حقائب من الغياب merged

حقائب من الغياب لميس الرويلي،١٤٤٨هـ حقائب من الغياب. / لميس الرويلي-ط.١-. الدمام،١٤٤٨هـ ٦٥٢ص ؛ ..سم رقم اإليداع:١٤٤٨/١٥٢١ ردمك:٩٧٨-٦٠٣-٠٦-٨٠٢٣-٨

1 حكاياتال ليستهذهالكلماتمجردسردعنارتحالأوأوطانودّعناهاخلفغبارالنسيان؛إنهامرثية لإلنسانحينيتوهّمأنالفرارمنالمكانخالص،ليكتشففينهايةالطريقأنأشدالمنافي قسوةليستتلكالتيتغلقالحدوددوننا،بلتلكالتيتنفيناعنأرواحنا.فثمةأوطانالتسكن الخرائط،بلتسكنالذاكرةكوجعّأبدي،وحقائبالتئنمنثقلالمالبس،بلمنأعماركاملة حشيتباألسىوالحنين. هناالأبطاليزهونبانتصاراتهم؛بلبقايابشريشبهونانكساراتنا؛عثروا،تردّدوا،أحبّوا، فخسروا،ثمأدركواحينالينفعاإلدراك،أنثمةندوبااليداويهاالنجاح،واليغسلهاالزمن، والتمحوهادمعةندم.إنهاحكايةالجراحالتيالتبرأ،بلنعتادالعيشفيظلها،والغيبةالتيال تقاسبالكيلومترات،بلبمساحةالفراغالذيتحفرهفيالصدور. فإنكنتعازماعلىخوضغمارهذهالصفحات،التفتشعنبطللتنحازإليه،بلابحثعن بقاياكالضائعةبينالسطور.ربماتعثرعلىوجهيشبهانطفاءك،أوصمتجرّعتهمرارا،أو سؤالاستوطنروحكولميجدجوابا.لقدنسجتهذهالحكايةمنواقعغارقفيالحزن، وامتزجتبخياليمنحالحقيقةصوتاخافتا،ربمااليجرؤالواقعالصاخبعلىالبوحبه. ل يليس الرومي

2 إهداء إلى أبنائي بسمة، وياسمين، ونبيل، وصبا. أنتمنور عيوني التي ذبلت من كثرة البكاء،النور الذي أضاء عتمة أيامي، والدفء الذي أبقاني واقفة كلما أوشكت روحي على االنكسار. ونبض قلبي الذي لم يعرف التوقف رغم كل ما أثقلته الحياة من وجع. إن كانت الدموع قد أرهقت مالمحي، فإن حبكم كان دائما اليد التي تمسحها، واألمل الذي يعيد إلي القدرة على النهوض. قد ال تكون الحياة منحتني كل ما تمنيت، لكنها منحتني أعظم هدية... أنتم. ففي وجوهكم أجد المعنى، وفي أصواتكم أجد الطمأنينة، وفي وجودكم أؤمن أن كل ألم يمكن احتماله. أهديكم هذه الرواية، ليس ألنها مجرد كلمات كتبتها، بل ألنهاأيامي التي عشتها بالصبر، والدموعالتيسالت بصمت، واألحالمالتيقاومت االنطفاء. فإن وجدت هذه الصفحات طريقها إلى قلوب القراء يوما، فاعلموا أن أول من سكنها، وسيبقى فيها إلى األبد، هو أنتم. لكم كل الحب الذي تعجز الحروف عن وصفه، وكل الدعوات التي يهمس بها قلب أم ال تتمنى من الدنيا سوى أنتكونوا بخير. سامحوني

3 حقيية الأوليال-الطفولةوالمراهقة جرء الأولال على طاولة خشبية عتيقة، نال منها الدهر حتى أطفأ بريقها، استقرّت حقيبة مدرسية قديمة، ألوانها ذابلة كأوراق خريف هجرها الصيف خلفها، جلست "سيما"، ذات العشر ربيعات، بجدائل حالكة السواد رتّ بت بإتقان، ومالمح طفولية غضّة، غير أن في مقلتيها بريقفضول يشي بعمر يتجاوز سنواتها. كانت تالحق بنظراتها والدتها، التي انتصبت أمام الموقد، مرتدية قميصا منزليا بليا، رقّعت شقوقه مواضع ال تلحظها إال عين فاحصة. كانت يد األم ّ تداعب الملعقة في القدر بهدوء، عيناها على مائدة الغد، وأذناها تترصدان نبض ابنتها. مالت سيما برأسها قليال، ثم بادرتها بصوت يمأله التساؤل: –يمه.. البنات يسألوني ليش اسميسيما؟ليش اخترتوا لي ها االسم؟ التفتت األم ّ وارتسمت على ثغرها ابتسامة وهي تواصل تقليب الطعام: –ليه؟ وش فيه االسم؟ موب حلو؟ أجابتها بصدق عفويّ: –ال، حلو.. بس غريب. لو سميتوني شي أزين، مثل صديقاتي مشاعل أو نوره. ردّت األم وهي تعيد نظرها إلى القدر:

4 –اسمك حلو بعد، ليش تقولين أل؟ تنهّدت الطفلة قائلة: –مدري..مناختاره؟ سكنت حركة األم ّ لبرهة، ثم قالت بصوت يحمل عبق الذكرى: –أبوك، هللا يرحمه.. يوم كان يدرس بالجامعة األمريكية بلبنان، قابل مدرسة هناك اسمها سيما. كانت تساعده في دراسته،ووعدهالو نجحوأتخرجأنه ال يسمي أول بنت ربي يرزقه بهاسيما. وتزوجني،وجيتيأنت وصرتي سيما. صمتت سيما للحظات، ثم همست بكلمة واحدة: –أممم.. طيب. كانت سيما تحمل اسمها كوشاح من حرير، يغمر روحها بشعور غامض بالتفرد، بذرة غضة استقرت في أعماقها لتزهر مع األيام وتلون مسارات حياتها القادمة. وبينماكانت األم ترص األطباق على المائدة بهدوء، سألتها سيما بفضول طفولي: –أبوي كان دكتور وش؟ تنهدت األم: –ما كان دكتور، بس كان بمجال الطب.. أخصائي تحاليل وأشعة، يسحب الدم ويصور الجسم باألشعة. مستشفى التابالين تكفلوا بدراسته؛ كان يشتغل فراش يمسح األرض، بس هو ذكي لقط

5 اللغة اإلنجليزية بسرعه وصار يرطن مثلهم، ذكاءه لفت نظرهم قاموا أرسلوه بعثه وبعدأتخرج وظفوهعندهم. ابتسمت سيما وفخر أبيها يغمر قلبها: –يــ سالم.. هللا يرحمه أبوي. أجابتها األم بصوت متهدج: –اللهم آمين. توهجت في ذاكرة سيما خيوط من ذكريات بعيدة: –أنا أتذكر مستشفى التالبين.. وأتذكر سكن الدكاترة. صححت لها األم بابتسامة: –التاب الين.. التابالين. –التابالين.. أتذكر سكنهم، كيف كان أبوي يركبنا في دبة الوانيت، يحطنا أنا وناصر بالحديقة ويروح للمستشفى ويرجع لنا. كنا نلعب ونروح البقالة، نشوف البيوت الحلوة، والناس يركبون السيكل ويمشون بـ الشورت.. ونلعب مع كالبهم، يمه حياتهم كانت تجنن وحلوة! ضحكت األم وهي تستعيد أياما أطفأها الزمن: –إي وهللا.. يا عمار يوم كان أبوك عايش، كنا نروح ألصدقائه األطباء بالسكن، نسهرونشوي.. كانت حياتهم بسيطة وجميلة. كان صديقه المقرب دكتور تادرس، طبيب باطنية، كنت أتعالج عنده من القرحة.

6 –وش قرحة يعني؟ –يعني مرض ب المعدة. –سالمتك يمه. –هللا يسلمك حبيبتي.. يــ هللا األكل جاهز، نادي إخوانك. –أبشري، الحين أناديهم، بس يمه اليوم بطلع ألعب مع البنات حجلة، ونوال شرت حبل جديد عشان ننط. سكتت األم للحظة، ثم قالت بنبرة حذرة: –سيما.. ال.. أنا كنت بكلمك أمس.. –وش فيه؟ –خالص، بعد الغداء نادي إخوانك. –طيب. بعد دقائق، أقبل ناصر، الذي يصغر سيما بثالثة أعوام، وتاله فالح، أصغرهم بخمسة، ثالثة أشقاء صدم اليتم طفولتهم المذعورة في ليلة لفّها الغموض. ✼✼✼ قبل عامين في بلدة طريف، حيث يغفو السكون على أعتاب البيوت الصغيرة، شق الليل صرخة حادة جرحت هدوء النجوم، إذ تسلل دخان أسود كأنه كائن شيطاني يختنق بسببه الصدر واألنفاس.

7 بدأت المأساة حين تعالت صيحات ورد، الطفلة الهشة التي ضاق صدرها ذرعا بالدخان، فاستيقظ األب من غفوة ثقيلة ليجد نفسه وسط جحيم من العتمة واالختناق. اندفع األب كالريح، يتحسس األجساد المرتجفة في الظالم، يضم هذا ويخرج بذاك، حتى استقر الجميع في العراء ينهشون الهواء الملوث بالرماد،وماأن ألتقطوا أنفاسهم حتى تجمدت دماء األب حين أدرك غياب ورد، ف هرع راكضا ليختفي خلف الجدران. وقفت سيما، ذات الثماني سنوات، حافية القدميين، تحدق في ذلك الباب الذي أصبح بوابة للعدم. كانت تنتظر أن يطل طيفه مجددا، أن يحمل شقيقتها، أن يغمرهما ضوء الفجر، لكن الوقت تجمد في حلقها. اقتربت سيما من ناصر، وهمست بصوت يمأله االرتجاف: –ناصر، وش فيهم تأخروا؟ أبوي ليه ما طلع؟ رد ناصر وعيناه غارقتان في دموع ال تجف: –أنا خايف.. يــ سيما، الدخان قوى، وين أبوي! خيم الصمت المطبق على المكان، بينما بدأت طواقم اإلنقاذ في االنسحاب من مسرح المأساة، يحملون بين أيديهم بقايا رمادية لهيكل فقد مالمحه البشرية، يكتنفه السواد وتلفه رائحة الفناء. حين وقعت عينا سيما على ذاك المشهد القاسي، تاهت في أروقة الصدمة، وتوسعت حدقتاها كأنما تحاوالن استيعاب فداحه القدر، بينما تجمدت أطرافها في موضعها كأنها منحوتة صماء نحتت من هول المنظر.

8 أسرع ناصر نحوها بخطوات متعثرة، وانطلق فالح يضمها بنحيب مزق هدوء الليل، يهتف بصوت متهدج: –سيما.. سيما، ردي علي تكفين! ظلت سيما في غيبوبتها الشعورية، عاجزة عن النطق أو الحركة، غارقة في صمت أبدي، وقد سرت قشعريرة جليدية في عروقها، كأن روحها قد نأت بعيدا عن جسدها الذي استحال كتلة من جليد وسط نيران الذكريات. منذ تلك الليلة، انطفأت شعلة في روح سيما، وصار مشهد ذلك الدخان وشبح األب المتفحم يسكنان زوايا ذاكرتها، جرحا أبديا ال يندمل وال يغادر. ✼✼✼ في أروقة العزاء المكتظة برائحة البخور والحزن، لم تكن سيما تصغي لعبارات المواساة التقليدية، بل كانت أذناها تلتقطان نبرات الهمس التي تتسلل عبر الجدران كأفاع مسمومة. انزوت في ركن قصي من المجلس، تغرق في صمت مريب، بينما كانت أطراف أحاديث النسوة تتردد في أذنيها كأجراس نذير: –الحادثة غريبة.. وهللا غريبة. –إي وهللا.. دخان بدون نار! كيف تصير ذي؟ هللا يصبرهم وال يبتلينا. –اللهم أمين.. ما احترق شي في البيت.. كل شي كان بمكانه. –بس سواد.. سواد مغطي كل شي، كأن الدخان جا وجلس عليهم.

9 اقتربت امرأتان من بعضهما، وخفضتا أصواتهما حتى كادت تصبح أنفاسا متقطعة: –هذا وهللا من اللي كان يسويه. –وش كان يسوي؟ ترددت األخرى لحظة، ثم قالت بنبرة غارقة في التوجس: –كان يصيد البساس بالسكتون... هواية عنده. هللا يرحمهويسامحه. –ال اله إال هللا.. احلفي؟ –إي وهللا.. بدل ما يصيد عصافير، نظف الحي من البساس.. كل يوم نلقى وحدة مرمية. شهقت األخرى بذهول، ووضعت يدها على صدرها في حركة الإرادية: –ال حول وال قوة إال باهلل.. –شفت بعيني مرة قطوة.. مرمية جنب بيتنا.. فيها الروح عيونها مفتوحةتنازع يــعمري كأنها تستنجد. –طيب ما كلمتوه؟ –زوجي كان يكلمه دايم.. يقول له حرام، الرفق بالحيوان واجب.. بس ما كان يسمع، كان يكره البساس كره غريب. –هللا يرحمه ويغفر له بس.. بسم هللا الرحمن الرحيم.. يمكن انتقموا منه. نفثت المرأة الهواء من شفتيها بخفة، ونفضت رداءها كأنها تطرد لعنة خفية:

10 –هللا يكفينا شرهم. –آمين.. هللا يبعدهم عنا. خمدت األصوات من حولها، لكن صدى الكلمات أخذ يقرع في رأس سيما كالمطرقة على سندان. تالشت مالمح النساء، وانفصلت عن واقع المجلس القاتم لتغوص في لجج الذكريات. رأت والدها في خيالها يقف في فناء الدار، والسكتون في قبضته، وعينه تحدق بجمود ال يعرف الرحمة. تذكرت دويالطلقات الحاد، وصمت الموت الذي يعقبها، وتلك المخلوقات الضعيفة التي تضطرب في النزع األخير. استرجعت سيما كيف كانت تتسابق مع الرعب، تختطف القطة الصغيرة من براثن القدر، تخبئها خلف الخزانات المتربة أو تحت األسرة، وتكتم أنفاسها وهي ترتجف، ال خوفا من والدها فحسب، بل رعبا على تلك األرواح التي ال تملك سوى الهروب. وفي كل مرة يكتشف والدها أمرها، كان الغضب يشتعل في تقاسيم وجهه، يخطف القطة من بين يديها متجاهال توسالتها التي تذوب في الهواء: –خلها!تكفى يــيبه خلها! –قلت لك هاتي! ثم يرحل.. وال يعود إال وحيدا، تاركا وراءه صمتا ال يكسره إال صوت تذكرها لدموعها المنكسرة في تلك الزوايا المظلمة.

11 كانت تبصر النهاية تلوح في األفق، رغم أنها لم تر مالمحها قط. كانت تذوي في سكون الليل، تبتلع نحيبها تحت غطاء يستر انكسارها، مخافة أن يشي بها األنين. لم تكن تبكي قطتها الراحلة فحسب، بل كانت تسكب وجعا أكبر، تناجي ربها في خلوتها بقلب يملؤه التوق: –يارب تاخذ ابوي عشان نرجع ألمي... يارب تاخذ ابوي ألني أكرهه زوجة أبوي… أبي أمي… يارب يموت. وحين استجاب القدر، جاءت االستجابة قاسية، كأنها صاعقة لم تكن بالحسبان، وبثمن باهظ. حين حلت األم بساحة طريف يرافقها الخال جمعان، كان اللقاء عاصفة من الشوق والدموع. ارتمت سيما في أحضان أمها كمن يعود من منفى طويل، لكنها في صميمها كانت تدرك أن هذا الفرح مشوب بمرارة ال تحتمل. كانت تكن لوالدها حب أبوي فطري، لكنه حب غلفه الخوف وظالل الزوجة التي سلبتها شعور االنتماء. واآلن، انقشع ذلك الظل، لكنه انقشع بخسارة فادحة؛ فقد رحلت ورد، وتركت خلفها ثقبا في الروح ال يلتئم. كان عقلها الصغير يراوغ الحقيقة، يغلفها بضباب النسيان حينا، ويجابهها بمرارة الفقد حينا آخر. كانت الروح تتأرجح بين ضفتين: حزن على أب طواه الردى، وشوق ل ورد التي لن تعود، وفرح خجول يزهر في كنف األم. طفلة أدركت باكرا أن األقدار ال تمنحنا النجاة دون أن تسترد منّا قطعة من القلب.

12 خيم الصمت على أرجاء المكان بعد أن تالشت أصداء الضحكات البريئة، واكتست المائدة بسكون لذيذ عقب وليمة عامرة. في تلك اللحظة، انبرى ناصر يقطع حبل التأمل بصوته الغض الذي يلوح بنسمات الطفولة العذبة: –يمه، بطلع عند الباب... شفت فيصل ولد خالتي جالس على الرصيف مع الشباك. جاء صوت األم هادئا كالمعتاد: –بس تجلس معاه عالرصيف، ال تروحون مكان. –طيب. لم تكد سيما تهم بالخروج، تملؤها الرغبة في ممارسة طفولتها مع الصغار هي أيضا كحال أخيها، حتى استوقفها صوت أمها: –تعالي يــسيما... أبي أكلمك شوي. اقتربت الخطوات متعثرة بالفضول والرهبة: –ها يمه، وش فيه؟ ترقبت األم لحظة، ثم استجمعت شتات صوتها لتقول بنبرة تملؤها وقاروحنان: –حبيبتي.. مب قبل يومين جاتك الدورة؟ يوم نزل عليك دم؟ نظرت سيما إليها ببراءة طفولية، لم تدرك خلفها تالطم األمواج في صدر أمها، فأجابت: –إي يمه.. بس الحليب والنشا اللي شربتيني إياه عشان أصير بيضا، ما سوّى شي. سرت ابتسامة واهنة على شفتي األم، وهي ترقب فلذة كبدها بنظرة تودع طفولتها:

13 –بيسوي يــحبيبتي.. مب على طول يبان. أطبقت األم شفتيها على كلمات كانت تخشى نطقها، ثم تابعت بلهجة حازمة: –بس بغيت أقولك.. أنت صرت حرمة الحين. تسمرت سيما في مكانها، واتسعت عيناها بذهول ارتجفت له أطرافها: –حرمة؟ زفرت األم تنهيدة أخرجت فيها مخاوف األمومة، محاولة تطويق المعنى بمجازات واقعية: –قصدي.. ما عاد تقدرين تطلعين تلعبين بالشارع مثل أول. شفتي مشاعل بنت أم سلمان؟ يوم سألتيني ليه بطلتتطلع؟كان عشانها كبرت.. وصارت حرمة. تزاحمت األسئلة في عقل سيما، وتأرجح عالمها الصغير بين جدران البيت والشارع، فهتفت بضيق: –يعني.. أنحبس بالبيت؟ أنا بس أبي ألعب حجله. –ال، اطلعي عند البنات.. بس اجلسوا داخل البيت. ما فيه لعب في الشارع. –بس كلهم يطلعون! ما أحد يجلس! أجابت األم ببرود ينم عن حتمية القدر: –قريب.. كلهم بيجلسون. ونبي نمر خالتك بعد شوي نطلع معاها السوق.. نشتري لك عباية وطرحة. ما عاد تطلعين بدونهم.

14 في تلك اللحظة، خبا ضياء الطفولة في عيني سيما، وحل محله وهج غامض من االنبهار الممزوج بالحيرة: –صدق يمه؟ عباية؟ أومأت األم برأسها بابتسامة: –إي. تغير حال سيما، وتالشى الحزن في غمرة الحماس الذي غمر صوتها: –أي يال خلينا نطلع السوق! كانت تلك العباية في نظرها ليست مجرد قطعة قماش، بل كانت طقسا للعبور نحو ضفة أخرى، وبوابة تشرع نحو عالم النساء الغامض والكبير. ومنذذلك الوقت بقيت سيما تراقب رفيقاتها من خلف النافذة وهن يرسمن الفرح على وجه األرض، بينما انزوت هي على هامش الحياة، تلمح الصديقات يختفين واحدة تلو األخرى، حتى خلى الشارع تماما وكأن الطفولة قررت الرحيل دون التفات. ✼✼✼ حين رحل األب لم تجد األم أمامها سوى النزوح نحو الطائف، حيث ذووها، علّهم يكونون مالذا. كانت األم، وهي ابنة الخامسة والعشرين، تحمل في عينيها انكسارا يسبق سنها، وتواجه نظرات المجتمع التي تزدوج بين الشفقة والريبة، مثقلة بثوب الترمل القاسي، ومسؤولة عن ثالثةأطفال يحتاجون حنانا تفتقده هي نفسها في عتمة وحدتها.

15 في لحظة صفاء كئيب، اقتربت سيما من والدتها، سألتها بصوت منخفض متردد: –يــمّه، ليه كل شيء تغير فجأة؟ تنهدت األم، ومسحت على شعر ابنتها بحنو ّكسر حدة صمتها، وقالت: –وشهو اللي تغير؟ أطرقت سيما رأسها، وهمست بمرارة: –البيتصار سجن.. أجابتها األم وعيناها ترنو نحو البعيد: –بكره ربي يفرجها إن شا هللا وتزين. بكره تكبرينوتروحينالجامعةوتتوظفينوتتزوجين.. أشياء كثير حلوه منتظرتك. قولي إن شا هللا. –إن شا هللا. كانت سيما ترقب في صمت مالمح والدتها، تلك التي تجتهد في طالء مرارة األيام بابتسامة، وتتظاهر بصالبة الجبال كي ال تنهار أمام صغارها. غير أن عينيها كانتا تفضحان المستور، وتسجالن قصة الوجعحين يـــرخيّالليل سدوله، فتنفرد بنفسها لتبكي في صمت مكتوم على كل ما سلبتْه يد األقدار منها ومنهم. ✼✼✼ في صباح لفه الضجيج، استيقظت سيما على أصوات حادة تشق سكون البيت تتسلل عبر الجدران كأنها نذير عاصفة. جلست في فراشها، ترهف السمع محاولة التمييز، فإذا بصوت أمها

16 يصطدم بصوت خالها في جدال ال هوادة فيه. دبت بخطوات وجلة نحو الصالة، وقلبها يرجف بين الخوف والفضول، حتى توارت خلف الركن تسترق النظر والكلمات. قال خالها بنبرة جافة كأنها صوت حجر يرتطم بصخر: –يــ بنت الحالل، افهمي.. افهمي. أنت أرملة، ما يجوز تطلعين كل يوم! جاء رد األم يحمل مزيجا من الرجاء والعناد الذي ال يلين: –قلت لك ماني طالعة أتمشى. هذا معهد خياطة.. يعني أتعلم وآخذ شهادة، وبعدين عند التخرج يعطوني منحة خمسين ألف لاير عشان أفتح مشغل. وشو له كل هذا التعقيد؟ –نعرف وفهمنا. لكن خروجك كل يوم؟ تقولين من الساعة ثمان الصبح إلى الساعة اثنين الظهر. أول شيء، من بيوديك؟ قاطعتْه بسرعة تسبق تردده: –في باص بيوديني ويجيبني. –وعيالك؟ أجابت بثبات ينم عن تدبير مسبق: –يروحون المدرسة وأنا أكون رجعت قبلهم. وإن صار ورجعوا بدري، يجون عندكم، البيت جنب البيت، كلها خطوتين. –تظلين أرملة.. ونظرة الناس والجيران ما ترحم. تنهدت األم بعمق قبل أن تجيب بإصرار هادئ:

17 –كالمك صحيح.. لو كانت سيارة خاصة، بس لما يشوفون الباص مكتوب عليه معهد خياطة.. ساعتها خالص، ما فيها شك. سادصمت لبرهة، ثمسأل: –متى التسجيل؟ ومتى بتبدين؟ أجابت بنبرة غلفها أمل طري: –بكرة التسجيل.. والدراسة تبدأ مع بداية الترم الجديد، بعد شهرين. ثم أردفت بلهفة ممزوجة بالحذر: –ها وش قلت؟ توديني؟ أطرق طويال، ثم قال بصوت يحمل تحذيرا أخيرا: –شوفي.. نقول خالص، توكلي على هللا. لكن بشرط.. إذا ما عجبنا الحال، وقلنا لك أقعدي، ساعتها ما نبي عناد وال مشاكل. ومن المعهد للبيت، ومن البيت للمعهد. –أبشر.. ما به أي مشاكل. نهض مغادرا، ثم دفع الباب دفعا عنيفا ليصطدم بالجدار محدثا دويا أيقظ الذعر في أركان البيت. تسللت سيما إلى الصالة بخطوات وئيدة، وقلبها يخفق اضطرابا، وسألت أمها بصوت متهدج: –يمه.. وش فيه خالي؟ تداركت األم الموقف بابتسامة باردة، فأجابت:

18 –والشي يــقلبي.. بس قررت أدخل معهد خياطة. أومضت عينا الطفلة ببريق األمل، وقالت بلهفة: –هللا! خياطة؟ بس أنت تعرفين تخيطين، سويتي لي مريولي وطلع يجنن! ضحكت األم، وهي تحاول كبح دمعة محبوسة: –إي أعرف.. بس المعهد إذا خلصت يعطوني فلوسوبفتحمشغل كبير. قالت سيما ببراءة طفولية: –هللا! يعني بنصير أغنياء؟ أجابتها وهي تربت على كتفها بحنو ّموجع: –إن شاء هللا.. وأشتري لك لعبة باربي. اتسعت عينا الطفلة وهي تسترسل في أحالمها: –إي أبغى البيت حقها، ومع سياراتها ومالبسها، مثل بنت خالتيمزنه، عندها بيت يجنن لباربي، وزوج باربي، وسيارة، ومالبس بالخزانة.. كل يوم تلبسها بيجامة أو فستان. غصّت األم بمرارة الواقع، ثم مسحت على رأس ابنتها وقالت بصوت خفيض: –أبشري يــعمري، بشتري لك بيت باربي.. وأجيب لناصر بدلة الشرطي، ولفالح بدلة سبايدرمان، وأشتري لكم كل اللي تتمنونه. قالت سيما وهي تضم أمها:

19 –أحبك يمه. ردت األم بنبرة يملؤها الشجن: –وأنا أحبك أكثر. طبعت قبلة على جبينها وهمست: –يال روحي اغسلي وجهك ومشطي شعرك.. تعالي أفطّرك وتخلصين واجباتك، بكرة بداية أسبوع جديد وجميل. أجابتها: –إن شاء هللا. ✼✼✼ مضت األيام، وألحقت األم نفسها بذلك المعهد، تنهل منه حرفة تأمل أن تكون طوق نجاتها، ظلت عاما كامال تسابق الزمن وتصارع التعب، غير أن أقدار الحياة أبت إال أن تضيق ذرعا بأحالمها الصغيرة. في صيف الهب، جاء مالك المنزل التي تقطن فيه ليخط ّ بيده نهاية االستقرار، مطالبا بإخالء المنزل ليسكن فيه ابنه العريس. استسلمت األم لبرهة من الضعف، ثم طرقت باب أخيها طلبا للمساعدة، وبعد نقاش عقيم لم يجد معه استعطاف األرملة نفعا، منحت فرصة أخيرة حتى انقضاء الصيف. كان ذلك اإلرجاء بمثابة تمديد لفترة المعاناة ال أكثر. ومع استحالة العثور على منزل قريب، توارت عن الحي الذي ألفت تفاصيله، لتجد نفسها في منطقة قصية، نائية عن حلمها. وحين أعلن المعهد تعذّر وصول

20 حافلتهم إلى ذلك المكان البعيد، توقفت أحالمها عن النمو، وتالشت آمال المشغل في سراب الواقع، تاركة إياها تواجه غبار الحياة وحيدة. رغم كل تلك الندوب، كانت حياتهم تزهو ببساطة عذبة، عائلة صغيرة لم تزل براعمها في مهد الغضاضة، يحتضنهم بيت متواضع، لكن جدرانه تنبض بدفء يفوق فخامة القصور، فالمحبة فيه أثاث أبدي ّ ال يعتريه البلى. في عطلة نهاية األسبوع، حينترتخىقيود الوقت، يستيقظون على مهل، وتداعب شمس الصباح جفونهم وهي تتسلل من خلف النوافذ. يتسلل اإلخوة إلى المطبخ بينما غارقة أمهم في نوم هادئ، وما هي إال لحظات حتى يمأل صوت صخب المقالة المكان، وتفوح رائحة البيض المقلي لتوقظ الغرف الساكنة. يجلسون حول المائدة المتواضعة، يضحكون ويتناوشون القطع بعبثية، وكأن ذلك اإلفطار وليمة ملكية. يلتفون حول التلفاز، تلك الشاشة الصغيرة التي ترتجف صورتها، لكنها في أعينهم نافذة تطل على عوالم مدهشة، يتابعون أفالم الكرتون بقلوب صافية، ينسون فيها العالم وما فيه. ومع انكسار حدة الشمس في العصر، يهرعون إلى البقالة المجاورة، يقتنصون الفشفاش، وقطع الكيك، وعلب العصير الباردة، ثم يعودون مسرعين خشية أن تفوتهم برامجهم المفضلة. يجلسون متراصين يراقبون كابتن ماجد بحماس يفيض، أو يغرقون في تفاصيل جزيرة الكنز، ثم افتح يــسمسم، في نظام مقدس ال يجرؤ أحد على انتهاكه. أما سهراتهم فقد كانت لها طقوس، حيث يتوجهون نحو محل تأجير األشرطة، يقفون طويال أمام األرفف، يتجادلون ويقهقهون حتى يظفروا بفيلم هندي مغرق في الشجن، أو آخر أجنبي يضج

21 بالمغامرات. يعودون للمنزل كأنهم ظفروا بكنز ثمين، يغرقون في الظالل الخافتة، يتشاركون المكسرات والفاكهة، بينما يتردد صدى ضحكاتهم في أرجاء المكان. في تلك اللحظات، لم يكن ثمة وجود للفقد، أو األلم، أو األسئلة، أو ثقل التحكم والحقد.. فقط عائلة صغيرة تقتات على الحب والسالم منبراءةال تنضب. ✼✼✼ في إحدى الزيارات لخالتهم التي تسكن جوارهم، والتي كانت امرأة يفيض وجهها بالوقار واللطف، تبدو ميسورة الحال رغم تواضع مظهرها، تمتلك حكمة هادئة في إدارة شؤونها،ّ وتأسر القلوب بحديثها العذب الذي ال يملمنه، وبينماكان الحوار ينساب بعفوية، أطلقت الخالة شرارة فكرة غير متوقعة، مالت نحوها بجدية وقالت: –اسمعي يــخيتي، ما شاء هللا خياطك يجنن، وأنت بعد تعلمتي السنة اللي سجلتي فيها، ليه ما نستفيد من هالشي؟ تبادلت األم النظرات معها في صمت مريب، فاستطردت الخالة بحماس متقد: –الغرفتين اللي برا فاضيات، وحدة فيهم نخليها مشغل صغير. أنت تجين من الصبح تخيطين، وأنا أجيب لك زباين من صاحباتي واللي حولنا. وإذا هللا كتب، يطلع لك دخل زين كل شهر، وأنا بعد أستفيد معك. وش رايك؟ خيم صمت عميق، لم يكن صمت رفض، بل صمت فكرة ولدت لتوها وبدأت تشرع أجنحتها في الذهن. ابتسمت األم بخجل، وكأنها تلمس حلما طالما خافت االقتراب منه: –وهللا أتمنى، بس البيت والعيال..

22 قاطعتها الخالة وهي تشير بيدها بثقة، كأنها أعدت العدة لكل شيء: –ال يــحبيبتي، األمور سهلة. الصبح تشتغلين وعيالك بالمدارس حول ثمان ساعات، ولما يرجعون عيالك ترجعين لهم، تغدينهم وتدرسينهم، وبعدين تجين كم ساعة بالمغرب إذا حبيتي. والبيت جنب البيت، ال تعب وال شي. تالشت غيوم القلق، وانبثقت من ثنايا روحها ضحكة، ملؤها الرضا والسكينة، فقالت بصوت متهدج: –ياليت وهللا… أتمنى. رددت عليها بحماس يملؤه اليقين: –خالص! بقول ألخونا جمعان يجهز الغرفة. نجيب ماكينة زينة، ولوازم خياطة، وطاولة قص، وكنبة بعد… في شي ناقص؟ أجابتني وهي تمسح دمعة رقيقة: –ال يــّبعدي، ما قصرتي. وفي غضون عشرة أيام، طوت األيام صفحة الركود، وأشرقت شمس جديدة على الغرفة المهجورة؛ تحولت زواياها إلى مشغل ينبض بالحياة، وعلى عتبة الباب، علقت الفتة بسيطة، كانت بمثابة إعالن عن ميالد كينونة جديدة: (يوجد هنا خياطة).

23 لم تكن الكلمات على اللوحة سوى بداية لحكاية أطول، إذ توافدت النسوة تباعا، محمالت باألقمشة الملونة وآمال األفراح التي انتظرت طويال. ومع كلثوب يـــحاك، كان المكان يتسع في المعنى والبركة. تسارعت األيام تسعة أشهر كأنها ومضة، زاد فيها الطلب، وتحسنت األرزاق، لكن األثر األعظم تجلى في بريق عيني األم؛ لقد غدت تشعر بأنها جزء ال يتجزأ من نبض الحياة، لم تعد حبيسة الجدران، بل باتت تترك أثرا يتردد صداه في بيوت الناس. وصارت تدعى لألفراحتكريما ليدها التي أتقنت الصنعة، لتعود إلى البيت محملة بزهو المرأة التي أثبتت وجودها. ✼✼✼ وفي ظهيرة يوم بدت مالمحه مألوفة، خرجت األم كعادتها، يرافقها فالح وناصر، بينما بقيت سيما في البيت تحرس هدوء المكان، تغوص فيكتبها، كانهذا اليوم يحمل في طياته غصة غير مفهومة، وضجرا دفع سيما لترك خلوتها. ترددت قليال، ثم سارت بخطوات واثقة نحو بيت خالتها. وصلت، وما إن دخلت حتى قالت بعجلة: –بس بسلم على خالتي. أتمت التحية على خالتها التي كانت في مجلسها بصحبة صديقتها، ثم استأذنت وتبخترت بين غرف المنزل. وقعت عيناها على فالح وهو يلهو مع ابنة خالتها الصغرى في غرفة األلعاب تحت عين العاملة، لكن ناصر كان غائبا عن المشهد، وكأن المكان يفتقد قطعة من لغز غامض. تسمرت في مكانها، وقد خذلها الوجل، فنادت بصوت واه يلفه االرتباك:

24 –ناصر؟ لم يأتها جواب، فمضت ترتقي الدرجات ووقع خطاها يثقله الخوف، حتى بلغت باب الغرفة. ترددت لحظة، ثم أشرعت الباب لتبصر أخيها الصغير الذي لم يبلغ عامه التاسع مع ابن خالتها الصغيراللذان جفال عند رؤيتها. –ناصريــزفت وش جالس تسوي أنت وياه؟يــاللي ما تستحونيــ قليلين األدب. بدون قصد منهاوبدونأن تنتبه أن صوتها العالي قد جلباألقدام المتسارعة، وتدافع الجميع نحوها. حضر الخال جمعان، وقد عال وجهه زيف الغضب وعنفوانه، تقدم بخطوات تتوعد العاصفة، وقبل أن تالمس يده الصغيرين، انبرى صوت الخالةمزنهحادا كالسيف: –اترك ولدي… عنده أب يربيه. ثم انشطر المكان نصفين في حضرة التبرير واإلنكار. أفلت جمعان فيصل، لكن يده ظلت قابضة على ناصر، دون أدنى نية للرحمة. على من ماله والد وأمه ال تعرف من الشجاعة تعريف. تجلت مالمح االرتجاف على وجه ناصر، تنهمر دموعه انهمارا موجعا، تتوسل عيناه استغاثة ال يقوى صوته على بثها، باحثا عن مالذ في وجه أمه التي تجمدت في مكانها، وقد كبل الخوفمن أخيهاأوصالها وحال بينها وبين نجدته. اقتاده الخال بقسوة، وخطواته في الممر تتردد أصداؤها كإيذان بنذير شؤم. وما إن دلف به إلى الغرفة الخالية المجاورة للمشغل، حتى رماه على األرض، لتنهال عليه ضربات يده تارة، وسياط هوز الماء تارة أخرى. كان يغلف وعيه بكلمات ثقيلة كالصخر، غامضة على إدراكه الطفولي، لكنها كانت كافية لزرع الرعب في أعماقه.

25 انصرمت سبعة أيام وناصر يغلفه سكون العزلة، ال تقع عليه عين وال يتردد في األرجاء سوى نحيبه المكتوم. خيم على أركان المنزل صمت موجع، يضج بالتوتر كأن القاطنين فيه يمشون فوق جمر التوجس، متجنبين الخوض في غمار ما حدث، غير أن النذر كانت توحي بأن نيران األزمة لم تخمد بعد. كانت سيما تعبر رواق الغرفة، فتتوقف خطواتها كلما تسلل إلى مسامعها بكاء أخيها الصغير. كان صدرها يضيق بألمحارق، إذ لم تكن تحتمل قسوة خالها في تأديب الصغير، وكانت تلك القسوة توقد في أعماقها نارا من الحقدتجاه خالها، بينما تحول حقد أخيها عليها إلى سم ينهش قلبه وقلبها معا. وجدت سيما نفسها عاجزة، مقيدة ال تملك وسيلة لحمايته، فلم يكن أمامها سوى الصمت الذي أخذ يلتهم روحها وروح ناصر يوما بعد يوم. وفي أعماق نفسها، ظل ندم مرير يالحقها بسبب تلك الصرخة التي أطلقتهاعلى غفله. وكمحدثت نفسهامراراوتكرارا: –يــ ليتني كنت الهية بكتبي ودروسي ذيك الليلة، بدال ما أطلعوأحوسالدنيا. وفيختام ذلك األسبوع، أعلنت الخالة عن رغبتها في إغالق المشغل، ليخبو حلم األم قبل أن يستبين. ✼✼✼ تصرّمت السنون خلسة، واستحالت مالمح الوجود في تقلبات األيام؛ إذ نما الغراسوتسامق، فتبدّلت في جنبات الدار قسمات كانت باألمس نضرة، وتغيرت معالم األجساد في تيه الزمن.

26ّ كانت سيما باألمس المديد قواما، واألقوى بأسا، فإذا بها اليوم تذوي كغصن غض ّفي مهب الخريف، تتقاصر قامتها وتتهاوى قواها أمام أخوتها الصبية وطغيان صباهم المتوثب. تلك التي كان زئير صوتها يمأل اآلفاق ويسود في أرجاء المكان، خبا بريق نبرتها، وصارت همسا ضئيال يغيب في لجّة حناجرهم الفتية القوية. لم تعد كفّها التي كانت تربّت بحنو ّ األخت الكبرى وتلملم شتاتهم، تملك إال أن تستقبل صفعات أقدارهم التي تلوح قاسية، مباغتة، تفتل الروح وتجعل دنياها تدور في فلك من العبث والذهول، وكأنما الزمان قد أعلن في هذا البيت ميثاقا جديدا؛ حيث ال شيء يثبت على عهده األول، وحيث ال بقاء إال للتحوّل الذي يمحو كل ما كان. كانت سيما تتشبث بكتبها كغريق يرجو النجاة، تفر من واقع يضيق خناقه حولها. ذلك البيت الذي كان ينبغي أن يكون سكنا، صار ميدانا لصراعات ال تنتهي، حيث تصفق األبواب غضبا، وتتحشرج األنفاس بالضيق. في غياب األب، تالشت القيود، وصار كل فرد يفرغ غضبه في اآلخر بالرحمة. حاولت سيما أن تكون صوت العقل، لكن صرخات أخوتها كانت تبتلع محاوالتها: –ال ترفعين صوتك علينا. –ال تتدخلين فينا، وش دخلك؟ –ال تطلعين من البيت أبد. –وإذا رن التلفون، إياك تردين. –ترى انتي مب أمنا، ال تسوين فيها.

27 تتراكم األوامر فوق كاهلها كأنها جبلت على الخطأ، تنحى قسرا نحو زوايا الصمت الموحش، وتسلب أدنى حقوقها حتى بات صوتها غريبا عنها. كانت في صراع دائم مع إخوتها، تحاول انتشالهم من غفلة اإلهمال وضياع الدروب، لكنهم في عيونهم الضيقة لم يروا فيها سوى امرأة ال تملك حق الوصاية. كلما تفتحت فيهم أزهار العمر، تعاظمت نزعة السيطرة، وتجذر لديهم وهم بأن الرجولة تستوجب التمرد على كل صوت أنثوي يطمح لتقويمهم. توقف ناصر عند عتبة المرحلة المتوسطة، وأوصد باب العلم خلفه بال ندم، بينما تاه فالح في متاهات الجهل حتى بالكادأكمل االبتدائية. ومع تعاقب األيام، صار المنزل بالنسبة لهما مجرد محطة عابرة، يعودان منه بوجوه أرهقها التيه، وثياب تروي قصصا عن مجالس السوء ودروب الضياع. لم تعد العالقة بين سيما وإخوتها مجرد شجار عابر، بل استحالت قطعة قماش مهترئة تنحل خيوطها أمام عواصف الجفاء. تحولت النقاشات إلى صراخ محموم، ثم إلى تدافع وأيد تمتد بوقاحة، وكلمات قاسية تجرح الروح وتترك في النفس ندوبا ال تندمل. أما األم، فكانت تقف في مهب الريح، بين أبناء يتمزقون، وقلب يفيض بالوجع. غلبها حنانها وضعفها، فصارت عاجزة عن فرض سطوة أو إصالح شأن. كانت تكتفي بكلمات مفككه ومحاوالت يائسة، لتعود بعدها إلى ركنها المظلم، تبلل ثوبها بالدموع، وتدعو بصمت محرق وهي تشاهد بناءأسرتها يتداعى حجرا إثر حجر.

28 وبعد يأس آثرت األم االرتحال إلى كنف رجل آخر، لم تكن تنشد سندا أو مأوى، بل كانت تفر من وحشة استبدت بروحها، راضية بأن تكون شريكة في الظل، تعيش على فتات زيارات عابرة، متشبثة بلقب يمنحها وهما باهتا بالسكينة. أما الزوج، فكان طيفا غريبا ال يرى في األبناء سوى عائق في طريقه، فلم يحاول مد جسور المودة، بل صار جدارا عازال بنى فجوة سحيقة بين األم وصغارها. كان األبناء يرمقونها بنظراتمليئةبمرارة الخذالن، يرقبون انسالخها التدريجي عن عالمهم، حتى وهم تحت سقف واحد؛ إذ بدت كأنها ارتدت رداء غريبا ضاق عن احتواء وجودهم، فصار الصمت المتبادل بينهم صرخة مدوية تعلن ضياع ذلك الحضن الدافئ الذي كان يوما مالذهم الوحيد. وسط ذلك الركام، كانت سيما تشيد في مخيلتها حصنا من األمل؛ الجامعة. رأت في الرياض طوق نجاة ينتشلها من تضاريس هذا البيت الموحش، عاقدة العزم على اقتفاء أثر والدها في ميدان الطب، لعلها ترمم في قادم األيام ما تهشم من ذكريات الماضي. كانت تعقد ميثاقا مع روحها في غسق كل ليلة: –ال خروج من هذا المنزل إال للجامعة.. سبع سنوات أدرس فيها، ثم أتخرج، أعمل، وأستقل بنفسي. هذا هو قدري. اعتكفت بين دفات الكتب، تقتات على السهر حتى باتت صفحاتها المبعثرة وسادتها الوحيدة التي تمتص دمع الوهن. كانت تقتفي أثر نجاة موعودة في صحيفة عكاظ، تترقب بقلب يضطرب

29 كطبول الحرب. وحين بزغ فجر النتائج، اجتمعوا في الصالة، وكانت يدها ترتجف وهي تقلب الصفحات، قبل أن ينفجر صمتها بصرخة الهثة: –الحمد هلل.. نجحت! ارتسمت على ثغرها بسمه بددت غيوم األسى، ففاضت عينا أمها بدموع التأثر، وهي تغالب حشرجة صوتها: –مبروك يــعمري. فردت سيما بنبرة يغمرها االمتنان: –هللا يباركفيك يــقلبي..الحمدهللا. توسد ناصر األريكة بمالمح ذابلة، يطلق أسرابا من الدخان الرمادي لتمتزج بوهن الهواء، لم يكن قد أتم عقده الثاني بعد، بيد أن تجاعيد القسوة بدأت ترسم خريطتها على وجهه بكرامة زائفة: –مبروك... التفتت إليه سيما، وفي عينيها بريق يغالب االنكسار: –هللا يبارك فيك... الشهادةوالمعدلالنهائي قالوا نستلمها بعد أسبوع من النتائج، المديرة أكدت لنا. تجاهل لمعة األمل في عينيها، ونفث سيجارته ببرود مستفز: –وش فايدة الشهادة؟ خالص نجحت ونجحنا وانتهى الموضوع!

30 ألقى كلماته كجمر تحت رماد، يدرك تماما أن في صدر شقيقته رغبة جامحة تعانق سقف الطموح، صمتت سيما، تالشت ابتسامتها، ورفعت رأسها بصالبة: –ال، المعدل مهم... أنا أبغى فوق٩٥% عشان أبغى أدخل طب. تعالت ضحكات ناصر، ساخرة كصدى جبل أجوف: –طب.. ما شاء هللا! انت شايفه نفسك وانت معاك ثانوي وش بتسويين يوم تصيرين دكتورة؟ اهتز كيانها، لكنها آثرت الصمت على المواجهة، ورسمت على ثغرها ابتسامه أشبه ببتله ذابلة في مهب الخريف: –يمكن ما أجيب المعدل... االختبارات كانت صعبة. انسحبت مسرعة إلى غرفتها، حيث اصطفت الكتب كجنود ينتظرون إشارة المعركة، أغمضت عينيها، ورفعت كفيها بضراعة نحو السماء، تستجدي الغيب أن يجبر كسرها بنبأ يفوق التوقعات. ومرت األيام، وكأن القدر أراد إنصافها، إذ أشرق وجهها بوهج االنتصار؛ لقد بلغت النسبة٩٧٪ لمتكن الشهادة مجرد ورق، بل كانت أجنحة ترفعها فوق قسوة األيام. ثم سارعت إلى الهاتف، تترقب صوتا يفتح لها أبواب المستقبل بجامعة الملك سعود بالرياض تستفسر عن مواعيد التسجيل في الجامعة ف جاءها صوت الموظفة عبر األسالك رزينا: –التسجيل ب يبدأ الشهر القادم يوم١٤وبيستمر لمدة أسبوعين فقط ل كلية الطب، وبعدها بثالثة أيام بيكون اختبار القدرات.

31 طوت المسافات بقلبها، والتفتت إلى والدتها بنبضات متسارعة: –يمه الزم نروح الرياض! نسجل وننتظر االختبار... نحتاج فندق أسبوع كامل، مين بيروح معنا؟ نظرت األم إليها بحيرة، ثم تمتمت بصوت خافت: –خليني أشوف ناصر... عضت سيما شفتها، كمن يتجرع غصة الخيبة قبل أوانها: –هللا يستر... ما نبي مشاكل. وإذا رفض ب نروح لحالنا عند عمي متعب. قطبت األم حاجبيها في استغراب: –عمك متعب؟ ما قد سأل عنّا. أجابت بحزم ينم عن إصرار: –يمكن... بس ها المرة أنا ب سأل عليه. ابتسمت األم، وبعد حين، ولج ناصر الغرفة، طبع قبلة فاترة على جبين والدته وجلس، وما إن طافت أحاديث النجاح حول مسامعه، حتى قالت األم بزهو: –أختك جابت معدل عالي بالحيلونبينروح نسجلها بالجامعة. تلقف ناصر الخبر، وكأنما صب فوق أحالمها وعاء من ثلج: –زين... يمهوهللااألفضل أنها تعرسوترتاحمن الدراسةوتريحنابعد

32 –يــ نظر عيني انت... العلم زين بترفعنا كلنا فوق بشهادتهاوبيجيهاناس متعلمين يتزوجنها.. انت تكرهه الخير ألختك؟ –سووا اللي براسكم بكيفكم. –وش اللي بكيفنا أحنا نحتاجك نبيك معانا تروح الرياض ب نسجل البنت. –ال ماني ب رايح.. روحوا بلحالكم. أطبق الصمت على المكان، كانت سيما تستمع للمحادثه من خلف البابوماأن ذهب ناصرحتى خرجتوقررتخوض غمار المجهول بعيدا عن ظالل أخيها. ثم قالت لوالدتها: –خليه بكيفه... ما نبيه. –وشلون يعني؟ –أنا الحين بكلم بيت عمي متعب. ونشوف ربي بيسهلها لي وال بيعقدها لي. امتدت يدها ترتجف لتخط أرقاما عتيقة، وبينما كان القلب يخفق بنبضات متسارعة، انطلق صوت مباغت من خلف سماعة الهاتف: –ألو؟ –السالم عليكم. –وعليكم السالم.. من معي؟ –أنا سيما بنت عمكم عوض.

33 –هال وهللا، هال فيك… –مين معاي؟ –أنا زوجة عمك.. وشلونكم؟ كيف طرينا على بالكم؟ –هال عمتي، شلونك؟ وش أخبارك؟ وشلون عمي وعيال عمي؟ –كلنا بخير الحمد هلل. –وهللا يــعمتي إحنا مقصرين في السؤال، لكن الدنيا مشاغل وتالهي. أجابتها العمة بنبرة يملؤها الحنين: –أي وهللا صادقة. استجمعت سيما شتات أمرها، وبشيء من التردد الذي غلفه األمل، تابعت: –بس أنا متصلة عشان عندي عشم فيكم كبير. –وش السالفة؟ –أنا جاية الرياض للتسجيل بكلية الطب بعد شهر... ممكن نستضاف عندكم حول عشرة أيام ونشوفكم؟ لم تتردد العمة في ردها، بل جاءت كلماتها كالغيث: –هللا يحييك. اتسعت عينا سيما دهشة وامتنانا:

34 –منجد وهللا؟ –وش فيه؟ –حسبت إني بكون ثقيلة عليكم. ضحكت العمة حتى تهللت أساريرها، وقالت بنبرة تفيض احتواء: –تقولين ضيفة مبساكنة؟ ...متى بالضبط بتجون؟ –الشهر اللي يجي، حول يوم٢١أو٢٢. –زين، أنا بقول لعمك. وانتي كلمينا قبل تجين. –هللايسلمك يـــعمتي وهللا ما قصرتوا.. هللا ال يخليني منكم... خالص أنا بتصل قبل أجي وأأكد عليكم، أمانه سالمي يوصل لعمي. –زين، يوصل. بأمان هللا وسلمي على الوالدة وإخوانك. أطبقت سيما الهاتف، وانطلقت كالسهم نحو أمها، يسبقها نبض متسارع بالفرح. استقبلتها األم بنظرة تحوم حولها هواجس الحيرة، وسألت بوجل: –ما عرضت تستقبلنا بالمطار؟ –ال. –مب الزم. –كفاية إنهم بيستقبلونا عندهم، كثر هللا خيرهم وال نحوس في الفنادق اللي ما تؤجر حتى حريم.

35 –صادقة... على بركة هللا. –كمان أمس فكرت بشي. –وشو؟ –الحين ترى أنت يحق لك تروحين تصرفين حقوقك من ورث أبوك. تهدلت مالمح سيما باالستغراب، وارتسمت على وجهها عالمات الحيرة، فاستفسرت قائلة: –ها! شلون؟ –إي، صار عمرك ثمانتعش سنة. الزم نروح عرعر قبل نسافر الرياض، هناك يبغالنا مصاريف. –أوف... وكم تاخذ؟ –وهللا ما أعرف... بس الزم نمشي بسرعة. بكلم ناصر نتحرك ونروح عند عمامك في عرعر. –عند مين؟ –بيت عمك حمد وزوجته وعيال عمك، ننزل عندهم دايم يسألون عنكم. –اي صحيح يسألون عننا باألعيادوالمناسبات. –المهم في حبل وصل. –صادقة.. طيب، اتصلي عليها. –أي بتصل العصريات. ثم أردفت:

36 –وشكليبروح أزور جاراتي القديمات ب طريف. تساءلت سيما باهتمام: –من جاراتك؟ أجابتها األم بذكريات دافئة وهي تتنهد: –بيت كساب وبيت أم نايفوأمأنور بيوت كثيرة. –عند صاحبات طفولتي. قالت سيما وهي تنهي الحوار: –طيب... كلمي ناصر. لم يكد الصمت يخيم على الغرفة حتى انفتح الباب، مقتحما خصوصيتهما بخطوات واثقة لناصر، الذي قال وكأنه استرق السمع خلف الجدار: –وش فيه تتكلمون عني؟ التفتت األم إليه بينما ظلت سيما متسمرة في مكانها، وقالت: –نبي نروح عرعر نصرف ورث سيما، صارت ثمانتعش سنة. جحظت عينا ناصر وتملكه الذهول: –باهلل؟ من فين؟ وكم يطلع لها؟ أجابته األم بنبرة يغلفها األمل:

37 –الزم من عرعر. ما نعرف كم، بس ظنتي حول الثالثين ألف. نظر إليهما ببصيرة حذرة قبل أن يلقي سؤاله األخير: –يعني بتسافرون؟ تالشت غيوم الكآبة عن وجه األم حين ألقت بكلماتها كبشارة تحيي الموات: –إي... أنت بتسافر معنا وفالح، كلنا بنروح عند عمامك. أشرقت مالمح ناصر بابتسامة ظلت حبيسة الصدر طويال، وأجاب بنبرة يغمرها التوق: –يــ هللا... مشينا، ودي من زمان أشوفهم. تنسمت األم عبير األمل وهتفت: –أجل نرتب أغراضنا، ومن بكرة الصبح تجيب تاكسي ونروح النقل الجماعي. –خالص... زين. سرت في أرجاء المنزل روح وثابة، فمهما باعدت ظروف الدهر بين األحبة، يظل لوصال الرحم دبيب في الوجدان، يوقد في الروح جذوة الشوق قبل ساعة التالقي. كانت رحلة تضج بالعناء، تطوي الفيافي والقفار حتى بلغت عائلة سيما تخوم مدينة عرعر، حيث استقبلتهم جدران بيت األعمام بوقار ذكريات عتيقة ودفء حفاوة ال تنضب. كان العم حمد أشبه بظالل والدهم الراحل، إال أن نزوحهم إلى الطائف أورث الروابط جفاء، حتى تالشت وتيرة التواصل بين الحين والحين. غير أن وطأة السنين تالشت في لحظة تعانق؛ حيث ذابت نظرات العتاب تحت وطأة أحضان دافئة،وأحالت القلوب إلى عهد قديم من الصفاء.

38 انقضت عشرة أيام تتأرجح بين أروقة المحاكم، حيث تالحق األسرة خيوط المواريث بين صكوك وأختام، وفيما كان الكