوء الفطن! إنك ِ لو سرت ِ في طرقات المدينة أيام أبي بكرٍ، ورأيته بثيابه المتواضعة واألطفال يركضون خلفه ينادونه: يا أبتِ! لقلت ِ يا له من رجل بسيط، هذا وهو خير الناس بعد األنبياء! صاحب رسول اهلل ، ورفيقه في الغار، مؤدب المرتدين، والمدافع عن ال إله إال اهلل! ولو أنك ِ مشيت ِ في طرقات المدينة أيام خالفة عمر بن الخطاب، ورأيته يسير بثوبه المرقَّع، لقلتِ: مسكين ال يجد ُ ثوبا ً أنيقاً، هذا وهو الذي يهرب ُ الشيطان منه، فاروق هذه األمة، وهازم اإلمبراطوريات العظمى، الرجل الذي أرسى العدل، وأقام الشَّرع! ولو أنك ِ رأيت ِ عبد اهلل بن مسعود ٍ يصعد ُ شجرةً، لضحكت ِ من دقة ساقيه ونحولها كما ضحك الصحابة، ولكن النبي َّ أخبرهم، أن َّ هاتين الساقين أثقل ُ في الميزان من جبل أُحد! ولو أنك ِ دخلت ِ المسجد النبوي،
94أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ورأيت ِ حذيفة بن اليمان، وأبا هريرة في أهل الصُّفة، والصُّفة مكان في المسجد للمساكين الذين ال يجدون طعاماً! لقلتِ: يا للمساكين! هذا وحذيفة بن اليمان صاحب سر رسول اهلل ! وأبو هريرة أكثر الصحابة رواية ً للحديث! يا صحابيَّة، ليس كل مشهور ٍ يُغبط ُ على ما هو فيه، البعض على شهرتهم وثرائهم يستحقون الشفقة! كان أبو جهل يصول ويجول، ويزبد ويرعدُ، وقد نال بخزي وسام فرعون هذه األمة! وال كل مجهول يُزدرى على ما هو فيه! البعض على عدم شهرتهم ليتنا كنا مثلهم، كان البراء بن مالك أشعث أغبر، ذي طمرين، مدفوع باألبواب، ال يأبه به أحد، ولكنه لو أقسم على اهلل ألبرَّه! الشهرة فتنة إال ما كان منها هللِ، والمال فتنة إال ما كان منه في سبيل اهلل، والعلم فتنة إال ما كان هداية ً في ذات اهلل، فال تمدي عينيك ِ إلى ما أُعطي غيرك ِ من الدنيا! وهو نهاية المطاف متاع زائل، وعذاب مؤجل، الفارس في هذه القصة كان في الظاهر مُهاباً! ولكنه في الحقيقة كان ظالما ً جباراً،
95أنت ِ أيضا ً صحابيَّة واألمة كانت في الظاهر متهمة مسكينة، وهي في الحقيقة بريئة وحبيبة إلى اهلل، فكوني ابنة اآلخرة! يا صحابيَّة، نحن ندعو اهلل بأشياء فال يعطينا إياها، هذا ألنه يعلم ُ ونحن ال نعلم! حين يمنعنا اهلل ُ عطاء ً فهذا لرحمته بنا، كلنا تمنينا أشياء بشدة، وظننا أن حياتنا ستكون جحيما ً بدونها، ثم دعونا، وسألنا اهلل، فلم يستجب! ثم مضت األيام فاكتشفنا أن الجحيم كان لو أخذناها! نحن البشر نظرنا محدود، وتفكيرنا قاصر، وال نرى من المشهد إال جزءا ً ضئيال ً نحسبه المشهد كله! وإنك ِ لو كنت ِ من ركاب السفينة التي ثقبها الخضر، لربما قلتِ: أال يكفي أننا مساكين حتى نُصاب بتلف مصدر رزقنا؟ ثم تنكشف حجب الغيب ويتبين لكِ، أنه لوال هذا الثقب لضاعت السفينة كلها! ولو أنك ِ كنت ِ والدة الطفل الذي قتله الخضر، لربما قلتِ: ما ذنب ُ طفل ٍ صغير أن يُقتل يا رب؟ ثم تنكشف الحُجب، وتنجلي الحقيقة، ويتبين لكِ، أنه لو لم يمت لسلب َ منك ِ دينكِ! فسبحان من يُكدر علينا دنيانا أحياناً، ليحفظ علينا ديننا الذي لو تكدر لن تنفعنا بعد ذلك الدنيا كلها!
96أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيَّة، اُنظري إلى منع اهلل على أنه عطاء يستريح ُ قلبكِ، إن َّ اهلل تعالى يحمينا بطرق ٍ ال نفهمها، كان أحد الصالحين يقول: إذا دعوت ُ اهلل بمسألة فحرمتها، كان فرحي بالحرمان أكثر من فرحي بالعطاء، ألن العطاء اختياري لنفسي، والحرمان اختيار اهلل لي! فارفعي أكفك ِ بالدعاء وسلي ربك ِ ما شئتِ! فإنه يُحِب ُّ أن يسمع َ عبده يدعوه، وفي األثر أن اهلل تعالى قال لموسى عليه السالم: يا موسى، سلني علف َ دابتكَ، وشراك َ نعلكَ، وملح َ عجينتكَ! فإن أخذت ِ جواب دعائكِ، فاحمدي اهلل مرَّةً، وإن مُنعت ِ فاحمدي اهلل مرتين! ألن الخير كل الخير كان أن تُمنعي! وقد كان عمر بن الخطاب يقول: لو كُشفت حُجب الغيب ما اختار إنسان قدراً، غير الذي اختاره اهلل له! فأحسني الظن باهلل!
97أنت ِ أيضا ً صحابيَّة صَدَقة! !أنت ِ أيضا ً صحابيَّة تُحبين أن تسمعي أخبار النبي ِّ ومواقفه، وتُعجبك ِ تلك المواقف التي كانت تدور بينه وبين زوجاته ذلك َ أن البيوت تتشابه، والناس ُ هم الناس فتريدين أن تكون حياتك ِ اقتداء ً وامتثاال ً بهدي نبيِّك ِ وحبيبك ِ وها أنت ِ مع موقف حياتي ّ في بيت النبوة، تُخبرك ِ عنه أمك ِ عائشة بنت الصديق رضي اهلل عنها، ذبح َ النبي ُّ شاة ً وأمر عائشة أن تتصدق َ منها، وخرج من بيته يرى أحوال المسلمين، ويُبلَّغهم رسالة ربه ولما عاد َ قال لعائشة: ما بقي َ من الشاة؟ فقالت ْ له: ما بقي َ منها إال كتفها! فقال لها: بقيت ْ كلها إال كتفها! يا صحابيَّة، تأملي هذا الجواب العظيم: بقيت ْ كلها إال كتفها! تخبره عائشة أن َّ الشاة قد ذهبت ْ في الصدقات، يخبرها أن َّ الصدقة تبقى، فإذا به وأن َّ مال اإلنسان كله يذهب إال ما جعله يسبقه إلى القبر! المال الذي معك ِ ليس لكِ، إنه للبقالة، ومحطة البنزين، وفاتورة الكهرباء، وثمن الدواء إنه لبائع الثياب، والفرن، والسوق، ومحالت األدوات المنزلية
98أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وما لم يُسعفك ِ عمرك ِ إلنفاقه فهو للورثة من بعدكِ! مالُك ِ الحقيقي هو الصدقات التي تدخرينها عند اهلل! كتف الشاة الذي بقي عند عائشة سيؤكل ويفنى، أما ما جعلته من الشاة على هيئة صدقات فيبقى، إنه يُحفظ لك ِ في بنك ِ اآلخرة! في دفتر توفير يقول ُ عنه النبي : من تصدَّق بعدل تمرة ٍ من كسب طيب، وال يقبل اهلل إال الطيب، فإن َّ اهلل يقبلها بيمينه ثم يُربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوَّه/ حصانه الصغير حتى تكون مثل الجبل! يا صحابيَّة، كانت زينب زوجة عبد اهلل بن مسعود صاحبة مال ٍ وهو فقير، فسمعت ْ النبي َّ مرَّة ً يقول: يــا معشــر النســاء تصدَّقــن َ ولــو مــن حُليِّكــن، فإنــي رأيتكــن أكثــر أهــل النــار، فجاءت إلى زوجها عبد اهلل بن مسعود ٍ وقالت ْ له: يا عبد اهلل، إنك َ رجل خفيف ذات اليد، وإن َّ النبي َّ قد أمرنا بالصَّدقة، فائته واسأله، فإذا كان ذلك َ يجزئ ُ عني أن أعطيكَ، وإال صرفتها إلى غيركَ، فقال لها ابن مسعودٍ: بل ائته أنتِ! فانطلقت ْ تريد ُ النبي َّ فإذا بالباب امرأة من األنصار،
99أنت ِ أيضا ً صحابيَّة قد جاءت ْ تسأل ُ نفس السؤال التي جاءت ْ ألجله زينب، فطرقتا الباب، فخرج إليهما بالل بن رباح، فقالتا له: سل النبي َّ عن امرأتين تسأاله هل تُجزئ ُ الصَّدقة على أزواجها، وعلى أيتام ٍ في حجورها فدخل َ بالل على النبي ِّ وقال له: امــرأة مــن األنصــار وزينــب تســأالنك هــل تجــزئ الصدقــة علــى أزواجهمــا فقال له النبي : أي الزيانب؟ فقال: امرأة عبد اهلل بن مسعود فقال له النبي : لهما أجران، أجر القرابة وأجر الصَّدقة! فاحفظي أنت ِ درس النبي ِّ ؛ أعظم ُ الصَّدقة ما كانت في القرابة! فإن كنت ِ صاحبة مال، وقد جعل اهلل ُ مالك ِ كله لكِ، ولك ِ زوج ٌ فقير ٍ فكل ما تعطينه إياه صدقة! بل ولك ِ في ذلك أجران: أجر الصدقة، وأجر هذا التحبب إليه بإعطائه بعض مالكِ، وإن كنت ِ أرملة، أو مطلقة، ولك ِ أوالد عندكِ، فكل ما تنفقينه عليهم هو صدقة تُكتب لكِ! فابحثي دوما ً في صدقاتك ِ عن األقرباء أوالً، عن أخت ٍ حالها ضيقة، وزوجها فقير، وعن أخ ٍ عنده أوالد وراتبه بالكاد يكفيه، عن عمٍ، وخال، وعمة، وخالة ٍ لم يعطهم اهلل تعالى ما أعطاكِ،
100أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فإن َّ هذا يجعلك ِ تبلغين في قلوبهم مقاما ً عظيماً، وعند اهلل تعالى مقاما ً أعظم منه! يا صحابيَّة، قال النبي ُّ يوما ً لزوجاته:ً أسرعكن َّ لحاقا ً بي أطولكن َّ يدا وهو يعني بذلك أكثرهن صدقةً، فكانت أمك ِ زينب بنت جحش ٍ أولهن َّ لحاقا ً به! فقد كان لها مهنة، تعمل في دبغ الجلود والخياطة، وكانت تكثر من الصدقة على الفقراء والمساكين، فاستحقَّت ْ عن جدارة ٍ وساما ً نبوياً، كأكثر أمهات المؤمنين صدقات ٍ وكرماً! فسَابقي أنت ِ في هذا المضمار، فإن كان لك ِ وظيفة ودخل فاجعلي لك ِ صدقة ً دائمة وإن قلَّت، علبة دواء لفقير يحتاج هذا الدواء كل شهر، كفالة أليتام عند أم فقيرة تقوم عليهم، مبلغ صغير لعائلة متعففة مستورة، ما أجمل أن تكوني أنت ِ األطول يدا ً في العائلة! وإن لم تكوني عاملة وليس لك ِ دخل، فمن مصروف البيت ولو درهما ً في الشهر أو دينارا ً ، أو صحن طعام لجيرانك ِ الفقراء، أو حتى المالبس التي ال تحتاجينها، أعطها لمن يحتاجها الصدقة إحدى أوسع األبواب وصوال ً إلى اهلل!
101أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيَّة، كانت زينب َ بنت ُ خزيمة تُسمى أم المساكين لكثرة صدقتها عليهم! فأعجب َ ذلك َ النبي ُّ فتزوجها، فلم تلبث معه إال قليال ً حتى ماتتْ! لتخرج من هذه الحياة بانتصارين عظيمين: لقب أم المساكين، ولقب أم المؤمنين! انظري إلى أجر الصدقة في الدنيا قبل اآلخرة، لما جاءت ْ بما لديها تجبر خواطر المساكين، جبر اهلل تعالى خاطرها بنبيه وحبيبه فإن كان لك ِ أمنية فاطرقي بابها بيد الصدقة، وظيفة تريدينها، أو منحة جامعية، أو نجاح وتوفيق، رجل ألقاه اهلل ُ في قلبك ِ فتعففت ِ وصبرت ِ ولكنه في قلبكِ، فتصدقي، وادعي اهلل تعالى، وكوني على يقين أنه لو كان فيه خير لكِ، فسيأتيك ِ اهلل بك ِ إلى بابك ِ مجرورا ً من قلبه، فإن َّ من أكثر األوقات إجابة ً للدعاء، هي تلك األوقات التي يدعو فيها اإلنسان ربه بعد معروف يصنعه! جاء موسى عليه السالم إلى مدين خائفا ً يترقب؛ ال بيت، ال زوجة، وال وظيفة رجل غريب ووحيد في قرية ال يعرف فيها أحداً، فرأى على الماء رجاال ً يسقون أغنامهم، وعند الماء أيضا ً امرأتين تنتظران أن يحين دورهما
102أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فلما ذهب َ الرجال قام موسى عليه السالم ليساعدهما، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل يستريح ﴾ٌٍْ فَقِري ريَ رَب ِّ إِن ِّ لِمَا أَنزَلْت َ إِل ََّ مِن ْ خ﴿ ودعا ربه قائالً: فلم ينقض ِ ذلك اليوم إال وكان عنده بيت وزوجة ووظيفة! فإذا أردت ِ من اهلل ما تُحبين، فقدمي له ما يُحِب ُّ أوالً، وال شيء أحب إلى اهلل من الصدقة! ألنها فيها جبر خواطر عباده، وسد حاجاتهم، وترميم كراماتهم، فكوني هلل ِ يكُن ْ اهلل لكِ!
103أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ال تعجلي! أنت ِ أيضا ً صحابيّة! تريدين أن تعرفي أدق َّ تفاصيل دينكِ، ألنك ِ تعرفين أن َّ اهلل سبحانه ال يُعبد من جهلٍ، وأن المرء َ كلما استقام له الفهم بانت له الحكمة! ، ِ وها أنت ِ اليوم رفقة نبيك ِ وحبيبك وها أنت ِ تسمعينه يقول: يُستجاب ألحدكم ما لم يَعجل، يقول: دعوت ُ فلم يُستجب لي! يا صحابيَّة، إن اهلل تعالى يُحِب ُّ العبد َ اللحوح، تقول ُ أمك ِ عائشة رضي اهلل عنها: ، ثم دعا، ثم دعا! ُّ ذات يوم ٍ دعا النبيْ ويوم بدر ٍ حين رأى جموع المشركين قد أقبلت : استقبل َ القِبلة، ثم رفع يديه يقول اللهم أنْجِز ْ لي ما وعدتني، اللهم إنك إن تُهلِك ْ هذه العصابة من أهل اإلسالم، ال تُعبد ُ في األرض أبداً! من على منكبيه وما زال يدعو، ويدعو، حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه ووضعه على منكبيه ثم قال له: يا نبي َّ اهلل كفاك َ مناشدتك َ ربّكَ! فإنه سينجز لك َ ما وعدكَ!
104أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيَّة، إن كان لك ِ عند اهلل حاجة فألحّي بها، وال تستأخري اإلجابة فتتوقفي عن الدعاء! لعل َّ اهلل تعالى يُحِب ُّ أن يسمع َ صوتكِ! كرري دعوتكِ، وال تملي منها أبداً، وتحرّي في دعائك ِ أوقات اإلجابة، فهي أرجى من غيرها إلجابة الدعاء! فإذا فرغ المؤذن من األذان، صلي على نبيك ِ وسلي له الوسيلة ، ثم ارفعي إلى الجبار حاجتكِ! وإذا هطل المطر فقولي: اللهم صيبا ً نافعاً، ثم ارفعي إلى المليك ِ حاجتكِ! وإذا نظرت ِ إلى الكعبة فقولي: اللهم زِد ْ هذا البيت تعظيما ً وتشريفاً، ثم ارفعي إلى المعطي حاجتكِ! وإذا كنت ِ في السجود فال تعجلي رفع رأسكِ، سلي الحاجة في السجود فإنك ِ فيه أقرب ما تكونين إلى ربكِ! واقصدي مسكينا ً في بيته، وضعي في يده صدقة! ومريضا ً ال يجد ثمن دوائه واشتريه له! وأرملة ذات أوالد ومعك ِ بعض الطعام والثياب! وفاقدة أب أو أخ أو حبيب فزوريها وعزيها! وهناك ارفعي حاجتك ِ فإن اهلل عند المنكسرة قلوبهم!
105أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيَّة، أحيانا ً تتأخر اإلجابة بذنب ٍ أنت ِ عليه، وإن الجبار ينتظر ُ توبتك ِ ليعطيكِ! خرج َ موسى عليه السالم ببني إسرائيل لصالة االستسقاء، وقد أجدبت األرض، وكاد الناس أن يهلكوا، ولكن المطر رغم الصالة لم يهطل، وأوحى اهلل تعالى إلى موسى عليه السالم أن فيهم عبدا ً عاصياً، فأخبرهم بذلك، وطلب َ منهم أن يخرج هذا العاصي من بينهم، وما هي إال لحظات حتى انهمر المطر! فسأل َ موسى عليه السالم ربَّه عن سبب نزول المطر، رغم أن هذا العاصي لم يخرج من بينهم، فأخبره اهلل تعالى بأن العاصي قد تاب بينه وبين ربه، فسأل موسى عليه السالم عنه، فقال له اهلل تعالى: يا موسى، سترته عاصيا ً فكيف أفضحه تائباً! أمة كاملة حُرمت ْ المطر بسبب عاص ٍ لم يتب! فمن باب أولى أن يُحرم المرء إجابة دعوته بسبب معصيته هو! فإن كانت لك ِ دعوة تأخرت ْ فراجعي نفسكِ! انظري في ذنب ٍ يحتاج ُ إقالعاً، فلعله هو الذي يحول بين دعائك ِ وإجابته، فإن َّ اهلل تعالى ما أمر بالمسألة إال ألنه يريد ُ أن يعطي، وإن َّ المنع في كثير من األحيان كامن فينا نحن فراجعي نفسكِ!
106أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيَّة، قال رجل لعيسى عليه السالم: أوصني! فقال له: اُنظُر ْ إلى رغيفك من أين هو! بمعنى: ابحث ْ عن الحالل! إن المال الحرام يحول بين الدعاء واإلجابة، وفي الحديث الشريف يقول النبي : إن َّ اهلل أمر َ المؤمنين بما أمر به المرسلين، يَــا أَيُّهَــا الرُّسُــل ُ كُُــوا مِــن َ الطَّيِّبَــات ِ وَاعْمَلُــوا﴿ فقــال تعالــى: ﴾صَالًِــا ﴾ْيَا أَيُّهَا الَِّين َ آمَنُوا كُُوا مِن طَيِّبَات ِ مَا رَزَقْنَاكُم﴿ وقال: ثم ذكر َ الرجل يطيل السفر، أشعث َ أغبر يمد ُّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي َ بالحرام، فأنّى يُستجاب له؟! فإذا تأخرت اإلجابة عنك ِ فانظري في مصدر دخلكِ، لعل َّ لك ِ تجارة داخلها شيء من حرام، فأصلحي هذا أوالً، ثم أبشري باإلجابة! يا صحابيَّة، كان أحد التابعين يسأل ُ اهلل أن يُيسر له الجهاد، فلم ييسره اهلل تعالى له، فلما استغرب َ عدم اإلجابة، رأى في المنام من يقول له: إنك َ إن غزوت َ أُسِرْتَ، وإن أُسِرْت َ تنصَّرتَ!
107أنت ِ أيضا ً صحابيَّة إن اهلل تعالى يحرمنا أحيانا ً ألنه يحبنا! ويمنع عنا الشيء الذي نطلبه ألنه فيه ضرر لنا، وكان األوائل يفرحون بإجابة الدعاء مرَّة، ويفرحون بعدم إجابته مرتين! ألن اإلجابة هي اختيار المرء لنفسه، أما المنع فهو اختيار اهلل لعبده، وخيرة اهلل لنا خير من خيرتنا ألنفسنا! لعل َّ الحبيب الذي سألت ِ اهلل إياه طويال ً فمنعكِ، الحياة ستكون معه جحيما ً ال يُطاق وقد يفتنك ِ في دينكِ! أنت ِ ال ترين من الكتاب إال غالفه، ولعل َّ الوظيفة التي كنت ِ تريدينها وحُرمت ِ منها، كانت النجاة كل النجاة أن ال تكوني فيها! إن َّ اهلل تعالى يُقلِّب األمور بطريقة مدهشة، ال يستطيع فكرنا البشري القاصر أن يدركها، فأحسني الظن باهللِ، واعلمي أن اختياراته لك ِ هي عين نجاتكِ! وأن منعه إياك ِ هي عين عطائكِ! يا صحابيَّة، قد تتأخر اإلجابة ألن الوقت لم يحن بعد، بعض األشياء إذا أخذناها باكرا ً أتلفناها أو أتلفتنا! على بعض الوقت أن يمضي أوالً، على بعض األسباب أن تتهيأ،
108أنت ِ أيضا ً صحابيَّة على بعض النضج أن نكتسبه! واقرئي إن شئت ِ قول ربكِ: ﴾وَلَمَّا بَلَغ َ أَشُدَّه ُ آتَيْنَاه ُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴿ بعض العطاء مرهون بالوقت، ولعل وقت إجابتك ِ لم يحن بعد، فال تقلعي عن الدعاء، وانتظري! واقرئي أيضا ً قول ربكِ: ُ َمَــن ِْ يَتِيمَــن ِْ ف ِ الْمَدِينَــة ِ وَكَن َ تَْتَــهاُ وَأَمَّــا الِْــدَار ُ فَــاَن َ لِغ﴿ ـدَّهُمَاـا أَشُــك َ أَن يَبْلُغَــأَرَاد َ رَبُّــا فَــا صَالًِــا وَكَن َ أَبُوهُمَــز ٌ لَّهُمَـكَـ ـرِيـن ْ أَمْــه ُ عَــا فَعَلْتُــك َ وَمَــن رَّبِّــة ً مِّــا رَحَْـَهُمَـزَ ـتَخْرِجَا كوَيَسْـ ﴾ـطِع عَّلَيْــه ِ صَــرًْاـم ْ تَسْــا لَــل ُ مَــك َ تَأْوِيـذَٰلِـ لو أخذ اليتيمان الكنز باكرا ً ألضاعاه، أو لسلبهم الناس إياه، كان على بعض العطاء أن يبقى مخبئا ً حتى تحين اللحظة المناسبة!
109أنت ِ أيضا ً صحابيَّة أعمال ٌ منزليّة! أنت ِ أيضا ً صحابيّة! تريدين أن تدخلي بيوت أخواتك ِ الصحابيات، كي تشاهدي حياتهن َّ عن قُربٍ! فلطالما سألت ِ نفسكِ: كيف هي أيامهُنَّ؟ أتراهُن َّ يُشبهننا، أيعملن، ويطبخنَ، ويكنسنَ؟ أكانت تدور بينهن وبين أزواجهن َّ تلك األحاديث التي تدور في بيوتنا اليوم؟ وها أنت ِ على موعد لدخول منزل ٍ كان النبي ُّ يُحبُّهً وكان كثيرا ً ما يأتيه زائراً، ومتفقداً، ومتحببا أنت ِ اآلن في بيت فاطمة الزهراء سيدة أهل الجنَّة، فاطمة تشكو إلى زوجها علي بن أبي طالب، شدة تعبها، وكثرة إرهاقها من عملها في البيت، هي اآلن تخبره كيف جرَّت ْ بالرَّحى حتى أثَّرت ْ في يدها، وكيف استقت ْ بالقِربة حتى أثَّرت ْ في عُنقها، وكيف كنست ْ البيت حتى اغبرَّت ْ ثيابها! فقال لها: لقد جيء ألبيك ِ بسبي فلو ذهبت ِ إليه وسألته ِ خادماً! فذهبت ْ فاطمة إلى النبي ِّ فوجدت ْ عنده أُناساً، فلم تُحدثه بحاجتها أمامهم، ولكنها أخبرت ْ عائشة بسبب مجيئها، وعادت إلى بيتها،
110أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فلما انتهى النبي ُّ مما كان فيه، أخبرته عائشة بتعب فاطمة من عمل البيت، وطلبها خادماً، فذهب َ إلى بيتها ، وكانت ْ وزوجها قد أخذا مضجعهما للنوم، فاستأذن، ثم دخل عليهما وقال : أال أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أتيتما مضجعكما فكبِّرا ثالثا ً وثالثين، وسبِّحا ثالثا ً وثالثين، واحمدا ثالثا ً وثالثين فهو خير لكما من خادم! يا صحابيَّة، هذه سيدة نساء أهل الجنة، تطحن ُ الحبوب بالرحى حتى يُؤثر ذلك في يدها، وتستقي الماء وتحمله في القِربة حتى تجد أثرها في رقبتها، وتكنس ُ بيتها حتى تتسخ ثيابها من هذا، فهل انتقص بهذا قدرها عند زوجها، أو أبيها، أو ربها فال تستمعي لهذه األصوات الناعقة التي تريد هدم البيوت، والتي تُصور عمل المرأة في بيتها كأنه نوع من الرق، هؤالء يحاولون باسم الحرية أن يمزقوا األسرة! ويحاولون باسم المساواة أن يرموا األوالد في الشارع! أين العبودية في أن تعمل المرأة في بيتها؟! وأين الرق في أن تطبخ ألوالدها وزوجها؟! وأين االمتهان في أن ترعى مصالح أسرتها؟!
111أنت ِ أيضا ً صحابيَّة لم تكن فاطمة ممتهنة وهي تطحن الحب لتطبخه، ولم تكن مهانة وهي تحضر الماء لبيتها، ولم تكن ناقصة في إنسانيتها وهي تكنس وتُنظف، زوجها كان فقيرا ً ال يستطيع أن يحضر لها خادماً، فماذا تفعل؟ أتلقي أوالدها في الشارع وترجع إلى بيت أبيها؟ أهذا هو التحرر والشجاعة والمساواة؟ أم هو التخلي، وعدم تحمل المسؤولية، وعدم فهم الحياة؟ وأبوها لم يعطِها خادما ً ألنه لو فعل، فعليه أن يُعطي كل بنات المسلمين مثلها وهو ال يستطيع! فماذا تفعل؟ تعق ُّ أباها وتتهمه بمعاونة زوجها عليها، أهذه هي الحرية، والتنوير، واألفكار المتقدمة؟ أم هو العقوق، والقسوة، واألنانية! فال تجعلي أذنيك مكب نفايات ألفكارهم القذرة! لقد نظروا في هذه األمّة فغاظهم كيف أن بيوت المسلمين لآلن قائمة ولم تُهدم، غاظهم مشهد زوجة صبورة رغم كل شيء، وغاظهم مشهد أب يكد ويكدح ليواري كرامة أسرته، غاظتهم بيوت تُقام فيها الصلوات وتجتمع على مائدة اإلفطار، غاظهم الحجاب وعفته، ولن يهدموا كل هذا إال حين يُخرجوا المرأة من بيتها، ألنها عماد األسرة، ومصدر استقرارها!
112أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيّة، إن قلت ِ إن عمل البيت شاق، فهذا القول نبصم ُ لك ِ عليه باألصابع العشرة! وإن قلت ِ إنه مُنهك، فهذا القول نردده معك ِ وال نشك فيه! ولكن أليست هذه هي الحياة، ولكل إنسان دوره فيها؟ أليس لكل عمل ٍ مشقته؟ بربكِ، انظري حولك ِ واخبريني أيوجد عمل بال مشقة؟! الناس يحفرون في صخر الحياة بحثا ً عن رغيف، حتى تلك الوظائف التي تبدو لك ِ سهلة، فإن فيها مشقة وإن غابت ْ عنكِ، حرس الرئاسة يقفون الساعات الطِوال، والموظفون في البنوك، والدوائر، واألعمال المكتبية، أغلبهم يعاني من «الديسك»، وأوجاع العظام والمفاصل أعمل ُ الجندي سهل؟ أم عمل الطبيب الذي يستدعونه من عز نومه لحالة طارئة؟ حتى الساسة يقضم ُ القلق أطرافهم! ال راحة في هذا الكوكب يا صحابيّة! كل إنجاز ال بد معه من تعب، وكل عمل ٍ عظيم ال بد أن يصحبه إرهاق! دعك ِ من الناس اآلن وانظري في الكون حولكِ، أال يبني العصفور عشه قشة ً قشةً؟ أال يسافر النحل المسافات بحثا ً عن رحيق؟
113أنت ِ أيضا ً صحابيَّة أال يعمل النمل ليل نهار؟ كل ما في الكون يعمل، ويبذل ُ جهداً، ويشعر ُ بالتعب، وأنت ِ ابنة هذا الكون وهذا الكوكب فاعملي كتب اهلل أجركِ! يا صحابيَّة، ال شيء في أن تحصل المرأة على خادمة، ونبيل هو الزوج الذي يستطيع إحضار من يساعد زوجته ويفعل، وليست نهاية الدنيا إن لم تحصل المرأة على خادمة! وال نهاية الزواج إن عملت المرأة في بيتها، هذا واجبها الذي إن قامت به نالت ْ األجر، تماما ً كما هو واجب الزوج العمل خارج البيت، وتأمين المال، وهو مأجور إن قام بهذا، فاحتسبي األجر في كل ما تقومين به، وغيري نظرتك لنفسكِ! أنت ِ لست ِ خادمة حين تقومين برعاية أسرتكِ، أنت ِ سيدة البيت، وصمام أمانه!ّ أنت ِ حافظته من بعد اهلل، وبدونك يضيع وينحل ال تنظري إلى الجهد المبذول فقط! ولكن انظري إلى األثر يهُن عليك ِ المسير، سالل الغسيل الممتلئة تعني مالبس نظيفة ألوالدك، والمجلى الممتلئ باألواني يعني طعاما ً شهيا ً ألسرتكِ، الكركبة في البيت تعني أنه مكان آمن لألوالد، إنهم يشعرون بالحب، وال يخافون العقوبة، وهم أهم من األثاث!
114أنت ِ أيضا ً صحابيَّة إذا أردت ِ أن تعرفي عظمة ما تفعلينه، تخيلي حال البيت لو توقفت ِ يوما ً عن فعله!ً واحتسبي األجر كما قلت ُ لك ِ سابقا تحسسي المالئكة تكتب ُ في صحيفتك كل عمل تقومين به، تحسسي أجر في كل كبد رطبة صدقة! كل لقمة يأكلها أوالدك ِ وزوجك ِ لك ِ فيها أجر! كل إفطار في رمضان لك ِ أجر الصائمين كلهم! ألست ِ من قام بإطعامهم فلك ِ كأجور الجميع؟! تحسسي في كل ثوب نظيف يرتديه أوالدك وزوجك صدقة! وفي كل حرف ٍ تعلمينه لولد أجر! وفي كل إحسان ٍ تعطينه لزوج ٍ أجر! نحن في عبادة دوما ً إذا أصلحنا نوايانا، ورضينا بما قسمه اهلل تعالى لنا، مواقف الحياة العادية تصبح ُ عبادة إذا خلصت النوايا، تخيلي الحجاب مثالً، إذا ذهبت ْ العائلة في نُزهة وكنت ِ معهم، هم في المُباح وأنت ِ في العبادة! وعليه قيسي كل شؤون الحياة!
115أنت ِ أيضا ً صحابيَّة شَهادة! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة تريدين أن تعرفي كيف كان حبيبُك ِ ونبيّك يتعامل مع الصحابة في شؤون الحياة العادية، وتسألين: أكان يقضي في شؤون بيوتهم إذا استشاروه؟ أم أنه كان يعتبر ُ هذا أمرا ً خاصا ً بهم فال يتدخل فيه، وإن اإلجابة على هذا السؤال لن تطول عليك ِ كثيراً، فها هو النعمان بن بشير يُحدِّثك ِ ويروي تعطّشك فيقول: سألت ْ أمي عمرة َ بنت رواحة أبي أن يهبني بعض ماله، فماطلها في هذا سنة، ثم قرر أن يُوافق، فقالت ْ له: ال أرضى حتى تُشهد َ النبي َّ على ما وهبت َ البني! فأخذ أبي بيدي، وأنا يومئذ ٍ غُالم صغير، فأتى النبي َّ فقال: يا رسول اهلل، إن َّ أم هذا بنت َ رواحة أعجبَها أن أُشهدك َ على الذي وهبت ُ البنها، فقال له النبي ُّ : يا بشير، ألك َ ولد ٌ سوى هذا؟ قال: نعم فقال له النبي ُّ : فال تُشهدني إذاً، فإني ال أشهد ُ على زور! يا صحابيَّة، إن اإلنسان يملك كل أحشائه عدا قلبه، وحُب ُّ األم ألحد أوالدها أكثر من غيره وارد،
116أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وهذا ال يعني بغض البقية إطالقاً! الفكرة أن ثمة ميل وإحساس تجاه ولد أو بنت، يجده اإلنسان في نفسه وال يستطيع أن يتحكم به! وإن اهلل سبحانه ال يُؤاخذنا بما في قلوبنا لناحية المشاعر، ولكنه يؤاخذنا في عدم العدل في المعاملة واألعطيات! قد ال تملكين أن تُحبي كل أوالدك ِ بالتساوي، فال يملك المرء ُ زمام قلبه، ولكنك ِ تملكين أن تعامليهم جميعا ً باألسلوب الحسن نفسه! وتملكين أن تعدلي بينهم في األعطيات والهبات والهدايا! فالعدل ُ ال عالقة له بالحُب مطلقاً! إنه مبدأ نبيل يعلو على كل المشاعر، وقد أمرنا اهلل تعالى أن نؤديه لألعداء فكيف لألحبة؟! أسلم زيد بن الخطاب قبل عمر الفاروق بسنوات ٍ وأخفى إسالمه، وكان الخطاب أبوهما شديدا ً قاسيا ً يشتد ُّ عليهما، وألن زيدا ً كان أكبر من عُمر بعشر سنوات، كان يعامله كأب ٍ حنون، ال كأخ ٍ كبير فقط! فتعلَّق قلب الفاروق بأخيه تعلقا ً كبيراً، وكان زيد بن الخطاب من أوائل الذين هاجروا في سبيل اهلل، وشهد كل المعارك مع النبي ِّ واستشهد في حروب الردة على يد أبي مريم الحنفي في خالفة أبي بكر الصديق، في معركة اليمامة تحديدا ً وكان يحمل ُ راية المسلمين يومها! فحزن عُمر عليه حزنا ً شديداً، وكان يبكيه كلما ذكره!
117أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ثم إن َّ أبا مريم أسلم بعد ردَّة، وآمن بعد كُفر! فلقيه عُمر مرَّة ً في خالفته وقال له: واهلل ِ ال أُحبك َ حتى تُحب األرض الدم المسفوح! فقال له أبو مريم: أتمنعني لهذا حقا ً هو لي؟ فقال له عمر: ال فقال: أتغصبني حقا ً ليس لكَ؟ فقال له عمر: ال فقال أبو مريم: فإن كان هذا عدل ُ وإنصاف أمير المؤمنين فال يضرني بُغضه، فإنما يحفل ُ بالحب ُ النساء! فإذا كان الفاروق يعدل ُ وال يُميز بين رعيته حتى قاتِل أخيه فأنت ِ أولى بالعدل بين أوالدك ِ وكلهم من رحمكِ! يا صحابيّة، األوالد أذكياء جدا ً ولمّاحون كثيرا ً إذا ما تعلق األمر بالتمييز في المعاملة، واألعطيات والهبات! وما قص َّ اهلل تعالى علينا قصص األنبياء عليهم السالم إال للعبرة، وقد كان لك ِ في يعقوب عليه السّالم وأوالده عبرة! صحيح أن َّ ما فعله أوالده بأخيهم يوسف عليه السالم ال مبرر له، م كانالم الكبيــر ليوســف عليــه الســالولكــن حُــب يعقــوب عليــه الســً واضحــا وخشيته الزائدة عليه كانت ماثلة للعيان! وهذا ما أوقد نار الغيرة والحسد في قلوبهم! فاتقي اهلل في أوالدكِ،
118أنت ِ أيضا ً صحابيَّة أنت ِ حين تميزين بينهم في المعاملة، فإنك بهذا ال تُقدمين حُبا ً مفرطا ً فقط، وإنما تُغرين بينهم عداوة، وتوقدين للقطيعة ناراً! فال تقطعي رحمك ِ بيدكِ! وال تُشعلي بينهم حربا ً ستكونين أنت ِ إحدى ضحاياها! يا صحابيّة، قد ال تكونين الزوجة الوحيدة لزوجكِ، وقد يكون له أوالد من غيركِ، ال أحد يُطالبك ِ أن تُحبي أوالد ضرتك ِ كحبك ِ ألوالدكِ! هذا ال يطلبه منك ِ عاقل! وهو أوال ً وأخيرا ً بخالف الفطرة اإلنسانية! ولكن سعيك ِ عند زوجك ِ أن يخصص ألوالدكِ، ما ال يُخصصه ألوالد ضرتكِ، هو ظلم تحاسبين عليه يوم القيامة! وفي الحديث: ومن اقتطع من حق مسلم ما ال يحق له، طُوِّق َ يوم القيامة بلجام من نار! قالوا له: يا رسول اهلل ولو كان شيئا ً يسيراً؟ قال: ولو كان عودا ً من أراك! تخيلي، ولو كان سواكا ً ثمنه ريال أو درهم أو دينار ال تأكلي حراماً، وال ترضي أن يأكله أوالدكِ! فإن َّ الميراث جعله اهلل تعالى بسبب رابطة الدم والقرابة
119أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ال بسبب رابطة المحبة والهوى! وأوالدك ِ في الشرع من أبيهم كأوالد ضرتكِ! يا صحابيَّة، قد يكون لك ِ ابنة أرملة، أو قد يكون لك ِ ولد فقير وإخوته أفضل حاال ً منه فإن راعيت ِ هذه الفوارق بشيء من المساعدة فال بأس! بل هذا هو األصل والحكمة والعدل، والتي لها زوج ميسور ليست كاألرملة، والولد الغني ُّ ليس كالولد الفقير، ولكن إن جبرت ِ فقر أحد ٍ فاجعلي هذا سراً! كي ال تُغري بينهم العداوة، بل وأنت ِ مأجورة إذا لفت ِ نظر اإلخوة، ليساعد منهم الغني ُ الفقيرَ، والميسور ُ المعدمَ! ولكن في الوصية والمواريث العدل هو ما شرعه اهلل، وال يُراعى فيه أي اعتبار آخر! وال يحق ُّ لك ِ أن تعطي أحدا ً فوق ما أعطاه اهلل، إال برضى البقية إن قبلوا أن يُراعوا حال بعضهم بعضًا!
120أنت ِ أيضا ً صحابيَّة زواج غريب! أنت ِ أيضا ً صحابيّة! ولك ِ في أحاديث الصحابة والصحابيات عِبرة ومتعة، وإنك ِ اآلن على موعد ٍ مع واحدة ٍ من غرائب األحداث! أنت ِ اآلن مع جُليبيب! الصحابي دميم الوجه، قصير القامة، الفقير وهي صفات ال ترغبها النساء في الرجال من األزل، وسيبقين ال يرغبن َ فيها حتى يوم القيامة، فال غنى ً في المال يُعوِّض شيئا ً من الدمامة، وال وسامة تُعوِّض شيئا ً من الفقر، كان رصيد جُليبيب في الحياة أن النبي َّ يُحبُّه، وهو رصيد وافر واهلل، وعطاء باذخ! ولكن للناس حسابات أخرى إذا ما تعلّق َ األمر بالزواج! وأراد النبي ُّ أن يبحث لجليبيب عن زوجة، فقال لرجل ٍ من األنصار: زوِّجني ابنتكَ! فقال األنصاريُّ: نِعْم َ عيني يا رسول اهلل! فقال له: إني لست ُ أريدها لنفسي! قال: فلمن يا رسول اهلل؟ قال: لجليبيب! فقال: حتى أشاور أمها... فأتى زوجته، وأخبرها بالخبر، فقالت: ال واهلل ِ ما نُزوِّجه! فلما أراد أن يقوم ويُبلغ النبي َّ قرارهما برفض عرضه،
121أنت ِ أيضا ً صحابيَّة قالت لها البنت: من خطبني منكما؟ فقاال: رسول اهلل! فقالتْ: أترُدُّن َ أمر َ رسول اهلل، قبلتُ، ولن يضيعني اهلل! وتم َّ الزواج... ثم كانت ْ غزوة، وكان من عادة النبي إذا انتهت ْ المعركة أن يقول: هل تفقدون أحداً؟ فقالوا: ال يا رسول اهلل! فقال: لكني أفقد ُ جليبيباً، فابحثوا عنه بين القتلى! فبحثوا عنه، فوجدوه إلى جانب سبعة ٍ قد قتلهم، ثم قتلوه! فقالوا: ها هو يا رسول اهلل! فأتاه، ووقف عند رأسه وقال: قتل َ سبعة ً وقتلوه! هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه! ثم وضعه على ساعده ريثما يُحفر له قبر، فلما انتهوا من الحفر، قام بنفسه وأنزله في قبره! يا صحابيَّة، كان عمر بن الخطاب يقول: ال تُكرهوا بناتكم على الرجل القبيح، فإنهن َّ يُحببن َ ما تُحبون! وهو يقصد ُ بهذا أنه كما يميل الرجل للمرأة الجميلة، فإن المرأة تميل إلى الرجل الوسيم أيضاً! ويُحسب ُ للفتاة في هذه القصة أنها قدَّمت أمر النبي ِّ على هواها وفطرتها! ولو أنها رفضت ْ هذا الزواج ما كانت عاصية!
122أنت ِ أيضا ً صحابيَّة هذا طلب شخصي حياتي من النبي ِّ ، وليس أمرا ً دينياً، وال حكما ً شرعياً، ال تملك ُ البنت ُ أمامه شيئاً! وليس ألحد ٍ في الكون أن يُجبرك ِ على الزواج برجل لم يُعجبكِ، ليس في هذا قلة أدب ٍ وال دين! والزواج إنما شرعه اهلل تعالى من أجل العفة، عفة الشاب، وعفة الفتاة! وال يختلف عاقالن أن الرغبة واإلعجاب بالشريك، تجعله يُقبل عليه إقباال ً ال يُقبله على من ال يرغب ُ به، وهذا يساعد ْ على تحقيق العفة، واالكتفاء بالحالل! يا صحابيَّة، من حق األهل أيضا ً أن يختاروا لبناتهم، األفضل تعليماً، ووظيفةً، وغنى، وهذا ال شيء فيه، على العكس تماماً! هذا من حُسن تأدية األمانة، والبنت نهاية المطاف أمانة عند أهلها حتى يؤدون هذه األمانة! صحيح أنه يجب أن نبحث عن الدين والخُلق أوالً، ولكن ما المانع أن يجتمع الدين والجمال معاً؟ أو يجتمع الدين والوظيفة المرموقة معاً؟ أو يجتمع الدين والتعلم العالي معاً؟ ال مانع أبداً! وسعي األهل لزوج أفضل البنتهم سعي مشكور،
123أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ولكل عائلة عاداتها، ونظرتها، وتقاليدها، ولو أن َّ أهل البنت في هذه القصة رفضوا تزويجها لجليبيب، لم يكن عليهم إثم، وال كانت معصية، الخطبة طلب يُقدم ألهل البنت، ومن حقهم أن يقبلوا أو يرفضوا ولو كان الخاطب نبياً! ولكن على أهمية الشكل واألناقة والمال، إال أن هناك فارقًا شاسعًا بين البحث عن هذه األمور ساعة االرتباط، وبين أن تكون هي المعيار الوحيد! من يشترط الغنى فقط لزوج ابنته، فهو تاجر وليس أبا ً ! والبنت التي تريد ُ الوسامة فقط، ال تطلب ُ زوجا ً وإنما عارض أزياء! والعائلة التي تريد ُ مركزا ً مرموقا ً من زوج ابنتها فقط، هي عائلة مظاهر فارغة! يا صحابيَّة، الدِّين أوالً، ثم تأتي بقية الصفات! الوسامة يُغيرها الزمن أما االخالق فتبقى! والمال قد يضيع أما األخالق فتبقى! والمركز المرموق قد يتالشى أما األخالق فتبقى! صدقيني إذا ارتبطت ِ بشاب وسيم بال أخالق، سيجعلك ِ سوء خلقه ترينه شيطانا ً رجيماً!
124أنت ِ أيضا ً صحابيَّة األخالق بعد الزواج وحدها تجعلنا نبدو أجمل! وإذا ارتبطت ِ بشاب غني بال أخالق، سيجعلك ِ سوء خلقه تتحسرين على عمرك ِ ! وستتمنين زوجا ً فقيرا ً يعاملك ِ بالحسنى ويُحبكِ! ما فائدة السرير الواسع مع قلب ضيق؟! وما فائدة السفر من بلد إلى بلد والحزن مقيم في القلب؟! ما فائدة الحُلي، واألساور، والقالئد، وهي تصبح مع التعاسة أغالال ً ال أكثر؟! ما فائدة معدة ممتلئة بأطيب الطعام، وفي النفس جوع لكلمة حُب، ومعاملة حسنة؟! ما فائدة السيارة الفارهة إن صارت ْ سيارة نقل موتى، موتى، قتلهم اإلهمال، واإلساءات، وإن لم يُعلنوا وفاتهم! يا صحابيَّة، جاء رجل وسيم ميسور ليخطب فتاة، فسأله أبوها: أي ساعة هي صالة الفجر؟ فقال: ال أدري! فقال له: طلبُك َ ليس عندي! مهم أن يُعجبك ِ وجه خاطبكِ، ولكن ال تنسي أن تنظري إلى قلبه! مهم أن تُعجبك ِ وظيفته، ولكن ال تنسي بره بأمه وأبيه! فالذي يسيء ُ للمرأة التي ربته شبرا ً بشبر،
125أنت ِ أيضا ً صحابيَّة لن يُحسن إليك ِ أنتِ! ومهم أن تسألي كم يملك، ولكن ال تنسي أن تسألي عن عالقته بربه! الذي يخاف اهلل لن يظلمك ِ وإن لم يُحبكِ! وإن أحبك ِ جعلك ِ تاجا ً على رأسه! فابحثي عن الدين تربت ْ يداكِ! يا صحابيَّة، الفقر ُ ليس عيباً، ٌ وقد كانت تمر ُّ األيام وال يوقد ُ نار في بيت النبي ِّ لطعام لم يكن لهم إال التمر والماء! وكانت أزواج النبي ِّ أكثر النساء دالال ً واحتراماً! والمهنة مهما كانت ليست عيباً، ما دامت تعطينا رغيفا ً وثوبا ً بالحالل نهاية المطاف، وقد كان زكريا عليه السالم نجاراً، وكان نبي ُّ اهلل داود عليه السالم يأكل من عمل يده، فال الطبيب ُ أفضل من النجار إال بدينه وخلقه، وال الوزير أفضل من الخفير إال بقلبه ودينه، ثمة أشياء يقوم عليها الزواج أهم من المال والمناصب والوسامة، فابحثي عنها أوال ً ثم تأتي بقية األشياء!
126أنت ِ أيضا ً صحابيَّة مع ماعز ٍ رضي اهلل عنه! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! وتعرفين أن الصحابة وإن كانوا خير الناس بعد األنبياء، إال أنهم نهاية المطاف بشر! وأنه يقع منهم الخطأ كما يقع من كل واحد ٍ منا، وأنه ال عصمة إال لنبي! عندما زنى ماعز ٌ رضي اهلل عنه، مر َّ بصديق ٍ له اسمه هُزال األسلمي وحدَّثه بما كان منه، ولكن َّ هُزاال ً لم يعظه، ولم يحثه على التوبة، بل أشار عليه أن ينطلق إلى النبي ويخبره، فأتى ماعز ٌ إلى النبي ِّ واعترف عنده بالزنا، فأمر َ النبي ُّ برجمه! ألن َّ األمر َ إذا وصل إلى اإلمام سقط َ العفو، وال بُد َّ مع الحَدِّ! ثم إن َّ النبي َّ لقي َ هُزاال ً بعد ذلك، فقال له: لو سترته بثوبك َ كان خيرا ً لكَ! يا صحابيَّة، كلنا مُطرَّزون بالعيوب ولوال رداء من اهلل، اسمه الستر النفضحنا، وما نظر إلينا الناس نظرة احترام أبداً! إن َّ اهلل تعالى ستِّير يُحِب ُّ السِّتر! ومن عامل َ الناس بخُلق ٍ عامله اهلل بمثله!
127أنت ِ أيضا ً صحابيَّة السَّاتر ُ على الناس يستره اهلل ! وجابر الخواطر يجبر ُ اهلل خاطره! والماشي في حاجة الناس يجعل ُ اهلل تعالى له من يمشي في حاجته عندما يحتاج! والسَّاعي إلصالح ذات البين، يُسخِّر ُ اهلل تعالى له من يسعى إلصالح أمره! فإذا أردت ِ أن ال يرفع اهلل عنك ِ ستره، فال ترفعي أنت ِ الستر عن أحد من خلقه! ذنب فالنة وفالن ال تُفشيه إذا وصل إليكِ، ما منا إال وله ذنوب! ولو كان للذنوب روائح ما جالس أحد ٌ أحداً! البيوت التي تدخلينها ادخليها عمياء! واخرجي منها خرساء! كل مكان وطئتيه أنت ِ مؤتمنة عليه! المشكلة التي دخلت ِ فيها مصلحة وناصحة، ليس لك ِ أن تُذيعي تفاصيلها فيما بعد، ومن كشف لك ِ موضع عورة في حياته، استريها بكل ما أوتيت ِ من قوة! يا صحابيَّة، ليس في ديننا ما نخجل ُ منه نعم وضع اإلسالم العظيم حدوداً، وعقوبات، وما قام مجتمع بشري يوما ً إال وله نظام عقوبات،
128أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وإن اختلفت من مجتمع آلخر إال أنها موجودة، إذا ال يقوم مجتمع بشري دونها! ولكن اإلسالم الرحيم حث َّ على التوبة والستر! وما دام اهلل ستر على اإلنسان معصيته، فاألولى أن ال يكشف ستر اهلل عنه! وال يذهب ال إلى الحاكم وال القاضي لينزل عليه العقوبة! يقول ابن تيمية: واألصل في الذنوب والتوبة واالستغفار ال إقامة الحدود! توبي بينك ِ وبين اهلل! وال تطلعي أحدا ً من العالمين على ذنوبكِ! نحن لسنا نصارى نذهب إلى الكنائس لنعترف بأخطائنا إلنسان مثلنا له أخطاء أيضاً! نحن أكرمنا اهلل بدين قائم على الستر، وجعل التوبة بيننا وبينه سبحانه! والناس تُعيِّر ُ بالذنب وال تنسى، واهلل يغفرُ، ويسترُ، ويصفح! يا صحابيَّة، كان عمر بن الخطاب جالسا ً مع أصحابه، فأخرج َ أحد ُ الحاضرين ريحاً، فأراد عمر أن يأمر صاحب ذلك الريح، أن يقوم ويتوضأ! فقال جرير بن عبد اهلل لعمر:
129أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا أمير المؤمنين أوَيتوضأ ُ القوم ُ جميعاً؟! فسُر َّ عمر بن الخطاب من رأيه وقال له: رحمك َ اهلل، نِعم السيد ُ كنت َ في الجاهلية! ونِعم َ السيد ُ أنت َ في اإلسالم! أُنظري إلى أي حد بلغ عندهم الستر، ليس في الذنوب فقط وإنما في كل ما فيه إحراج! موقف محرج ٌ للرجل لو قام وتوضأ، فسيعرف كل من في المجلس أنه من أخرج َ ريحاً! فأشار جرير على عمر أن يقوم الجميع للوضوء، واستحسن عمر هذا الرأي، وهكذا توضأ الجميع وما درى أحد من صاحب الريح! على اإلنسان أن يكون لبقا ً مع الناس، وأن يحافظ على ماء وجوههم كما يحافظ على ماء وجهه، نحن كرامات ومشاعر أوال ً ثم تأتي بقية األشياء! فحاولي أن ال تُحرجي أحدا ً أبداً، إذا علمت ِ أن زوجك ِ غير قادر على شراء شيء تريدينه، فال تطلبيه منه وتشعريه بالعجز وقلة الحيلة، وإذا علمت ِ بمناسبة فرح أو ترح عند صديقة لكِ، وهي عاجزة عن القيام بأعبائها فساعديها! فإن َّ هذا من الستر أيضاً! لماذا على الناس أن يروا عجز بعضهم وتقصيرهم؟ حتى إن وصلك ِ كالم قيل بحقكِ، واستطعت ِ أن ال تواجهي قائله فافعلي!
130أنت ِ أيضا ً صحابيَّة الناس يخونهم التعبير أحياناً، وقد يقولون في ساعات الغضب ما ال يرضونه هم! فاستريها عليهم، فما منا أحد إال ويُحب ُّ أن تُقال عثرته! عندما صفع أبو جهل أسماء بنت أبي بكر يوم الهجرة، انتبه أن َّ هذا فعل ضد المروءة والعرب ال تضرب النساء، فقال لمن حوله: اكتموها عني! هذا وهو كافر، والناس في بعض األشياء يتشابهون! يا صحابيَّة، في كتاب «وفيات األعيان» البن خلكان: أن َّ اإلمام أبا حنيفة النعمان كان له جار إسكافي، يعمل طوال النهار، فإذا رجع إلى منزله ليال ً تعشى ثم شرِبَ! فإذا دب َّ الشراب ُ فيه، وسَكِرَ، أنشد َ يقول: أضاعوني وأي فتى أضاعواٍ ليوم كريهة ٍ وسداد ثغر ولم يزل يشرب ُ ويردد ُ هذا البيت حتى ينام وأبو حنيفة يسمع كل هذا، ويصبر ُ عليه، ويستره وذات ليلة ٍ قام أبو حنيفة ليصلي فلم يسمع صوت جاره فسأل عنه، فقيل له: أخذته الشرطة! فلما صلى الفجر، ركب بغلته، وأتى دار األمير، واستأذن فقال األمير: ائذنوا للشيخ على الفور فلما دخل عليه أكرمه، وقال له: ما حاجتكَ؟
131أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فقال: جئت ُ أشفع ُ في جاري فالن، فقال األمير: أطلقوا جار الشيخ! وركب أبو حنيفة بغلته، ومشى اإلسكافي خلفه، فقال له أبو حنيفة: يا فتى هل أضعناك؟ فقال: بل حفظت َ ورعيتَ، فجزاك َ اهلل خيرا ً على حرمة الجوار! ولم يعد إلى ما كان يفعل! كان بإمكان أبي حنيفة أن يشتكي على جاره السّكّير ولكنه ستره ولم يخبر أحدا ً بمعصيته! بل وذهب َ إلى األمير يشفع له، فكان ثمن الستر والشفاعة أن تاب َ اإلسكافي، نحتاج أن ننظر في ذنوب الناس على أننا عباد، ال على أننا أرباب! وأن الفارق بيننا وبينهم هداية اهلل وستره، ولو رفعها عنا لكنا مكانهم! وما عيَّر َ أحد ٌ أحدا ً بذنب ٍ إال ارتكبه فيما بعد، كان عبد اهلل بن عمر بن الخطاب يقول: لو عيَّرت ُ امرأة ً بالحمل ساخرا ً لخشيت ُ أن أحبل! ألنه كان يعرف أن الفاضح يُفتضح، والمُعيِّر ُ مسلما ً بذنب سيقع فيه! هذه سنة اهلل في الكون تعلمها من النبي ِّ ومات َ محمد بن سيرين في السجن، بعد أن خسر كل ثروته في تجارة، وكان قبل أن يموت يقول:
132أنت ِ أيضا ً صحابيَّة إني كنت ُ أنتظر هذا من عشرين سنة، لقد عيَّرت ُ رجالً، وقلت ُ له: يا مُفلس! يا صحابيَّة، روى أبو داود في صحيحه: أن الصحابي الجليل عقبة بن عامر ٍ كان له كاتب، وكان جيران هذا الكاتب يشربون الخمر، فقال يومها لعقبة: إن َّ لنا جيرانا ً يشربون الخمر، وسأبلغ الشرطة ليأخذوهم! فقال له عُقبة: ال تفعل، وعِظهُمْ! فقال الكاتب: إني قد نهيتهم فلم ينتهوا، وأنا داع ٍ لهم الشرطة! فقال له عقبَة: ويحكَ، ال تفعل! فإني سمعت ُ رسول اهلل يقول: من رأى عورة ً فسترها كان كمن أحيا موؤودة! تأمليها بقلبك يا صحابية: كمن أحيا موؤودة! فال تزهدي في أجر إحياء الموؤودات واستري وال تفضحي، وغطي وال تكشفي! يا صحابيّة، يقول أحمد بن مهدي األصبهاني، وكان إماما ً حافظا ً فقيهاً، ترجم له الذهبي في سير أعالم النبالء، وأثنى عليه: جاءتني امرأة ببغداد في ليلة من الليالي، وذكرت أنها من بنات الناس، ولها عائلة،
133أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وقالتْ: أسألك باهلل أن تسترني! فقلتُ: وما قصتكِ؟ فقالتْ: أُكرهت ُ على نفسي، وأنا اآلن حامل! وقد توقعت ُ فيك َ النجدة والشهامة والستر، فذكرت ُ لكل من يعرفني أنك َ زوجي، وأن َّ ما بي من حمل ٍ إنما هو منك! فأرجوك ال تفضحني، واسترني سترك َ اهلل ُ عز َّ وجل! سمعت ُ كالمها، وسكت ُّ عنها، ثم مضتْ... وبعد فترة ٍ وضعت ْ مولوداً، ففوجئت ُ بإمام المسجد يأتي إلى داري ومعه الجيران، يهنئونني، ويباركون لي بالمولود! فأظهرت ُ لهم الفرح والتهلل، ودخلت ُ غرفتي، وأتيت ُ بمئة درهم، وأعطيتها لإلمام، وقلت ُ له: بشَّرك َ اهلل بالخير! أنت َ تعلم ُ أني طلقت ُ تلك المرأة، غير أنني ملزم بالنفقة على المولود! أعط ِ هذه لألم، وسأتكفل بمثلها مطلع كل شهر، وأنتم شهود على ذلك! واستمررت ُ على هذا دون أن أرى المرأة ومولودها، وبعد ما يُقارب من عامين توفي المولود، فجاءني الناس يعزوني! فأظهرت ُ لهم التسليم بقضاء اهلل وقدره، ويعلم ُ اهلل أن َّ حزنا ً عظيما ً قد تملكني
134أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ألنني تخيلت ُ المصيبة التي حلَّت ْ بتلك األم المنكوبة! وإذا ببابي يُقرع ُ في ليلة من الليالي، فلما فتحت ُ الباب فإذا هي المرأة ومعها صرة من الدراهم، وقالت ْ لي وهي تبكي: هذه هي الدراهم التي كنت َ تبعثها لي كل شهر، سترك َ اهلل كما سترتني!ْ حاولت ُ أن أرجعها لها، غير أنها رفضت ومضت ْ في حال سبيلها... وما هي إال سنة، وإذا بها تتزوج من رجل غني مقتدر أشركني معه في تجارته، وفتح َ اهلل ُ علي َّ بعدها أبواب الرزق من حيث ال أحتسب! يا صحابيَّة، روى الشيخ محمد راتب النابلسي في إحدى خطبه أنه قبل خمسين عاما ً رأى أحد ُ خُطباء دمشق النبي َّ في المنام، فقال له: قُل ْ لجارك فالن: أنه رفيقي في الجنة! وكان جاره هذا بائعا ً فقيرا ً شديد الفقر، طرق َ الخطيب باب جاره، ففتح له ورحَّب َ به، فقال له: لك َ عندي بشارة من النبي ، ولن أعلمك َ إياها إال إذا أخبرتني ماذا فعلت َ مع ربكَ؟! فامتنع َ الجار عن الكالم أول األمر، ولكن الخطيب أقسم َ عليه، وألحَّ، فقال له: كنت ُ خطبت ُ امرأةً، وتزوجتها،
135أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وفي الشهر الخامس كانت حامال ً في الشهر التاسع! يعني أن الحمل لم يكن مني! زلَّت ْ قدمها، وكان بإمكاني أن أفضحها، لكني أردت ُ أن أسترها، لعلها تتوب على يديَّ، جئت ُ لها بالقابلة، وولدت ْ في الليل، وحملت ُ الطفل تحت عباءتي لصالة الفجر، ودخت ُ مسجدا ً غير مسجدنا بعد أن بدأت الصالة، فوضعت ُ الغالم وراء الباب والتحقت ُ بالمصلين، ولم يرني أحد! فلما انتهت الصالة تحلَّق المصلون حول الغالم، فجئت ُ وكأني لم أعلم ما الخبر، فقلت ُ لهم: أنا أكفله، أعطوني إياه فإني مشتاق إلى ولد! فأخذته أمام أهل الحي على أنه لقيط، ورددته إلى أمه، وأحسنت ُ تربيته، وتابت هي بعد ذلك وكانت خير أم وزوجة!
136أنت ِ أيضا ً صحابيَّة صدقة من نوع آخر! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! كنت ِ شاهدة ً على الغزوات كلها، رأيت ِ أن َّ هذا األسالم لم ينتشر بالسَّيف أبداً، ولكن الحق الذي ال تدعمه القوة يجعله الناس باطالً! والمبدأ النبيل حتى يسود، على الحزم أن يهيء َ له الطريق! الجهاد في اإلسالم ليس للتشفي واالنتقام، وإنما إلرساء هذا الدين العظيم في المجتمعات، وألجل هذا كانت: اذهبوا فأنتم الطلقاء! ال يوجد في التاريخ أرحم من اإلسالم، وال محاربين أنبل من المسلمين، وأنت ِ اليوم مع غزوة مفصلية من غزوات النبي ، إنها غزوة تبوك! الغزوة األبعد مسافة من المدينة المنورة معقل اإلسالم! واألشق من حيث المناخ فالوقت ُ صيف والصحراء لظى! ولم يكن عند النبي ِّ مال يجهز به الجيش، لهذا عُرِف َ ذاك الجيش بجيش العُسرة، وحث َّ النبي ُّ على الصَّدقة، فكانوا كعادتهم، على ما يحب ُّ اهلل ورسوله فجادوا بأموالهم، جاء أبو بكر بكل ماله، وعمر بنصفه، والعباس بصدقة كثيرة غير أن عثمان بن عفان الثري الشهم جهز ثلث الجيش! فنال وساما ً نبويا ً رفيعا ً من طراز:
137أنت ِ أيضا ً صحابيَّة «ما ضر َّ عثمان ما فعل بعد اليوم!» وبينما النبي ُّ يحث ُّ على الصدقة، قام عُلبة بن زيد وقال: يا رسول اهلل إني فقير، وليس لدي َّ ما أتصدق ُ به ، ولكني أُشهدك َ أني قد تصدقت ُ بعرضي على من ناله من المسلمين! ولم يُعلِّق النبي ُّ على قول عُلبة ولكن َّ النبي َّ قال في اليوم التالي: أين المتصدق بعرضه البارحة؟ فقام عُلبة بن زيد ٍ فقال: ها أنا يا رسول اهلل فقال له النبي ُّ : قد قبل َ اهلل ُ منك َ صدقتكَ! يا صحابيَّة، إذا حصل خالف بينك ِ وبين أخت ٍ لك ِ أو صديقة ورأيت ِ الحق َّ معك ِ فال تنتظري كثيراً، كلما طال أمد ُ الخالف كلما زادت الفرقة! فبادري، وال تدعي الشيطان يعزف لك ِ على وتر الكرامة! وقولي: اللهم إني تصدَّقت ُ بعرضي ومظلمتي لوجهك الكريم، اهلل تعالى يعامل ُ الناس بالخُلق الذي يعاملون به الناس، من عفا، عفا اهلل عنه! ومن أقال العثرات، أقال اهلل تعالى عثرته، وتذكري أنه ال يستقيم أن نطلب العفو من اهلل، ونحن ال نعفو عن الناس!
138أنت ِ أيضا ً صحابيَّة في ترجمة الذهبي لمسعود بن محمد الهمذاني، أنه كان من خير الناس، وكان كثير المسامحة والصفح، وإذا جاءه من يسترضيه رضي على الفور وقال: إن َّ الماضي ال يُذكر! فلما ماتَ، رؤي في المنام فقيل له: ما فعل َ اهلل بكَ؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال لي: يا مسعود، الماضي ال يُذكر! انطلقوا به إلى الجنّة! يا صحابيَّة، يقول أنس بن مالك: كنا جلوسا ً مع النبي ِّ فقال: يطلع عليكم اآلن رجل من أهل الجنة، فطلع َ رجل من األنصار، تقطر لحيته ماء ً من الوضوء، فلما كان الغد، قال النبي مثل هذا، فطلع َ الرجل الذي طلع أول مرة، ولما كان الغد، قال النبي ُّ مقالته األولى، فطلع َ ذلك َ الرجل أيضاً! فلمــا انفــض َّ المجلــس، قــام عبــد اهلل بــن عمــرو بــن العــاص وقــال للرجــل: تشاجرت ُ مع أبي فأقسمت ُ أن ال أدخل عليه ثالثاً،
139أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فإن رأيت َ أن تستضيفني عندك َ حتى تنقضي! فقال له: نعم وأقام عبد اهلل عند الرجل فلم يره يقوم من الليل، غير أنه إذا جافاه النوم ذكر َ اهلل تعالى في فراشه، فاستقل َّ عبد اهلل عبادة الرجل وقال له: لم يكن بيني وبين أبي غضب ٌ وال هجر، ولكن َّ النبي َّ قد قال كذا وكذا فأردت ُ أن آوي إليك َ ألنظر ما تفعل، فلم أرك َ كثير عملٍ، فما بلغ بك َ هذا؟ فقال: ما هو إال الذي رأيتَ! غير أني ال أجد في نفسي ألحد ٍ من المسلمين غشاً، وال أحسد أحدا ً على خير أعطاه اهلل إياه، وإذا أويت ُ إلى فراشي قلت: اللهم َّ إني عفوت ُ عمّن ظلمني من المسلمين! فقال له عبد اهلل: هذا الذي بلغ َ بكَ، وهذا ما ال نُطيق! اُنظري أين بلغ َ به العفو يا صحابية! يمشي على األرض وهو من أهل الجنة، ال لشيء غير أن قلبه سليم من كل حقد! ويحب الخير للناس، وال ينظر إلى ما في يد غيره، وهذه مرتبة ليست مخصوصة لهذا الصحابي، هي باب مفتوح كل شخص مثله يدخل منه! وقد عرفت ِ بابا ً من أبواب الجنّة، فادخلي!
140أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيّة، دخل َ زيد بن أسلم على أبي دجانة وهو مريض، فرأى وجهه يتهلل، فقال له: ما لك َ يتهلل وجهك؟ فقال: ما من عمل ٍ عندي أوثق من اثنتين! أما األول: فإني كنت ُ ال أتكلم فيما ال يعنيني، وأما الثانية: فكان قلبي للمسلمين سليماً! اُنظري لهذا الفهم العميق لهذا الدين العظيم، صحابي جليل آمن، وجاهد، وصلى، وصام، وتصدق، لكنه يرى أن أفضل أعماله خلو قلبه من الحقد! طهري قلبك ِ فهو موضع نظر الرحمن، فإن َّ اهلل تعالى ال يحفل ُ بالوجوه وإنما بالقلوب! يا صحابيّة، كان زين العابدين علي بن الحسين ذاهبا ً إلى المسجد مع غلمانه، فاعترضه رجل، وسبَّه! فأراد غلمانه أن يضربوه ولكنه نهاهم، وقال للرجل: يا هذا! في َّ أكثر مما تقول، وما ال تعرفه عني أكثر مما عرفته، ثم أمر له بألف درهم! فمضى الرجل وهو يقول له: أشهد ُ أنك َ من بيت نبوة! بهذا تُشترى القلوب، وتُطفأ النار،
141أنت ِ أيضا ً صحابيَّة إن إساءة اآلخرين لك ِ هي فعل، وتطور هذا الفعل، أو انطفاؤه مرهون بردة فعلكِ! إذا كنت ِ ستقفين عند كل كلمة، فستصبح حياتك ِ كلها عبارة عن ساحة حربٍ! وإذا كنت ِ ستأخذين موقفا ً غاضبا ً من كل إساءة، فستحرقين دمك ِ وأعصابكِ، وتتلفين نفسكِ! أنت ِ حين تتغاضين تربحين نفسكِ، وتربحين اآلخرين! يا صحابيَّة، ذهب َ عبد اهلل بن مسعود إلى السوق ليشتري طعاماً، فسرق َ لص ٌ ماله، فأخذ الناس يدعون على السارق، ومنهم من يقول اللهم شُل َّ أركانه، لكن ابن مسعود ٍ قال لهم، ال تدعوا على السارق، ثم قال: اللهم إن كان حَمَلَه على أخذها حاجة، فبارك له فيها! وإن كان حمله على أخذها جراءة على الذَّنب، فاجعلها آخر ذنوبه! اُنظري إلى هذه الرحمة بالعصاة والمذنبين، واُنظري إلى هذه العظمة في التنازل عن الحق! كان عبد اهلل بن مسعود أولى أن يدعو على السارق من الناس، فهو أوال ً وأخيرا ً صاحب المال والمعني باألمر،
142أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ولكنه هو أول من بادر بالعفو، حتى أنه لم يهُن ْ عليه أن يدعو َ الناس ُ على السارق، بل وتوَّج ذلك كله بأن دعا للسارق أيضاً؛ إن كان فقيرا ً محتاجا ً أن يجعل اهلل البركة فيها، وإن لم يكن محتاجا ً أن تكون خاتمة ذنوبه، أي َّ رُقي هذا!؟ لقد تخرجوا من مدرسة النبوة ، وعلموا باكرا ً أن طلب العفو من اهلل تعالى، يجب أن يسبقه العفو عن الناس!
143أنت ِ أيضا ً صحابيَّة بيت ٌ في الجنَّة! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! تُسليكِ، وتعزِّيك ِ أخبار ُ النساء األوليات، وإنك ِ ترجعين أدراج الزمان بحثا ً عما يربط ُ على قلبك، وها أنت ِ اليوم مع بطلة ٍ من أبطال التوحيد على مر ِّ األيام، مع جبل ٍ من اإليمان والصبر والعزيمة، امرأة عاشت في بيت فرعون، وهي تخفي إسالمها وعبادتها وإيمانها بربها، فقد كانت متزوجة من رجل كان من أشد الناس، كفرًا وقسوة وجبروتًا على مر ّ التاريخ، بل كان يقول للناس ومن حوله: أنا ربكم األعلى! وكان يقتل ُ الناس على هذا! فقد كان بيته من بيوت الظلم، فكان يقتل الرجال، واألطفال، ويستحيي النساء، ويستعبد البشر! وبالمقابل كان بيت فرعون يحوي أشخاصا ً من أهل اإليمان، ومن هؤالء الناس زوجته آسيا بنت مزاحم، التي كانت بمثابة األم للنبي موسى عليه السالم، وهي التي حالت بينه وبين القتل بأمر اهلل، فقد كان فرعون يقتل كل طفل يولد في مصر، خوفًا على منصبه وعرشه، بعد الرؤيا الشهيرة التي رآها! فقد رأى أن نارا ً تلحق به في قصره، فأولها المعبّرون له، بطفل يولد في بني إسرائيل،
144أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يكون زوال ملكه على يديه! آسيا هي المرأة التي بدأ اإليمان يأخذ قلبها، فقد حرصت على أن ال يَبان وال يظهر، ألنها هي أعرف الناس بفرعون! فقد كانت تعلم أنه ظالم ومخادع وكاذب، وال يمكن أن يكون هذا ربًا لقومه حتى يعبدوه، فقد كان يمرض ويتعب ويقضي حاجته وينام وينصَب، فقد كانت تعلم في فطرتها أن لها خالقاً، أن لها ربّا ً ليس له شريك! وأن ليس هناك معبود بالكون سوى اهلل وحده! فلما رأت موسى عليه السالم كيف يتكلم ويناقش فرعون، ورأت أخاه هارون يتحدث بكالم فصيح مبين، ورأت اآليات على يد موسى، أيقنت في داخلها أن اإلله الحق هو رب موسى وهارون فقط، ففي البداية كان األمر صعبًا، لكن اإليمان لما استحكم في قلبها بدأت تواجه فرعون به، فقالت له: يا فرعون إني قد كفرت بك! فأجابها: ماذا تقولين؟ قالت: لقد كفرت بك وال أبالي! إني آمنت ُ برب موسى وهارون وكفرت بك أيها الظالم! وكانت هذه أصعب كلمة يسمعها فرعون! لقد سمع بالتوحيد من زوجته! قالت هذا الكالم بوجه فرعون ولم تكترث له،
145أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ولما سيفعله بها! فبدأ معها بالضرب فلم تبالي، وصار يعذبها ويؤذيها، وقال لجنوده: خذوها إلى الصحراء، الفأخذهــا الجنــود وربطوهــا بأربعــة أوتــاد فــي صحــراء مصــر بــ طعــام وال شــراب، فجاءها فرعون وسألها أتريدين أن ترجعي معي، فقالت: ال! ً تحت الشمس! الفزاد في عذابها، وتركها في الصحراء يومًا كام ثــم جاءهــا اليــوم الثانــي وســألها: هــل تريديــن أن تســتبدلي كالمــك وتراجعــي نفســك وتعــودي إلــى بيتــك ودينــك؟ فقالت له: واهلل ما ازددت إال إيمانًا وصبرًا! وفي اليوم الثالث كان كسائر األيام فلم يجلب لها الطعام والشراب، وتركتها تحت الشمس الحارقة! فصارت بثباتها هذا مثال ً للمؤمنين إلى يوم القيامة! َ ـوْنـرَأَت َ فِرْعَــوا امْــن َ آمَنُــا ً لِّلَِّيـوَضََب َ الل َُّ مَثَـ﴿ وقــال ربنــا عنهــا: َ ـوْنـن فِرْعَــي ِ مِــة ِ وَنَِّــا ف ِ الَْنَّــدَك َ بَيْتًــن ِ ل ِ عِنــت ْ رَب ِّ ابْـإِذ ْ قَالَـ ﴾َـنـوْم ِ الظَّالِمِــن َ الْقَــي ِ مِــه ِ وَنَِّـوَعَمَلِـ فطلب فرعون من جنوده أن يحملوا الصخرة من أعلى مكان، وأن يرموا بها على رأس امرأته حتى يُسطح رأسها، فلما حملوا الصخرة ليرموا بها عليها، أراها اهلل تعالى بيتها في الجنة!
146أنت ِ أيضا ً صحابيَّة هــذه هــي قصــة المــرأة التــي وقفــت فــي وجــه أشــهر كافــر وكاذب فــي التاريخ! يا صحابيَّة، قدر اهلل نافذ َ قتل َ فرعون ُ آالف األطفال على مدى سنوات، كي ال يأتي ذاك الطفل الذي سيزيل ملكه، ولكن عندما جاء هذا الطفل ربَّاه رغما ً عنه في بيته! ال أحد يستطيع أن يُغيِّر قدر اهلل تعالى، وكل جيوش الدنيا ال تحول بين اهلل تعالى وقدره، فاعلمي علم اليقين أنه ال يوجد في الحياة فرص ضائعة، كل ما فاتك ِ لم يُخلق لكِ! وكل ما أخذته لم يكن باستطاعة أحد أن يمنعك ِ إياه! متى ما تحقق هذا في قلبك ِ أَرحت ِ واسترحتِ! الشاب الذي تمنيتيه زوجا ً فذهب َ إلى غيركِ، قد كتبه اهلل تعالى لها قبل خلق السماوات واألرض والوظيفة التي فاتتك ِ لم تكن لك ِ أصالً، المرض الذي أصابك ِ لم يكن باإلمكان تفاديه، والموت ُ الذي نزل بحبيب ٍ لك ِ من ولد وزوج وأخ وأبوين، لم يكن بإمكانك ِ أن تفعلي شيئا ً حياله! وإال فأريني كيف ستطيلين عمرك ِ إذا حانت لحظة وفاتكِ؟! كل شيء ٍ بقدر يا صحابية فاطمئني! لو هربت ِ من رزقك ِ لتبعك ِ يبحث ُ عنكِ، ونصيبك ِ من كل شيء سيصيبك ِ ال محالة!
147أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فسلِّمي هلل بما شاء أن يمضيه، فإن َّ الرضى على قدر اهلل من أعلى مراتب اإليمان! يا صحابيَّة، دينك ِ هو عظمك ِ ولحمك ِ فال تتركيه! وكل ثمن تدفعينه مقابل الجنة هو ثمن بخس! هذه سيدة مصر األولى، وزوجة الملكِ، كان يكفيها أن تشير بإصبعها فقط ليُجاب طلبها، وكان يكفيها أن تأمر فتُطاع! ولكنها نظرت بقلبها إلى الدنيا فوجدتها متاع زائل! فاشترت ْ ما عند اهلل ألنه خير وأبقى! ال تبيعي دينك ِ بدنياك ِ يا بُنيَّة! كل رغيف حرام ٍ سيبعدك ِ عن اهلل ال تأكلينه! وكل حبيب سيبعدك ِ عن اهلل ال يلزمكِ! وكل مجلس ٍ سيأكل ُ حسناتك ِ ال تجلسي فيه! وكل صُحبة ٍ تخجلين أن تفعلي أمامها طاعة اهجريها! يموت ُ المرء ُ وحده، ويُدفن وحده! ويُحاسب ُ وحده، ويُبعث ُ وحده! فال تستبدلي قرب اهلل الدائم بقرب الناس الفاني! يا صحابيَّة، من خان َ اهلل فال تتوقعي منه الوفاء مع الناس، فرعون حين صلب َ زوجته خان الود والعشرة،
148أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ولكنه من قبل خان َ اهلل، وجحد َ في إحسانه! اجعلي مقدار الناس في قلبك ِ مقدار اهلل ِ في قلوبهم!ِ قبل أن توافقي على من جاء يخطبك سلي عن بره بأمه، وعالقته بأخواته، فالذي يؤذي المرأة التي حملت به، وأنجبته، وربته،ِ فلن يتورع عن أذيتك ألنك ِ مهما أحسنت ِ إليه لن تحسني إليه إحسان أمه! حدثتني جدتي رحمها اهلل قصة وأنا صغير، ما زالت عالقة في ذهني ال أنساها ما عشت ُ في هذه الدنيا عن امرأة ٍ تزوجت ْ رجال ً ال تعرفه فلما كانت صباحية عرسه ذهب َ إلى السوق ليشتري لحماً، وعاد يحمل ُ نوعين من اللحوم، وقال لزوجته:ِ هذا لحم طيب، وغالي الثمن، سنأكله أنا وأنت وهذا لحم رديء سنطعمه ألمي حين تزورنا، فأرسلت المرأة في طلب والدها على الفور، فلما جاءها قالت له: أريد أن أتطلق! فلما سألها عن السبب، حدثته بالقصة وقالتْ: ال أريد ُ أوالدا ً من ابن عاق، ولست ُ آمن ُ على نفسي معه وقد غدر بأمه! يا صحابيَّة، مهما كان زوجك، عاصيا ً فلن يكون كفرعون! وأي عصيان بعد ادعاء األلوهية والربوبيَّة؟!
149أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فال تعلقي تفريطك ِ بدينك ِ بزوجكِ، صحيح أن الزوج الصالح يعين على االستقامة، وأن الزوج الفاسد يُتعب ُ الزوجة في دينها، ولكن األجر على قدر المشقة! أعطيه حقوقه كاملة، وسلي اهلل حقكِ! أما أن تفرطي بعباداتك ِ ألنه فاسد، فهذا ليس من العقل في شيء! ستتحاسبين عن نفسك ِ ال عنه! وستدخلين قبرك ِ وحدك ِ ال معه! أحيانا ً يبتلينا اهلل بالزوج العاصي، والولد العاق، ولكن هذا كله امتحان! واهلل ناظر إليك ِ ما أنت ِ فاعلة بامتحانك ِ هذا، فال ترسبي، فالجنة والنار ال تستحق ُّ المخاطرة ألجل أي أحد! تأمليها جيداً: ألجل أي أحد!
150أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ملكة من اليمن! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة تُحبين قصص الملكات واألميرات اللواتي عشن َ في زمن ٍ سحيق، وعندما تعلمين أن هذه القصص قد وردت ْ في القرآن الكريم تزدادين شغفا ً لسماعها، ألنك ِ تعرفين أنك ِ على موعد مع الموعظة والمتعة، وأنت ِ اليوم على موعد ٍ مع واحدة من أشهر الملكات في التاريخ، إنها بلقيس ملكة سبأ! كثيرة، حكم فيها رائعة قصة وهي والعظماء، للملوك دقيق مغزى وفيها السالم، عليه سليمان مُلك لسعة بيان وفيها اليمن، أقاصي إلى المقدس بيت من امتد ُ حيث واألمراء، الملوك له ودانت دين إلى للدعوة وسيلة الملك السالم عليه سليمان اهلل ُّ نبي اتخذ وقد اإلسالم، المنكر، عن والنهي بالمعروف واألمر اهلل، دين في الدخول إلى ودعاه إال ظالما كافرًا ملكًا يترك فلم وحده! تعالى اهلل وعبادة الفصل! الحكم هو ُ السيف كان لدعوته يستجب لم فمن الدنيا. أرجاء َّ وعم المعمورة أقطار في اهلل ُ دين َ انتشـــر وهكذا سبأ، مَلكة مع السالم عليه سليمان قصة وتبدأ بجيشه النمل وادي السالم عليه سليمان اجتاز عندما
151أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فيها، ماء ال جدباء أرض في كانوا ثم الماء! فسألوه الجيش فعطش الماء، أعوزوا إذا كانوا أنهم جيشه في الهدهد وظيفة وكانت األسفار، حال في والصحارى القفار في إليه واحتاجوا ماء، من البقاع بهذه هل لهم فينظر يجيء الهدهد أن القُوة من له تعالى اهلل خلق بما الماء على يدله الهدهُد وكان األرض، تخوم تحت الماء إلى ينظر كان حيث فيه أودعها التي اهلل بمشــيئة الزجاجة في الماء يرى كما األرض في الماء يرى وكان تعالــى، الماء، هنا ها وقال: الماء على دلَّهم إذا ُ الهدهد فكان العيون، وفجرّت الصخر الشياطين شقَّقَت لحاجتهم! واستعملوه وأخرجوه الماء، إلى واحتاجوا السالم عليه سليمان ُ جيش عطش فعندما يجده، ولم بينهم يره فلم الطير َ تَفَقَّد ســبب عن مقبول بعذر أتاه إذا إال التعذيب أو بالذبح يتهدده فأخذ تخلفــه َ ـدـا ل َِ ل َ أَرَى الْهُدْهُــال َ مَـَْ فَقَـ ريــد َ الطَّـوَتَفَقَّـ﴿ وتعالــى: تبارك اهلل يقول ِّ يَ ـه ُ أَو ْ لََأْتِيََذْبََنَّـأل ْ ـدِيدًا أَوـا شَــه ُ عَذَابًـَُعَذِّبَنَّـأل 20 َ ـنـن َ الْغَائِبِـأَم ْ كَن َ مِـ ﴾ٍ نِ بِسُــلْطَان ٍ مُّب السالم، عليه سليمان إلى الهدهد أقبل ثم عليه، يطلع لم ما على اطلع بأنه أخبره غيبته عن سأله فلمّا سبأ، مملكة في اليمن في كان أنه وهو صادق يقين بخبر وأخبره بلقيس، تُدعى البالد هذه على ملكة هناك َّ وأن
152أنت ِ أيضا ً صحابيَّة اليمن، في األمة تلك ْ ملكت قد الناس، ويؤتاه الملوك يُعطاه شىء كل من وأوتيت العيون، يبهر ممّا والجواهر الزينة بأنواع ٌ مزخرف عظيم عرش ولها تعالى، باهلل كفرهم السالم عليه لسليمان ذكر ثم اهلل، دون من لها والسجود الشمس وعبادتهم تعالى اهلل عبادة عن وصدهم لهم الشيطان وإضالل ْ ـنـك َ مِــه ِ وَجِئْتُــط ْ بِــم ْ تُِــا لَــت ُ بِمَــال َ أَحَطْــد ٍ فَقَـَْ بَعِيـ ريــث َ غَـفَمَكَـ﴿ ٍ ـن ْ ك ُِّ شَْءـت ْ مِــم ْ وَأُوتِيَــرَأَة ً تَمْلِكُهُــدْت ُ امْــن ٍ 22 إِن ِّ وَجَــإ ٍ يَقِــبَإ ٍ بِنَبَـسَـ ْ وَلَهَــا عَــرْش ٌ عَظِيــم ٌ 23 وَجَدْتُهَــا وَقَوْمَهَــا يَسْــجُدُون َ لِلشَّــمْس ِ مِــن ْ ـمـبِيل ِ فَهُــن ِ السَّــم ْ عَــم ْ فَصَدَّهُــيْطَان ُ أَعْمَالَهُــم ُ الشَّــن َ لَهُـدُون ِ الل َِّ وَزَيَّـ ِ َِِّ الَِّي يُْــرِج ُ الَْــبْء َ ف ِ السَّــمَاوَات لل ل َ يَهْتَــدُون َ 24 أَل َّ يَسْــجُدُوا ُّ ـو َ رَبـه َ إِل َّ هُــون َ 25 الل َُّ ل َ إِلَٰــا تُعْلِنُــون َ وَمَــا تُْفُــم ُ مَـَْرْض ِ وَيَعْلَـألوَا ﴾ِـمـرْش ِ الْعَظِيـالْعَـ كتابًا، معه السالم عليه سليمان بعث ذلك فعند الملكة ، هذه إلى ليوصله ورسوله، اهلل طاعة إلى لهم دعوته يتضمن الكتاب هذا وكان : تعالى اهلل قال وسلطانه لملكه والخضوع ﴾ََ ـاذَا يَرْجِعُونـر ْ مَــوَل َّ عَنْهُم ْ فَانظُــم ْ ثُم َّ تَــه ْ إِلَْهِــذَا فَأَلْقِــاب ِ هَٰــب بِّكِتَـذْهَـا﴿ السالم عليه سليمان كتاب الهدهد وحمل عرشها، سرير على وهي إليها فألقاه بلقيس قصر إلى وجاء جوابها، من يكون ما ينتظر ناحية وقف ثم فقرأته، الكتاب بلقيس الملكة وأخذت
153أنت ِ أيضا ً صحابيَّة مشورتها، إلى دولتها وأكابر ووزراءَها أمراءها جمعت ثم ُ إِنَّــه ٌ قَالَــت ْ يَــا أَيُّهَــا الْمَــأ َُ إِن ِّ أُلْــي َِ إِل ََّ كِتَــاب ٌ كَرِيم﴿ قالــت: ثم ِ ـونَََّ وَأْتُـ ىلع ـواأَل َّ تَعْلُـ ِ ـمـن ِ الرَّحِيــم ِ الل َِّ الرَّحْمَٰــه ُ بِسْـَ ِإَونَّـ ـلَيْمَانـن سُـمِـ ﴾َنِ ـلِممُسْـ بها ّ حل قد وما أمرها في شاورتهم ثم قَالَــت ْ يَــا أَيُّهَــا الْمَــأ َُ أَفْتُــون ِ ف ِ أَمْــرِي مَــا كُنْــت ُ قَاطِعَــة ً أَمْــرًا﴿ ُ ـرَْمْـألـدِيد ٍ وَاـأْس ٍ شَــو بَــوَّة ٍ وَأُولُــو قُــن ُ أُولُــوا نَْــهَدُون ِ 32 قَالُـَّٰ تَشْـ يـحَـ ﴾َـنـاذَا تَأْمُرِيــرِي مَــك ِ فَانْظُـإِلَْـ وبروية مليًّا باألمر بلقيس ففكرت واندفاعهم كتحمسهم تتحمس ولم رأيهم، من ّ وأسد َّ أتم رأيها وكان السلطان، قوي الكتاب هذا صاحب أن وعلمت يُخادع! وال يخالف وال أعداءه يغلب ۖ ً قَالَت ْ إِن َّ ٱلْمُلُوك َ إِذَا دَخَلُوا ْ قَرْيَة ً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓا ْ أَعِزَّة َ أَهْلِهَا ٓ أَذِلَّة﴿ ﴾َ وَكَذَٰلِك َ يَفْعَلُون رأيًا، ووزرائها دولتها رجال على بلقيس عرضت ثم المستجدّة، القضية تلك ّ حل إلى أقرب وجدته بها، تصانعُه هدية السالم عليه سليمان إلى ترسل أن وهي بسببها، مودَّته وتستنزل رجالها، من دهاة لرجال الهدية هذه وتُحمّل السالم، عليه سليمان قوة مدى ينظروا حتى أمره، في ستفعله ما تقرر ذلك بعد ثم وقوته السالم عليه سليمان عن أخبار من يأتيها ما ضوء على
154أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ﴾َ ِإَون ِّ مُرْسِــلَة ٌ إِلَْهِــم بِهَدِيَّــة ٍ فَنَاظِــرَة ٌ بِــم َ يَرْجِــع ُ الْمُرْسَــلُون ﴿ والجواهر، ّ الحلي على تحتوي بهدية رجالها ُ بلقيس وأرسلت بلقيس هدية يديه بين ووضعوا مالالســ عليه سليمان جاؤوا فلما يقبلهــا! لم هديتهم! إلى بحاجة ليس أنه لهم وأظهر كثيرة ، بنعم عليه أنعم وتعالى سبحانه اهلل وأن عليهم ! أنعم ما بكثير تفوق لهم قدرة ال بجنود بالدهم إلى يرسل بأن وملكتهم توعّدهم ثم صاغرين! أذلة بالدهم من ويخرجهم قتالهم على ٌْ مِّمَّــا ريفَلَمَّــا جَــاء َ سُــلَيْمَان َ قَــال َ أَتُمِدُّونَــن ِ بِمَــال ٍ فَمَــا آتَــان َِ الل َُّ خَــ﴿ َّ ـود ٍ لـم بُِنُــم ْ فَلَنَأْتِيَنَّهُــع ْ إِلَْهِــون َ ارْجِــم ْ تَفْرَحُــم بِهَدِيَّتِكُــل ْ أَنتُــم بَـآتَاكُـ ﴾َ ـرُونـم ْ صَاغِــة ً وَهُــا أَذِلَّــم مِّنْهَـَُخْرِجَنَّهُـنلَ ـا وـم بِهَــل َ لَهُـقِبَـ السالم، عليه سليمان بخبر أخبروها إليها بلقيس ُ رُسل رجعت لما بأسه، وقوة جنده، ِ وكثرة مُلكِه، عظمة من شاهدوه ما لها ووصفوا بها، يرض ولم إليها الهدايا رد بأنه وأخبروها لهــم قدرة ال عرمرم كبير، بجيش بالدهم غزو على ٌ مصمم وأنه عليــه! السالم، عليه سليمان عن رسلها أخبار بلقيس الملكة سمعت ولما ملكه، وعظيم مقاومته، على طاقتها وعدم ومهابته سلطانه ِ بِعِظَم أيقنت إليه! تدعو ما ألنظر إليك قادمة إني إليه: فبعثت وجماعتها. رجالها مع كبير بجيش السالم عليه سليمان إلى وسارت
155أنت ِ أيضا ً صحابيَّة إليه، بقدومها السالم عليه سليمان علم فلما زجاج، من عظيمًا قصرًا لها شيَّد زجاج، من سقفًا عليه وجعل ماء ممره في وجعل الماء، دواب من وغيره السمك فيه وجعل الماء، من لجة في أنه للناظر يخيل بحيث وسلطانه عظمته دالئل من لبلقيس يظهر أن السالم عليه سليمان وأراد يبهرها ما قط، قبل من تره لم ما بعينها ترى وأن عليه! جلوسها ليكون قصره إلى بعرشها يأتي أن وهو فــي خلفته ألنها نبوته على باهرًا دليال العظيم الصرح ذلك في عليــه واحتاطت قصرها قوي مخلوق عن يخبروه أن وخواصه جنوده مالالســـ عليه فأمر بلقيـــس بعرش ليأتيه عــرش إحضار على قادر أنه وأخبره الجن من قوي عفريت فتطوع بلقيــس، نهار! نصف تتجاوز ال قصيرة مدة في السالم: عليه سليمان عن إخبارًا وتعالى تبارك اهلل يقول َ نِ ـلِمـون ِ مُسْــل َ أَن يَأْتُــهَا قَبْــي ِ بِعَرْشِــم ْ يَأْتِيــأ َُ أَيُّكُــا الْمَــا أَيُّهَــال َ يَـقَـ﴿ ِّ َ ِإَون ـكـن مَّقَامِــوم َ مِــل َ أَن تَقُــه ِ قَبْــك َ بِــا آتِيــن ِّ أَنَــن َ الِْــت ٌ مِّــال َ عِفْرِيـقَـ ﴾ٌـنـوِي ٌّ أَمِــه ِ لَقَـعَلَيْـ الناس بين للقضاء يجلس السالم عليه سليمان وكان النهار، نصف إلى الفجر وقت من
156أنت ِ أيضا ً صحابيَّة اإليمان، أهل من رجل السالم عليه سليمان عند وكان األعظم، اسمه معرفة اهلل أعطاه بالتقوى مشهور َّ ـدـل َ أَن يَرْتَــه ِ قَبْــك َ بِــا آتِيــاب ِ أَنَــن َ الْكِتَــم ٌ مِّــدَه ُ عِلْــال َ الَِّي عِنـقَـ﴿ ﴾َـكـك َ طَرْفُـإِلَْـ منــك غاية أبعد إلى به نظرت إذا بصرك إليك يرجع أن قبل أي أغمضتــه ثم قال، كما األمر وكان القصر، في وحاضر قائم وحليّه بعظمته بلقيس بعرش وإذا السالم، عليه سليمان اهلل نبي أمام المدة هذه في عنده بلقيس عرش مالالســ عليه سليمان رأى فلما القريبــة، قوله في اآلية هذه في عنه به اهلل أخبر ما قال َ ـكَرـن شَــر ُ ۖ وَمَــكُر ُ أَم ْ أَكْفُــوَن ِٓ ءَأَشْــل ِ رَب ِّ لِيَبْلُــن فَضْــذَا مِــال َ هَٰـقَـ﴿ ﴾ٌ ـمـى ٌّ كَرِيــإِن َّ رَب ِّ غَنِــر َ فَــن كَفَــهِۦ ۖ وَمَــكُر ُ لِنَفْسِــا يَشْـفَإِنَّمَـ العرش معالم بعض يغير أن مالالســ عليه سليمان اهلل نبي أمر ثم وانتباهها مالحظتها قوة بها ليمتحن وعقلها فهمها وليختبر َ ـنـن َ الَّذِيــون ُ مِــدِي أَم ْ تَكُــر ْ أَتَهْتَــهَا نَنظُــا عَرْشَــرُوا لَهَــال َ نَكِّـقَـ ﴿ َ ـوـه ُ هُــت ْ كَأَنَّــك ِ ۖ قَالَــذَا عَرْشُــل َ أَهَٰكَــاءَت ْ قِيــا جَــدُون َ 41 فَلَمَّـلَا يَهْتَـ ﴾َـلِمِينـا مُسْــا وَكُنَّــن قَبْلِهَــم َ مِــا الْعِلْـۚ وَأُوتِينَـ عرشها يكون أن استبعدت ألنها فهمها وغزارة فطانتها من وهذا شديدة حراسة تحت اليمن بأرض وراءها خلفته ألنها الغريب العجيب الصنع هذا على يقدر أحدًا أن تعلم تكن ولم
157أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فَلَمَّــا جَــاءَت ْ قِيــل َ أَهَٰكَــذَا عَرْشُــك ِ ۖ قَالَــت ْ كَأَنَّــه ُ هُــو َ ۚ وَأُوتِينَــا﴿ ْ ـنـد ُ مِــت ْ تَعْبُــا كَنَــا مَـَ 42 وَصَدَّهَـ نِ ـلِمـا مُسْــا وَكُنَّــن ْ قَبْلِهَــم َ مِـالْعِلْـ ﴾َـنـوْم ٍ كَفِرِيــن ْ قَــت ْ مِــا كَنَـدُون ِ الل َِّ ۖ إِنَّهَـ وحده تعالى اهلل عبادة عن صدها والمعنى آبائها لدين اتباعًا والقمر للشمس عبادتها دون من الشــمس يعبدون كافرين قومًا إال تعرف ولم نشأت ألنها تعالــى، اهلل القصر، بدخول أمرها قد السالم عليه ُ سليمان وكان عرشه، سرير على جالسًا وكان ٌ ـرْحـه ُ صَــال َ إِنَّــاقَيْهَا ۚ قَــن سَــفَت ْ عَــة ً وَكَشَــبَتْه ُ لُجَّــه ُ حَسِــا رَأَتْـفَلَمَّـ﴿ ﴾ۗ َ ـرـن قَوَارِيــرَّد ٌ مِّـمُّمَـ العجيبة، والخوارق الباهرة الدالئل رأت فلما وضالل! كفر من عليه كانت مما وتبرأت إسالمها أعلنت يا صحابيَّة، في كل فئة من الناس طباع محدودة، وسليمان عليه السالم كان نبيا ً ملكاً، والمُلك ُ ال يقوم إال بالحزم! وعدم التهاون في أداء الواجبات، وهذا هو سبب توعد سليمان عليه السالم الهدهد بالذبح، إن لم يأته بعذر مقبول يُبرر هذا الغياب، عليك ِ أن تعلمي أن لكل مجتمع أدبياته!
158أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ولكل فئة من الناس أدوات تخاطبُ! ما يُقال للملك، والرئيس، والوزير ال يقال لغيره! وهذا ال يعني النفاق، أو الغش، أو التزيف، وإنما يعني أدب مراعاة الحال، وهو من الذكاء! فاعلمي حال الفئة التي تتعاملين معها، وأتقنِي أدبيات مخاطبتها، وتعاملها، الناس ال يُعاملون معاملة واحدة، وال يخاطبون خطابا ً واحداً، ولو عالجنا جميع المرضى بالدواء ذاته، لماتوا جميعاً! يا صحابيَّة، إن َّ اهلل تعالى قد جعل كال ً منا على ثغر! وألقى على كاهله مسؤولية ، وهو سيحاسبه على حراسته لهذا الثغر، وقيامه بتلك المسؤولية! وها هو نبي اهلل سليمان يتفقد الطير، هذا هو عمل الملك أن ينظر في أمور رعيته وملكه، وأنت ِ أيضا ً مسؤولة عن ثغركِ، ومسؤوليتكِ، أنت ِ مسؤولة عن التربية التي تربينها ألوالدكِ، عن القيم التي تزوديها بهم، وعن المبادئ التي تعلمينهم إياها،
159أنت ِ أيضا ً صحابيَّة أنت ِ محاسبة عن طريقة أداء وظيفتكِ! وعلى كل مكان كنت ِ مسؤولة فيه عن شيء مهما كان صغيراً، فإن قمت ِ بواجبك ِ كان لك ِ األجر، وإن أخللت ِ كان عليك ِ الوزر! يا صحابيَّة، اتركي الباب مواربا ً لتقبل األعذار، ال تحكمي على قضية أو موقف قبل أن ينجلي أمامكِ، وال تتخذي موقفا ً من غائب قبل أن تسمعي منه، أال تقول جداتنا في أمثالهنَّ: الغائب عذره معه! كان سليمان عليه السالم يملك اإلنس والجن والطير، ورغم سلطته وملكه، ورغم انزعاجه من غياب الهدهد، إال أنه ترك َ له الباب مواربا ً لعذر ٍ ال يعلمه، فجعل حكمه الذي أصدره، وعقوبته التي قضاها مرتبطة بعذر مقنع ينجيه من كل هذا، فال تتسرعي يا صحابية، وأحسني الظن! كثيرة هي المواقف التي أخذنا تجاهها ردات أفعال شديدة، دون أن نسمع من صاحبها! فلما انجلى الموقف، ندمنا على ما كان منا، ساعة تريث أفضل من أيام ٍ من الندم! ومعالجة الصبر أفضل من معالجة االعتذار، ومن ملك َ زمام نفسه خرج َ من اللوم والندم!
160أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يا صحابيَّة، قالت ْ العرب: من شاور الرجال فقط شاركها في عقولها! والرجال هنا لفظ خاص أُريد به عام، بمعنى أن كل إنسان نشاوره إنما نشاركه عقله وتجاربه، وقد سطَّرت ْ بلقيس ُ موقفا ً مشرفا ً في مبدأ األخذ بالشورى، لقد جمعت ْ قومها وطلبت ْ رأيهم، وهي الملكة التي أمرها نافذ، وقرارها مُطبَّق، فإذا كنت ِ على مشارف قرار حاسم في حياتكِ، فالعقل يقتضي أن تشاوري من تثقين بهم، رأيان أفضل من رأي، وعقالن أفضل من عقل! ثمة شيء اسمه الخبرة ال نكتسبه إال بمرور األيام! لهذا تجدين عند من خاضوا التجربة التي أنت ِ بصدد خوضها أشياء تفيدك ِ كثيراً! لماذا عليك ِ أن تبدئي من الصفر؟ كثير من المشكالت يمكن تالفيها لو كان عندنا الخبرة! أو لو كان عندنا تصور مسبق عما سنواجهه! فاستشيري، فهذا كان دأب األنبياء والعظماء على مر التاريخ! يا صحابيَّة، ال تنبهري باألشياء المادية، ثمة أمور أهم من المال، والبيوت، والسيارات الدين واألخالق أهم بكثير!
161أنت ِ أيضا ً صحابيَّة تعلمي من الهُدهد كيف تنظرين إلى األمور، تعلمي منه كيف يكون لك ِ مسطرة دينية تقيسين بها الحياة، ملك بلقيس العظيم لم يفتن الهدهد بل إنه نظر إليهم بعين الشفقة! حين وجدهم يسجدون للشمس من دون اهلل، عرف بفطرته أن الدين أوال ً ثم الدنيا، حقيقة وعاها هدهد وغابت عن كثير من الناس، وما أكثر الذين يسافرون إلى الغرب فيرجعون مفتونين به ينظرون إليه بعين اإلجالل وإلى قومهم بعين االستخفاف! نعم إن للقوم مدنيّة متقدمة، وحياة مرفهة، نعم إن َّ لديهم حرية تعبير، وحكومة تحترمهم، وهــذا باألســاس أصــل فــي ديننــا وإن كان ليــس لدينــا الكثيــر منــه اليــوم، ولكن هل سأل هؤالء عن دين القوم وحالهم مع ربهم؟! كيف هي األُسرة هناك؟ وكيف حال األعراض والشرف؟ وأيــن يصيــر األبــوان عنــد كبرهمــا، فــي بيــوت أوالدهــم أم فــي دور العجــزة! كوني سماوية في نظرتكِ، عُلوية في انبهارك! يا صحابيَّة، إذا بدا لك ِ الحق فتواضعي وانزلي عنده! رد الحق بعدما تبيّن من الكبر!
162أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وال يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر! كانت بلقيس ملكة ً على مملكة عظيمة وعندما رأت ْ الحق والهداية عند سليمان عليه السالم تبعته دونما حرجٍ! قد تأخذين موقفا ً حادا ً من حدث ما، وتحسبين إنك ِ على صواب، وتتصرفين على هذا األساس، ولكن إذا بدا لك ِ أنك ِ مخطئة وأن الحق عند الطرف اآلخر فتواضعي! طهري قلبك ِ من أصغر ذرة من الكبر، فإن اإلصرار على الخطأ من صفات إبليس اللعين فقد ركب رأسه بعدما تبين له الحق، فكان رجيما ً مطرودا ً من رحمة اهلل! واالعتراف، واالعتذار، والتوبة من صفات أبيك ِ آدم عليه السالم، فعندما أخطأ سارع سارع بالتوبة واالستغفار، فكوني كأبيكِ، وال تكوني تبعا ً إلبليس!
163أنت ِ أيضا ً صحابيَّة حُب في بيت النبوة! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! رقيقة القلب بالفطرة فهكذا هي قلوب النساء! وقد زادك ِ اإلسالم رقة ً فوق رقتكِ، تُحبين قصص القلوب، والحب العفيف، والعشق الحالل، وها أنت ِ اليوم مع قصة من قصص الحُب الخالدة، حُب ٌّ صبر َ حتى ظفَرَ! بطلة هذه القصة زينب ابنة النبي وزوجها أبو العاص بن الربيع ّ النبي ابنة زينب تكن لم الهاشميِّين، عيون إليها تطلعت حين عمرها من العاشرة جاوزت قد عروسًا، بها الظفر على مكة بيوت وتنافست القرشيِّين، الفتية كرام من أبواها يختاره لمن الربيع، بن العاص أبو بها ظفر الذي وكان مكة! أشراف من وهو خويلد، بنت هالة خالتها ابن الزواج، هذا على النبي وافق حين قريش شباب من غبط وسط . ّ النبي على الوحي مهبط قبل ذلك وكان النبي وبعث ربها بنور األرض أشرقت وعندما استهدفت ما بين من مستهدفة، عليه، الحرب قريش أعلنت بناته! عليه ردوا : فقالت قلبه، في األبوة عاطفة قائال: النبي إلى كلثوم أم زوج ٍ لهب أبي بن عتبة ذهب أحبك! وال تحبني ال ابنتك، وفارقت بدينك كفرت فمزقه، قميصه من وشده السالم عليه الرسول من دنا ثم
164أنت ِ أيضا ً صحابيَّة أمه: له قالت عندما رقية طلق فقد لهب أبي بن عتيبة أخوه أما شئت! قريش من امرأة أي ونزوجك محمد ابنة طلق بالشام، تجارة رحلة في زينب زوج الربيع ابن كان الوقت ذلك في بإسالمها، لتخبره تجارته مع الغائب زوجها عودة زينب وانتظرت برسالته، وال بأبيك أؤمن لن : غاضبًا رد أبلغته وعندما شيء، على يلوي ال بيته من خرج ثم يقولوا، أن الناس أمام صورته على خاف حيث زوجته! إلرضاء آبائه دين هجر إنه بدينه، يتعلق فيما مشوشا الربيع ابن كان قريش: سادة أمام صريحة أعلنها فقد دنياه أما عنها يعوضني وال صاحبتي أفارق ال واهلل ال قريش! في امرأة أفضل لي أن أمامه وابنته ابنه فوجد بيته إلى عاد ً القلي هدأ أن وبعد زينب حبيبته من واقترب كتفيه على فحملهما على وأثبت دينك على تكوني أن زينب يا بيننا مما ينال لن لها: وقال ديني! الدين، ذلك على وأنت لك، ً حال ُ لست صاحبي، يا ً قليال له: ْ فقالت معي! أسلم أو أبي إلى فأسلِمني آمنت! بما تؤمن أن إال اليوم بعد لك زينب تكون لن الربيع، ابن خاصمها حيث بالفعل حدث ما وهو أن منه وطلبت زينب ابنته جاءته حين ً شجنا النبي قلب وزاد مع أوالدها، تبقى لإلسالم، زوجها لعل اهلل يهدي
165أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وأوالدك! زوجك مع ابقي لها: وقال ، ُّ النّبي فوافق ولم يكن وقتها قد نزل حكم التفريق بين المسلمة وزوجها الكافر ... الحرب طبول ْ دقَّت المسلمين لمواجهة مخيف جيش في قريش وخرجت وولده ابنته يودع وهو الربيع ابن قلب األلم واعتصر زينب! وحبيبته زوجته خصومة هو أحزنه ما وأكثر بمقدمة والتحق فرســه ركب ثم حسرة في وتنهد عينيه أغمض قريــش جيش بمكة دارها باب أمام الصغيرة ابنتها محتضنة زينب السيدة وقفت النبي، أبيها لمحاربة متجها المُشرك زوجها تشاهد لها: وقالت ابنتها احتضنت يتيمة! وإحدانا إال هذا يومنا مثل في ابنتي يا الشمس علينا تطلع لن تخبرها، عاتكة عمتها عليها ْ دخلت هلل شكرا فسجدت بدر في أبيها بانتصار زوجي؟ فعل وماذا عمتها: سألت ثم ينفطر زينب قلب كاد حتى حزن في رأسها عاتكة أطرقت أسره! تم ولكن زوجك يقتل لم : ْ وقالت األسير، ابنها به لتفتدي المال ينقصها العاص أبو عائلة تكن ولم بطريقتها. زوجها أسر تفك أن اختارت زينب لكن قائال: النبي يدى بين العاص ابن شقيق جلس لزوجها فداء بهذا زينب بعثتني النبي يدى بين ووضعها صرة أخرج ثم خديجة، قالدة فوجد الصرة النبي فتح
166أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وارتعش. قلبه فخفق عرسها، في لزينب أهدتها التي القالدة بهذه ابنته أن النبي رأى خديجة! وبين بينه كان الذى بالحب تذكره خالة وابن وحبيب زوج العاص ابن بأن تذكره كانت حيث فقط! زينب طرف من ليس بأنه تُذكره كانتً أيضا حبيبته خديجة طرف من ولكن وروعته الموقف جالل من النبي أصحاب دموع ْ فسالت أسيرها لها تطلقوا أن رأيتم إن ألصحابه: يقول أن قبل وصمت فافعلوا! مالها عليها وتردوا العقد، النبي أعطاه خديجة عقد في تفرطي ال لزينب قل له: قال ثم أساررك؟ أن لك هل العاص أبا يا مجدداً: له قال ثم أمرني اهلل إن العاص، أبا يا له: وقال جانبا تنحى ثم ابنتي؟ إلي رددت فهال وكافر، مسلمة بين أفرق نﺃ نعم. فقال: يدري، ال وهو مكة إلى ً عائدا استدار ثم األفق. رحابة في ألحزان الصغير قلبه سيتسع كيف مكة أبواب على العاص أبا ُ تستقبل ُ زينب ْ خرجت جديدة، حياة لزوجها كَتب الذى الحب أن تدرك تكن لم زينب! يا ِ أبيك إلى عودي الثمن: نفسه هو كان تخنقه أن العبارة وكادت نفسه! يتمالك أن استطاع فما
167أنت ِ أيضا ً صحابيَّة البادية طــرف إلــى أن يصــحبهــا الربيع بــن كنانة أخــيــه من وطلــب مكة، خارج . النّبي إلى ليصحبها حارثة بن زيد ينتظر حيث سنوات! ست لمدة الخُطّاب ترفض زينب ظلت خالتها وابن ولديها وأبو وحبيبها زوجها، إليها يعود أن أمل على الفجر أذان قبيل بابها طرق ليلة، وفي مسلماً؟ أجئت بلهفة: رأته حين فسألته هاربا! جئت بل قال: تسلم؟ أن لك فهل األفق: في يلوح أمل وبصيص سألته وحزين: متحسر ٍ بصوت ْ فقالت فرفضَ، وأمامة! علي بأبي مرحبا الخالة، يا ابن مرحبا تخف ال الـــشام إلـى قـريش بتجارة قافلة يـــقــود كان أنه العــاص أبو لها وحكى مــــعهم مــن كــل فأصابوا المسلــمين من ســرية التقــته عـودته وعند خيمتها إلى وصل حتى وتسلل منهم هو وهرب عليها. يدخل تراه وهي إليها ارتدت روحها أن يدرك يكن لم الفجر صالة في المسلمين يؤم النبي وبينما أجرت إنـي الــناس أيــهــا يــقول: صــوتا ســمع صــالته ينهي أن وقبل أبا العاص! للمصلين: فقال زينب، صوت أنه يعرف كان ســمعت حتى ذلك، من بشيء علمت ما بيده، محمد نفس والذي أما ســمعتم! ما الخالة، فابن َ بَعُد إن العاص أبا ّ إن اهلل رسول يا زينب: فقالت اهلل! رسول يا أجرته وقد الولد فأبو َ قَرُب ْ وإن
168أنت ِ أيضا ً صحابيَّة صهرًا، ذممته ما الرجل هذا ّ إن الناس، أيها يا : النبي فقال لي، فوفّى ووعدني فصدقني حدثني الرجل هذا ّ وإن بلده، إلى يعود تتركوه وأن ماله إليه تردوا أن قبلتم فإن إلي! أحب فهذا عليه! ألومكم وال لكم والحق إليكم فاألمر وإن ْ أبيتم اهلل! رسول يا ماله نعطه بل الناس: فقال زينب! يا ِ أجرت من أجرنا قد : النبي فقال لها: وقال بيتها، عند إليها ذهب ثم خالتك ابن فإنّه مثواه أكرمي زينب يا لك يحل ال فإنّه يقربنك، ال ولكن العيال، أبو وإنّه اهلل. رسول يا نعم فقالت: العذاب؟ هذا فيم قائلة: العاص أبي إلى زينب نظرت وتبقى تُسْــلم ْ أن إلى لك هل فراقنا. عليك أهان العاص أبا يا معنا؟ أمره! فينا يقضي اهلل حتى فقال: اهلل! يرحمنا فقالت: أصحابها على الرابحة التجارة أموال يوزع ووقف العاص أبو عاد قريش، معشر يا قال: فرغ أن وبعد يأخذه؟ لم مال عندي منكم ألحد بقي هل وفيّا ً كريماً! وجدناك فقد ً خيرا اهلل جزاك ال، فقالوا: اهلل إال إله ال أن أشــهد فأنا إذن قائال: صوته ورفع إليهم فنظر اهلل رسول ً محمدا وأن النبي إلى وتوجه فجرًا ودخلها المدينة إلى وعاد
169أنت ِ أيضا ً صحابيَّة باألمس، أجرتني اهلل رسول يا وقال: اهلل! رسول وأنك اهلل إال إله ال أن أشهد أقول جئت واليوم زينب؟ أراجع ْ أن لي تأذن هل اهلل رسول يا برِقَّةٍ: أضاف ثم معي. تعال وقال: النبي فأخذه وقال: الباب، وطرق زينب بيت على ووقف تقبلين؟ فهل يراجعك ْ أن يستأذنني اليوم لي جاء خالتك ابن ّ إن زينب يا وابتسمت. وجهها فاحمر عاماً، زينب مع العاص أبو عاش جديد، من إياها عليه اهلل صلى النبي زوّجه أن بعد شديدًا ً بكاء العاص أبو فبكاها زينب ماتت ثم عليه ويهون عليه يمسح اهلل رسول الناس رأى حتى زينب بغير الدنيا أطيق عدت ما اهلل رسول يا واهلل له: فيقول موتها! من عام بعد فمات يا صحابيَّة، الحُب قدر، أما التمسك به خيار! كان لكل واحد ٍ منهما أسباب كثيرة ليتخلى ويفلت ُ يده، ولكنهما بقيا ممسكين حتى آخر رمق، وحتى عندما أفلتا كان قلباهما ممسكين! لم تملك قلبها ولكنها تملك ُ دينها،ً ورأت ْ أنه أغلى ما تملك فجمعت ْ الحب ُ واإليمان معا وكان هو على غير دينها ولكن قلبه كله كان لها حتى عندما ذهب َ زوجها لقتال أبيها، كان قلبها نصفين تخشى فقد أبيها أو فقد زوجها
170أنت ِ أيضا ً صحابيَّة تمسكي بقلبك ِ ولكن إياك أن تُفرطي بدينكِ!ِ كل حُب سيبعدك ِ عن اهلل ال يلزمك وكل حبيب ال يأخذك ِ إلى اهلل اتركيه! اعرفي الساعي إليك ِ حالال ً واخبريه أن يطرق الباب ال أن يأتي إليك ِ من النوافذِ وكوني على ثقة أنك ِ إذا وضعت ِ دينك ِ قبل قلبك فسيأتيك ِ اهلل بقلبك ِ جاثيا ً عن قدميكِ! يا صحابيَّة، الحُب فضيلة تُشهر ُ ال رذيلة تُستر! وما على المرء من سبيل إن عشق َ حالالً، ودافع عن عشقه هذا حتى آخر رمق، لم يُنكر النبي ُّ على ابنته حبها لزوجها، رغم أن هذا الزوج كافر ولم يكن وقتها قد فرض َ اهلل التفريق بين المسلمة والكافر، لم ينكر عليها بقاءها معه ما دام جائزاً، ولم ينكر عليها فداءها له بقالدة أمها، ولم ينكر عليها إجارتها له، ألنه يعرف أن الحب ما ثبت! كان بإمكان زينب أن تتخذ زوجا ً عند أول فراق، فقد كثر خُطابها ولكنها أبتْ! ست سنوات ٍ كانت كافية لتنسى، وتبدأ من جديد! ولكن الحُب ال يعمل ُ بهذه الطريقة
171أنت ِ أيضا ً صحابيَّة إنه يدخل القلب فيملكه، ويطال الجوارح فيحكمها وكان أبو العاص زوجا ً لجسد زينب وروحها، لهذا عندما تفرقت األجساد بقيت الروح ممسكة! يا صحابيَّة، لم تكن الجاهلية كلها جاهلية كان فيها أخالق حميدة، وقيم رائعة! كان الرجل كافرا ً ولكنه ال يكذب! يعبد ُ األصنام وإذا وعد وفى! على الشرك ولكنه يحمي عرضه بروحه ودمه! أعطى أبو العاص وعدا ً للنبي أن يرد إليه زينب، فكان على وعده، وعلى قدر كلمته، فال تستغربي إن وجدت ِ أخالقا ً عند غير المتدين، ولكن استغربي إذا لم تجدي أخالقا ً عند المتدين! فهذا ما فهم الدين وال تديَّن! وإن الدين كله خُلق! يا صحابيَّة، ال تستهيني بقلوب الرجال، فالحُب ُّ حين يستولي على قلوبهم يأسرهم، لم تكن زينب هي الوحيدة التي تمسَّكت ْ بحبها،ً أبو العاص بن الربيع تمسَّك َ أيضا ولم تكن زينب هي الوحيدة التي رفضت ْ الزواج بعد الفراق،
172أنت ِ أيضا ً صحابيَّةً أبو العاص بن الربيع رفض هذا أيضا رغم أن قريشا ً عرضت ْ عليه أن تُزوجه من أشرافها، فقال: واهلل ِ ال أبدلها بامرأة ٍ من قريش ست سنوات من االنفصال لم تجعله يبحث عن غيرها، انشغل َ بتجارته عن قلبه، كان يُسكته بالسفر، والترحال، والعمل ولكنه حين عاد إليها أخيرا ً عاد إليها بقلبه كله فارقها جسدا ً أما قلبه فكان لها!
173أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ذكاء امرأة! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! تُعجبك ِ أخبار النساء في كل عصرٍ، وتأسرك ِ قصص النابغات منهنَّ، تحرصين على االستماع إليها متعةً، وفائدة، ألنك ِ تعرفين أن الحياة على سطح هذا الكوكب قصص مكررة، وحدهم أبطال القصص يتبادلون األدوار! فما من حدث ٍ يقع اليوم إال ووقع في التاريخ مثله! وما من موقف نحسبه جديدا ً إال وكان قديما ً ما يُشبهه! والذي يطلع على ما وقع من األحداث قديما ً ، تكون له الحكمة في التصرف مع األحداث إذا وقعت ْ معه، وقد قالت العرب قديماً: العاقل من اتعظ َ بغيره! وها أنت ِ اآلن على موعد ٍ مع قصة عذبة، قال: أنه محمد بن القاسم عن مالك اإلمام موطأ في جاء بها، يعزيني ّ القرظي كعب بن محمد فأتاني لي، امرأة ماتت مجتهد، عابد عالم فقيه رجل إسرائيل بني في كان إنه فقال: محبًا، ولها ٬معجبًا بها وكان امرأة، له وكانت فماتت! أسفًا، عليها ولقي ٬ًشديدا ً وجدا عليها فوجد الناس، من واحتجب نفسه، على وغلّق بيته، في خال حتى أحد! عليه يدخل يكن فلم فجاءته، به سمعت امرأة وإن
174أنت ِ أيضا ً صحابيَّة فيها، أستفتيه حاجة إليه لي إن فقالت: مشافهته، إال فيها يجزيني وليس بابه، ولزمت ُ الناس فذهبُّ بد منه لي ما وقالت: تستفتيك، أن أرادت امرأة هنا ها إن قائل: له فقال مشافهته إال ُ أردت إن وقالت: الباب، تفارق ال وهي الناس ذهب وقد لها! ائذنوا فقال: أمر! في أستفتيك جئتك إني : فقالت ٬عليه فدخلت هو؟ وما قال: حليًا، لي ٍ جارة من ُ استعرت إني قالت: فيه، إلي أرسلوا إنهم ثم ٬زمانًا وأعيره ألبسه فكنت إليهم؟! أفأؤديه واهلل. نعم فقال: زمانًا، عندي مكث قد إنه فقالت:ً زمانا أعاروكيه حين إليهم إياه لردك أحق ذلك فقال: ،منك أخذه ثم اهلل أعارك ما على أفتأســف اهلل، يرحمك فقالت: منــك؟! به أحق وهو بقولها! اهلل ونفعه فيه كان ما فأبصر يا صحابيَّة، قالت ْ العرب ُ قديماً: لكل جواد كبوة! وهي تعني بقولها هذا أنه ما من إنسان إال ويقع منه!
175أنت ِ أيضا ً صحابيَّة في بعض األحيان ما ال يقع منه عادة، وإنك ِ لتجدين الشخص الحليم يفقد ُ أعصابه مرةً، وتجدين الجواد الكريم يبخل في موقف، وتجدين الشجاع المقدام يجبن في حادثة، وتجدين التي تحل مشاكل الناس غارقة في مشكلة، وتجدين التي عرفتيها ببابها المفتوح دوما ً قد أُغلق هذه المرة، نحن بشر، جبال ووديان، وطقوس ومناخات! وإن الذي يكون في القمة قد تجدينه في الوادي، والتي تعرفينها مشمسة على الدوام قد تجدينها غائمة مكفهرة، الحياة قاسية على الجميع ولكننا نحاول، والعدل يقتضي أن ال نشطب ماضي الشخص المشرق كله بلحظة يخونه فيها نبله ويكون على غير ما اعتدناه أن يكون! في قواعد الفقه: إذا كثر الماء لم يعد يحتمل الخبث، البحر يبقى طاهرا ً ولو أُلقي فيه بعض نجاسة! والنهر الجاري صالح للوضوء وإن أُلقي فيه ماء آسن! والناس كذلك! إن الذي يريد من الناس أن يكونوا مالئكة لم يعرف الناس ولم يفهم هذه النفس البشرية أبداً! والنبيل يعذرُ، ويقيل ُ العثرة، ويتغاضى عن الزلة فكوني نبيلة يا صحابية! يا صحابيَّة،ً ال تستهيني بنفسك ِ فإن َّ لك ِ عقال ً راجحاً، ورأيا ً صائبا
176أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وال تجعلي الذكوريين الذين ينتقصون من المرأة يؤثرون فيكِ! في المواقف العظيمة، واألزمات، تصبح ُ المرأة جيشا ً كامالً، ويصبح رأيها هو الحل الوحيد واألمثل، وتصبح توجيهاتها هي الخالص المُنتظر! أنه منامه في ُّ النبي رأى بالبيت ويطوفون مكة وأصحابه هو يدخل برؤياه، َ الصحابة َ أخبر َ أصبح فلما حقٌّ، األنبياء فرُؤيا شديداً، ً فرحا بذلك ففرحوا قلوبِهم! في ِ كالحسرة كان وموطنهم قِبلتهم مكة إلى ُ والحنين أصحابه من ٍ آالف ِ أربعة في مكة إلى ُّ النبي ومضى ... سلمة أم وزوجته المُســلمين بين الشهيرة المُفاوضات ْ جرت بالحُديبية، كانوا ولما قُريــش، ووُفود الحُديبية، صُلح عقد وتم عَمرو، بن سهيل ً أخيرا َ جاء أن إلى عشــر مُدتها الطرفين بين هُدنة هناك تكون أن شروطه من وكان ســنوات، العام في إليها ويرجعوا مكة عن هذا عامهم المُســلمون َ يرجع وأن القــادم قُريش، من ً مُسلما جاءهم من المُسلمون َّ يرد وأن المسلمين، من ً مُرتدا جاءها من قُريش َّ ترُد ال وأن قُريش! ِ حِلف في أو المُسلمين ِ حِلف في َ تدخل أن الخيار للعرب وأن كبيراً، ً إجحافا الصلح هذا في أن ُ الصحابة رأى ورسوله، هلل يغضب حين الحق المؤمن غضبة وتملَّكتهم
177أنت ِ أيضا ً صحابيَّة : ِّ للنبي قال الخطاب بن عُمر أن حتى باطل؟ على وعدونا حق على ألسنا بلى. له: فقال إذاً؟! ديننا في الدنية نُعطي َ فَلِم عمر: فقال باهلل، ثقة والمُمتلئ بالوحي، المُؤيَّد النبي ولكن مكة، فتح طريق في خطوة أول هي الحُديبية أن ُ يعلم كان واحلقوا! انحروا، الناس أيُّها يا قائالً: الناس في فنادى عمرتهم! منهم قبل اهلل َّ أن أي أحد! منهم قام ما أنفسهم، ِ وعزة هلل، لِحُبِّهِم الصحابة ولكن أحد! منهم َ قام فما قوله، ُّ النبي فأعاد أحد! َ قام فما ً ثالثة ً مرة قوله َ فأعاد لها: وقال سلمة أُم على ُّ النبي َ فدخل الناس؟! شأن ما سلمة أُم يا منهم َّ تُكلِّمَن فال رأيتَ، ما دخلهم قد اهلل رســول يا له: فقالت ً إنسانا مثلك! فعلوا ذلك، َ فعلت فلو واحلِقْ، فانحرْه، هديك إلى ْ واعمدً أحدا ْ يُكلم فلم ُّ النبي َ فقام وحلقوا! فنحروا قاموا رأوه، فلما رأسه، َ وحلق هديه، َ فنحر بالوحي المُؤيد وهو َّ النبي أن ِ األمر في ُ الشاهد ٍ سياســية ٍ قضية في زوجتَه ُ يستشير والعصمة، بالتوفيق المحفوف ُّ تخص ٍ شائكة ٍ ودينية بأسرها! األُمة بها! َ عمل نصيحتها سمع وعندما
178أنت ِ أيضا ً صحابيَّة في زوجتَه ُ الرجل َ يستشــير أن للرجولة ٌ انتقاص ِ األمر في ليس على ومشاغلِه، مشاكلِه تماماً، العكس ٌ امتثال أنه كما أوالً، الرجال ســيد فعل ألنه الرجولة من هذا بــل النبــوي. ِ للهَدْي المعضلة! حل كان سلمة أم عند أن أيضاً، والشاهد ، ّ النبي أمر مخالفة من الصحابة حماية كان الراجح عقلها وفي الحياة، في هامش ِ أنك ِ يقنعك ً أحدا تجعلي فال سواء، وعدمه ِ رأيك وأن مطلوب، الحسن األسلوب أن ً دوما تذكري ولكن يكمله، بل الحق، قول مع يتنافى ال واألدب غليظ، ٍّ فظ من الحق يستمعون ال والناس أغصانكِ، تكثر ً ليّنة فكوني ُّ يشق الصخر، في ينمو الـــذي كـالورد الليـن اإلنـسان أن وتــذكري دوماً! طريقه يا صحابيَّة، إن التربية بالقصة من أهم وسائل التربية على مر الزمان! لمــا للقصــة مــن أثــر محبــب إلــى النفــس فهــي تجمــع بيــن المتعــة والفائــدة، فاحرصي دوما ً على أن تقصي على أوالدك ِ القصص النافعة، وإن في قصص القرآن ما يُغني عن غيره، وإن في قصص السنة النبوية المطهرة ما يكفي،
179أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وال مانع من قصص التراث والحكمة ففيها كثير فوائد وعظات، والحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أولى الناس بها! وإن قصة واحدة قد تغني عن شرح الكثير! ألنها تبتعد ُ عن الوعظ المباشر الذي ال يحبه الناس، وإذا علمت ِ أن ثلث القرآن الكريم عبارة عن قصص، تبيّن َ لك ِ صواب ما أقوله لكِ! فاهلل سبحانه وتعالى حين أراد ان يعلمنا العفّة، قص َّ علينا قصة يوسف عليه السالم مع زليخة! وحين أراد أن يعلمنا التواضع، حكى لنا عن حال يوسف عليه السالم وهو على كرسي الملك! وحين أراد أن يعلمنا الصفح والعفو حدثنا عن صفح يوسف عليه السالم وعفوه عن إخوته! قصة يوسف وحدها مدرسة! وحين أراد اإلسالم العظيم أن يحدثنا عن الثبات، قص َّ علينا قصة السحرة مع فرعون! وقص َّ علينا قصة أصحاب األخدود! وقص َّ علينا قصة ماشطة ابنة فرعون! وحين أراد أن يحدثنا عن جحود النعمة، قص َّ علينا قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف! وحين أراد أن يعلمنا الرضى عن أقدار اهلل ألنها كلها خير، حدثنا عن قصة موسى عليه السالم مع الخضر! فرأينا أن الخير كان في أن تُثقب السفينة، وحفظ الدين كان ال بد ّ معه من قتل الغالم،
180أنت ِ أيضا ً صحابيَّة والوفاء للرجل الصالح في أوالده كان ال بد ّ معه من إقامة الجدار! وحين أراد أن يُحذرنا من مراوغة يهود، قص علينا قصة البقرة! وحين أراد أن يعلمنا أن التوحيد منجاة، قص َّ علينا قصة يونس عليه السَّالم، وحين أراد أن يعلمنا عاقبة البخل، حدثنا عن أصحاب الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين، وحين أراد أن يعلمنا عاقبة االغترار بالمال، قص َّ علينا قصة قارون! وحين أراد أن يخبرنا عن قدرة اهلل في إحياء الموتى، حدثنا عن قصة إبراهيم عليه السالم والطير! وعن قصة عُزير مع حماره! وحين أراد أن يُعلمنا أن اهلل ال يتخلى عن عبادة المؤمنين حتى في أشد اللحظات حدثنا عن قصة إبراهيم عليه السالم في النار وعن موسى عليه السالم في البحر، وعن نوح عليه السالم مع السفينة، وحين أراد أن يحذرنا من عاقبة الحسد، قص َّ علينا قصة قابيل وهابيل! وحين أراد أن يخبرنا بعاقبة الطغاة قص َّ علينا نهاية فرعون والنمرود! وحين أراد أن يخبرنا عن العقوق حدثنا عن ابن نوح ٍ عليه السالم!
181أنت ِ أيضا ً صحابيَّة وحين أراد أن يلفت نظرنا أن البيوت قد ال تكون متوافقة حدثنا عن آسيا زوجة فرعون! وعن زوجتي نوح ٍ ولوط ٍ عليهما السالم إن َّ هذا القرآن العظيم منهاج حياة، فاحرصي أن تسقي أوالدك ِ منه!
182أنت ِ أيضا ً صحابيَّة حوار زوجي! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! تعرفين أن بيوت الناس تتشابه دوماً، وأن الناس هم الناس في كل األزمنة والعصور، وأن اإليمان ال يُلغي الطبائع وإنما يُرققها، وال يُلغي الغرائز وإنما يُهذبها! لهذا تُحبين أن تدخلي بيوت الصحابة لتتعلمي منهم، ما يمكن لك ِ أن تطبقيه في بيتكِ! وتُعجبك ِ أحاديث األزواج التي تصلك، ألنها نافذة نادرة على حياة هؤالء الصفوة، وها أنت ِ اليوم تدخلين بيتا ً من بيوت اإليمان، وتسمعين حوارا ً لعله دار في كل بيت ٍ في هذا الكوكب! سلمة: ألبي ً يوما سلمة أم ْ قالت الجنة، أهل من وهو زوجها ُ يموت ٍ امرأة من ما أنه بلغني بعده! تتزوج لم ثم الجنة، في بينهما اهلل جمع إال بعدكَ! أتزوج وال بعدي تتزوج َّ أال نتعاهد فتعال أتطيعيني؟ سلمة: أبو لها فقال نعم! له: فقالت فتزوجي! ُّ مت إذا فقال: يؤذيها! وال يحزنها، ال مني، ً خيرا ً رجال بعدي سلمة أم زوِّج َّ اللهم نفسها: في سلمة أم قالت سلمة، أبو مات فلما
183أنت ِ أيضا ً صحابيَّة سلمة؟! أبي من ٌ خير من ُّ النبي خطبها عدَّتها ْ انقضت ولما اهلل برسول ً مرحبا إليه: فأرسلت صغار، ٍ أوالد ذات وإني الغيرة، شديدة امرأة ولكني شاهد! أوليائي من ٌ أحد وليس الغيرة، شديدة ِ أنك أمَّا يقول: ُّ النبي إليها َ فبعث غيرتكِ، َ يُذهب أن اهلل فسأدعو أمرهم، ُ اهلل ِ فسيكفيك ِ صبيانك وأما بي! سيرضى إال منهم أحد فليس األولياء وأما فحسب سلمة أبي من خير هو من سلمة أم تتزوج لم وهكذا كلهم! الناس من ٌ خير هو من ْ تزوجت وإنما صحابيّة، يا الميت! من أبقى ُّ الحي زوجته، بعد الرجل زواج أو زوجها، بعد المرأة وزواج وظروفه، حاجاته بحسب منهما واحد كل يُقدرها شخصية مسألة الوفاء، قليلة زوجها بعد تتزوج التي المرأة فليست والنساء! المتعة عن باحث زوجته بعد يتزوج الذي الرجل وال الحياة! سُنة هذه بعدنا، سيستمرون وهكذا قبلنا، الناس كان وهكذا معيب، ٌ شيء الحالل في وليس العادات! قبل والشرع الناس! على يُضيِّقون الناس ولكن مخجالً، ً أمرا ُ يُشرِّع ال واهلل صحابيّة، يا
184أنت ِ أيضا ً صحابيَّة زوجها ذكرى على تعيش أن أرادت من شأنها! فهذا أوالدها وتربي أيضاً! شأنها فهذا تتزوج أن ْ أرادت ومن يمنعها أن زوجها أهل أو أهلها من ٍ ألحد وليس الميت! لزوجها الوفاء عدم بحجة ودم، لحم من بشر نحن وروحية جسدية، حاجات منا إنسان ولكل سوية الحياة لتكون اإلشباع ُ تتطلب الناس! كالم من ً خجال اهلل َّ أحل ما تُحرّموا فال بعينه الحالل هو فهذا زوجته وفاة بعد يتزوج أن أراد والذي وقراره شأنه فهذا يتزوج ال أن أراد ومن يتعارضان العمر شريك وفاة بعد والزواج الوفاء أن قال من ثم القلب! في يبقى القلب في ما غيره ً ألفا تزوج ولو أحبّه ً شخصا ينسى أحد وال الحياة، حالة في يكون إنما الوفاء خيانة! ليس فالزواج الموت بعد أما فقط الذكرى على العيش إنه ً وفاء ليس الزواج وعدم له، اهلل يُخبىء ما المرء يدري ما ثم الخير كل الثاني الزواج في يكون قد فقده! الفاقد يُنسي من يأتي وقد عوضًا الناس بعض تعالى اهلل ُ يُرسل ! بعض عن ً وعزاء
185أنت ِ أيضا ً صحابيَّة صحابية، يا حبيبه بعد يتزوج ال أن ُّ المُحِب على ُ أُنكِر ُ لست وقراره! قناعته فهذه ً وفاء هذا َّ عد وإن اهلل شرع مع تتعارض ال دامت ما والقرارات القناعات أحترم وأنا الميت! دفنا أن بعد َّ الحي ندفن أن فكرة ضد ولكني المحبوب موت بعد الزواج أدب من ولكن الجديد! العمر شريك أمام المحبوب هذا يُذكر ال أن الميت ُ ينفع وال َّ الحي يُؤذي هذا ألن الحنَّانة، من الزواج ُ العرب كرهت وقد السابق، زوجها ذكر من تُكثر التي المطلقة أو األرملة هي والحنَّانة السياق هذا في العرب أمثال من يُروى ما طريف ومن عروس بعد َ عِطْر ال قولهم: عذرة بني من امرأة ذلك قال من وأول اهلل عبد بنت أسماء لها يقال عنها فمات عروس له يقال عمها بني من زوج لها وكان نوفل له يقال قومها غير من رجل فتزوجها دميماً، ً بخيال أبخر أعسر وكان قومه، إلى بها يرتحل أن أراد فلما قبره! عند وبكيت عمي ابن ُ فرثيت لي أذنت لو له: قالت أذنتُ! قد فقال: األعراس! عروس يا أبكيك فقالت: الناس! يعلمها ليس أشياء مع البأس، ً وأسدا أهله، في ثعلبا يا األشياء؟ تلك وما قال:
186أنت ِ أيضا ً صحابيَّة الباس! صبيحات السيف ويعمل ، نعاس غير الهمة عن قالت: كان الـمخبر الكــريم الخــيم الـطيــب األزهــر األغـر عـروس يا قالت: ثم تذكر! ال له أشياء مع األشياء؟ تلك وما قال: والمنكر للخنا عيوفا كان قالت: الفم رائحة كريه هو واألبخر أبخر، غير النكهة طيب فقير، غير غني أي أعسر، غير أيسر به، تعرض أنها الزوج فعرف عطركِ! إليك ضمي : قال بها رحل فلما منها ْ سقطت قد عطرها قارورة إلى نظر وقد عروس! بعد عطر ال فقالت:
187أنت ِ أيضا ً صحابيَّة قُم ْ ادْفِن ْ الصَّبيَّ! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! تنتمين بقلبك ِ وروحك ِ إلى الرَّعيل األول الصادق، وتحاولين قدر اإلمكان أن تجعلي حياتك ِ تُشبه حياتهم، ألنك ِ تعرفين أن التشبه بالكرام فالحُ! لهذا تحرصين أن تعرفي عن حياتهم الكثير، فربما مر َّ في حياتك ِ موقف مشابه، أو ربما مر َّ هذا الموقف مع غيرك، فكنت ِ فيه الناصح األمين، والمُعزي المواسي، وها أنت ِ اليوم مع حادثة من حوادث الفقد، فطالما كان الموت هو أبرز الزائرين! وما من بيت ٍ إال وكان قد عرفه، ً شديدا ً مرضا َ مرض قد ٌ ولد األنصاري طلحة ألبي كان بستانه، إلى بيته من طلحة أبو َ فخرج المسجد، إلى ثم الصبيُّ! َ مات األثناء هذه وفي وكفَّنته، فغسَّلته إليه، ٍ سُليم أم ْ فقامت نائم! كأنه فراشه في وتركته ابني؟ َ فعل ما سليم: أم زوجته سأل طلحة أبو عاد فلما كان! ما ُ أسكن هو له: فقالت فأكل طعام إليه ْ قرَّبت ثم فأجابته! زوجته، من الرجل ُ يريد ما منها أراد ثم
188أنت ِ أيضا ً صحابيَّة الصبيِّ! ْ ادفِن ْ قُم له: ْ قالت فرغا، فلما ِّ النبي إلى طلحة أبو جاء الصباح كان فلما سُليم أم زوجته من كان بالذي وأخبره الليلة؟ أعرستم : ُّ النبي له فقال نعم طلحة: أبو فقال لهما! بارك َّ اللهم فقال: ً غالما أشهر تسعة بعد الليلة تلك بركة من سُليم أم ْ فولدت . ِّ النبي ودعاء ببركة وضعته: أن بعد سُليم أم له ْ فقالت َّ النبي به َ تأتي حتى احفظه بها ليُحنكه ٍ تمرات بعض معه ْ وأرسلت ! ِّ النبي ريق الغالم جوف يدخل ٍ شيء أول فيكون الغالم ُّ النبي فأخذ شيءٌ؟ َ أمعك طلحة: ألبي قال ثم تمرات طلحة: أبو فقال الشريف بفمه مضغها ثم ، ُّ النبي فأخذها اهلل! عبد وأسماه المولود، بها َ حنَّك ثم يا صحابيَّة، ال تتسرعي وتقولي: يا ألم سليم من فاقدة لألمومة! كيف تفعل ُ كل هذا وابنها في أكفانه؟!ً ثقي تماما ً أن قلبها كان يعتصر ُ ألما وأن خاطرها كان مكسورا ً ككل أم فاقدة،
189أنت ِ أيضا ً صحابيَّة ولكن اإليمان حين يتملك من الناس يجعلهم بشرا ً آخرين! وأم سُليم جبل من اإليمان، وجلمود من الصبر، كانت تعرف ُ أن الصبر أول الجزع، وأنها لو استقبلت زوجها بالنواح فلن يرجع ابنها! وما على زوجة من سبيل إن أحسنت عزاء زوجها! األخبار السيئة يمكن أن تنتظر، والحي أبقى من الميت! وبعض البشر يهبهم اهلل حكمة التبصر في األمور، أعرف ُ رجال ً كان مع أبيه في المستشفى، وكان الوقت رمضان من ذاك العام، وتوفي الوالد عند أذان العصر! فلم يخبر أهله بذلك، وكتم الخبر عنهم، وكانوا إذا اتصلوا به يسألونه عن أبيه، قال: الحمد هلل، ال يتألم أبداً! وبعد المغرب بنصف ساعة هاتفهم وأخبرهم بموته، بعد أن انتهى العزاء الموه على هذا! فقال لهم: قلت ُ في نفسي لو أخبرتكم في وقتها، سيدخل الحزن إلى قلوبكم! وأنتم صائمون فلم أرد أن أخبركم قبل أن تفطروا! فإذا كان هذا فقه رجل يعيش بيننا، فكيف بفقه أم سُليم وهي ترى النبي َّ ، وتُعاصر نزول الوحي!
190أنت ِ أيضا ً صحابيَّة صحابيّة، يا عندها! حضوره ُ تطلب ِّ النبي ابنة ُ زينب ْ أرسلت يحتضر، الصغير ابنها َّ ألن أعطى! ما وله أخذ، ما ِ هلل َّ إن يقول: إليها َ فأرسل ولتحتسبي.! فلتصبري مسمى، بأجل عنده ٌّ وكل يأتيَها! أن عليه ُ تُقسِم ً مجددا إليه ْ فأرسلت أصحابه، من جماعة ومعه َ فقام بالبُكاء! عيناه ْ ففاضت تتقطع، وأنفاسه بالصبيِّ، له فجِيء هذا؟ ما ِ اهلل رسول يا عُبادة: بن سعد له فقال عباده ِ قلوب في ُ اهلل جعلَها رحمة هذه له: فقال الرُّحماء! عباده من اهلل ُ يرحم إنما سند ِ اهلل بعد من ُ األب وأوالد زوج لها صار ولو أبيها عن تستغني ال ُ والفتاة أحد! في ْ ليست أخرى نكهة لألب البيت، في أبيها صوت عندها التي الصغيرة البنت إن العالم! أقفال كل من ً أمنا أكثر تكبر، حين األمان هذا عن تستغني ال وهي بشرية! فطرة األهل من والدعم السند المرأة ُ وطلب اهلل، قدر عن الرضى يسبقه أن يجب هذا كل أن على قدره! أمضى إذا معه والتأدب مدفوناً، ُّ يرد وال ميتاً، ُ يُرجع فال التسخط أما بالدِّين! ُ يذهب قد ولكنه
191أنت ِ أيضا ً صحابيَّة صحابيّة، يا تعالى، اهلل ِ بقدر الرضى مع يتعارض ال ِ الفقد عند ُ البكاء النفسِ، ُ عذب فالمُؤمن ً تماما العكس على المشاعرِ، ُ طيِّب القلبِ، ُ رقيق عزيزاً! َ فقد ما إذا يبكي أن الطبيعي ومن بكى، ُّ النبي هو وها الرجال، سيد وهو ابنته ابن ِ احتضار من رأى لما اهلل، ِ بقدر الراضين وسيد ضعف، أنه على البكاء إلى تنظري فال المصائب! عند للنفس مريح البكاء النفس، ُ يخنق الذي الكتمان بعكس الروح! على ُ ويكبت قال: عياش، بن بكر أبو والفقيه المُحدِّث وروى لها، ُ تصبَّرت مُصيبة أصابتني إذا شاب وأنا ُ كنت ألماً، ويزيدُني يُوجعُني ذلك فكان نفسي، عن البكاء ُ ورددت يُنشِد: حوله الناس اجتمع وقد ً واقفا ً أعرابيا ً يوما ُ رأيت حتى ِ الرَّواحل صدور من عوجا َّ خليلي ِ المنازل في وابكيا حُزوى بجمهور ً راحة ُ يُعْقِب ِ الدَّمع َ انحدار َّ لعل البالبل َّ نجي يشفي أو ِ الوجد من
192أنت ِ أيضا ً صحابيَّة الرمة. ذو الشاعر هو هذا فقيل: عنه ُ فسألت مصائب، ذلك بعد فأصابتني راحة! ُ فأجد منها أبكي ُ فكنت أعلمه! وما األعرابي هذا أبصر ما اهلل، سُبحان نفسي: في وأقول شيء ً وتسليما ً رضى ممتلئ والقلب العين بكاء أن على آخر، شيء الشعر وشد الثياب وشق الصوت، ورفع والنواح، اهلل! قدر على السَّخط وجوه من وجه فهذا صحابيَّة، يا قال: عنه اهلل رضي سليط أبي بن اهلل عبد عن جحش، بنت زينب تابوت يحمل جحش بن أحمد أبا رأيت يبكي، وهو مكفوف وهو يقول: وهو عنه اهلل رضي عمر فأسمع تابوتها، على وازدحموا الناس، يعنك ال التابوت عن ّ تنح أحمد أبا يا خير! كل بها نلنا التي هذه عمر يا أحمد: أبو فقال أجد! ما حر يبرد هذا وإن الزم! الزم، عمر: فقال صحابيّة، يا عتبة أخيه وفاة خبر مسعود ابن اهلل عبد أتى ولما ... بكى أتبكي؟ له: فقيل اهلل رسول مع وصاحبي النسب، في أخي كان قال:
193أنت ِ أيضا ً صحابيَّة يموت، أن قبل مت كنت أن ذلك مع أحب وما فيحتسبني. أموت أن من ّ إلي ّ أحب فأحتسبه آدم! ابن يملكها ال اهلل جعلها رحمة هذه إن صحابيّة، يا ولد! لك يبقى ال امرؤ إنك : ذر ألبي قيل يأخذهم الذى هلل الحمد : فقال الفناء، دار من البقاء! دار فى ويدَّخرهم األقارب فقد على بالصبر الناس بكر أبو أمر وقد مصيبة، العزاء مع ليس : فقال فائدة، الجزع مع وليس بعده، ما وأشد قبله ما أهون الموت مصيبتكم، تصغر اهلل رسول فقد اذكروا قيس بن األشعث طالب أبي بن أمر علي وقد فقال: ابنه فقد على بالصبر الرحم، منك استحقت فقد تحزن إن ابنك! من خلف اهلل ففي تصبر وإن مأجور! وأنت القدر عليك جرى صبرت إن إنك مأثوم! وأنت عليك جرى جزعت وإن
194أنت ِ أيضا ً صحابيَّة رزق خفي! أنت ِ أيضا ً صحابيَّة! تعرفين أنه ال يضيع عند اهلل معروف نصنعه للناس، تؤمنين أن كل درهم ٍ تخرجينه صدقة يعود إليك أضعافه، وكل خاطر تجبرينه يعود عليك جبرا ً مثله وأكثر، وكل دمعة ٍ تمسحينها ترتد ُ عليك فرحا ً وبلسماً،ِ ولكن رغم إيمانك ِ العميق بهذا إال إنك تحبين أن تسمعي قصصا ً في هذا الشأن، ال من باب الشك بل من باب زيادة اليقين! م ربــه أن يريــه كيــف يُحيــيالومــن قبــل ُ ســأل إبراهيــم ُ عليــه الســ الموتــى، وما كان عنده ذرة شك وإنما ليطمئن قلبه! أخوان ِّ النبي عهد في كان منها، ُ يتكسَّب مهنة له أحدهما له، مهنة ال واآلخر والقرآن! الحديث منه ويأخذ ِّ النبي َ مجلس ُ يحضر أخيه وعلى نفسه على ُ يُنفق مهنة له الذي وكان أخاه! إليه يشكو َّ النبي أتى المهنة َ صاحب إن َّ ثم به! ُ تُرزق َ لعلَّك : ُّ النبي له فقال صحابيّة، يا عصر كل في ُ النَّاس هم ُ النَّاس
195أنت ِ أيضا ً صحابيَّة المعيشة ُ وتحصيل ُ والمال ُ الرِّزق يشغلهم ما أكثر الناس! عليها َ فطر التي اهلل فطرة سُبةً، ليس والغِنى عيباً، ليس المال جمع َّ أن على الصالح، العبد يد في الحالل المال َ ونِعم يملككِ، أن ال َ المال ِ أنت تملكي أن المهمً سيدا ال ً خادما ِ لك يكون وأن ليخفضكِ! رأسك فوق ال ِ ليرفعك قدميك تحت تضعيه وأن صحابيّة، يا البطالة، على ً تشجيعا ليس ُ الحديث غيره، على عالة اإلنسان يكون أن وعلى واالجتهاد، العمل على ُّ تحث التي األحاديث إن ً تماما العكس على كثيرة، يديه عمل يأكل من على وتُثني عمل، له يكُن لم الذي لألخ تُقال إنما األحاديث هذه مثل ولكن تــرك على له ً تحريضا فيها ألن المهنة صاحب لألخ تُقال وال أخيه، به! ُ تُرزق َ لعلَّك : ُّ النبي قاله ما للمُنفق يُقال ما صحابيّة، يا اهلل! هو الرَّازق ولكن للرزق، سبب العمل وتجارتكِ، ِ عملك في الرِّزق باب ِ لك َ فتح قد اهلل أن ِ أدراك وما واجتهادك، جدك بسبب ال
196أنت ِ أيضا ً صحابيَّة عليهما، تُنفِقين أبوين بسبب وإنما منه، تتأففين ال ٍ عاهة ذي ٍ وابن الدائم! بدوائه ِ تكفلت ٍ ومريض شهرياً، ً مبلغا له ِ خصصت ٍ وفقير عباده، من ً عبدا به ُ يرزق ً وسببا ً بابا ِ جعلك قد اهلل َّ أن أدراك ما لتجــودي الخير َ عنك يقطع ال أن اهلل ُ يريد لتُعطي، تُرزقين ِ وأنت لغيــرك! وتمرريه به، نفسكِ، ترزقي أن من أضعف ِ أنت غيركِ، ترزقي أن من ً ضعفا ُّ أشد أولى باب ومنِ عليك َ تكرَّم فقد ِ غيرك رزق في ً ســببا ِ جعلك حين سبحانه وأنه العمل، لهذا ِ واصطفاك عنكِ، ويُغنيه يرزقه أن قادر فهو سبحانه، منه ٍ فقر عن يده في يقع الذي المباشر الرزق حرمه فما اهلل فتحــه ً بابا تُغلقي فال الجنة إلى ً أبوابا لنا الناس جعل ولكنه لــكِ! أوالً! َ إليك ِ غيرك َ أحوج كما ِ غيرك إلى ِ أحوجك أغلقته إن ِ لعلك اآلخذة! أمَتَه ال المُعطية أمَتَه ِ جعلك أن ِ ربَّك واحمدي فأعطي صحابيَّة، يا صدقةً، الناس أكثر من جعفر بن اهلل عبد كان يلومونه، منه المقربين أقرب حتى َ جعل ٍ بشكل الفقراء يُعطي هذا! من َّ أقل ِ أعط له: ويقولونً عادة عبادَه ُ وعوَّدت عادةً، ُ اهلل عوَّدَني لقد لهم: فقال
197أنت ِ أيضا ً صحابيَّة عادته! اهلل َ يُغيِّر أن عادتي ُ غيَّرت إن فأخشى به! ُ تُرزق َ لعلك : النبي لقول ٌ وعميق ٌ دقيق ٌ فهم صحابيَّة، يا بالذّهول، يُصيبنا ما إلينا ْ نُقلت التي الصَّدقة قصص من إن العَجب! ُ يُثير ما المُتصدّق على اهلل عوض من وإن قال: أبيه عن حازم أبي ابن عن ّ الجوزي ابن روى رغيفان، إال عندها َ وليس ً صائمة عنها اهلل رضي عائشة أمست برغيف، له ْ فأمرت ٌ سائل فجاء اآلخر، بالرغيف له ْ فأمرت آخر جاء ثم إليه! تدفعُه ْ أن موالتها ْ فأبت الستر! تحت من عائشة إليه فطرحته تفطرين؟ ما على انظري موالتها: لها فقالت الباب يضرب ٌ ضارب إذا عائشة أمست فلما هذا؟ من فقالت: فالن! آل رسول قال: مشــوية شاة يحمل هو فإذا فأدخليه مملوكًا كان إن عائشة: قالت خبــز، عليها رغيفك، من ٌ خير خبز هنا ها كم اعتدي عائشة: لها فقالت شيئًا! قبلَها َّ إلي أهدوا كانوا ما واهلل فال أعطيتِ! ما ِ أنساك َّ حل إذا اهلل عوض هكذا المطر! عليه َ فانهمر ٍ ماء شربة أعطى كمن ً كثيرا ً زخّا ِ وجاءك
198أنت ِ أيضا ً صحابيَّة صحابيّة، يا إليه يشكو المبارك بن اهلل عبد إلى رجل جاء سنين! سبع منذ ركبته في خرجت قرحة كله، العالج بأنواع عالجها وقد قصده، إال ً دواء عنده يرجو ً طبيبا يترك ولم نتيجة! دون ولكن إلــى حاجة مكان في بئرًا فاحفر اذهب المبارك: ابن له فقال الماء، الدم، َ عنك ويمسك عين َ هناك ينبع أن أرجو فإني فبرأ! الرجل َ ففعل فقط، ً بركة ليست للصدقة، فهمهم كان هذا لمريضهم! صحيحهم يصفه ً دواء وإنما قال: هذه من ً قريبة ً قصة اإليمان شعب في البيهقي وروى وجهه، قرحة ً في اهلل عبد أبي الحاكم شيخنا َ قُرِح تبرأ، فلم المعالجة بأنواع وعالجها سنة! من ً قريبا فيه ْ وبقيت الجمعة، يوم مجلسه في له يدعو أن الصابوني عثمان أبا فسأل وراءه، الناس قاموا بالتأمين وأكثر له، فدعا المجلس، في رقعة امرأة ألقت األخرى الجمعة من كان فلما اهلل عبــد أبي للحاكم الدعاء في واجتهدت بيتها، إلى عادت بأنها الليلــة تلك لها: وقال اهلل رسول منامها في فرأت المسلمين على الماء يوسع اهلل عبد ألبي قولوا
199أنت ِ أيضا ً صحابيَّة اهلل، عبد أبي الحاكم إلى بالرقعة ُ فجئت فيها، الماء بسقاية فأمر الحر، الناس ليقي الماء في الثلج وطرح به وانتفعوا وشربوا الماء، الناس وأخذ الشفاء ظهر حتى أسبوع عليه َ مر فما كان، ما أحسن إلى وجهه وعاد القروح، تلك وزالت سنين! ذلك بعد وعاش صحابيّة، يا قحطٍ، في كانوا مصر ُ قدمت لما عمار: بن منصور قال والدُّعاء، بالبكاء ضجُّوا الجمعة صلَّوا فلما وقلتُ: المسجد وسط فصرت نية، فحضَرتني بمثلها، تُقرب فما بالصدقة اهلل تقرَّبوا إلى قوم يا أنتم! فتصدَّقوا معي ما هذا وقلت: بكسائي رميت ثم فــاض حتى حُليّها تُلقي ُ المرأة جعلت حتى الصدقة على فأقبلواُ الكســاء الطين، في وخرجوا السَّماء هطلت ثم رجل إذا حصنها على ُ أطُوف أنا فبينما اإلســكندرية، إلى أنا ُ ورحت يرمقنــي، لكَ؟ مَا قلت: الجمعة؟ َ يوم ُ المتكلم أنت قال: نعم! قلت: فأجيب له! لقد دعا قالوا: للناس، ً فتنة َ صرت قال: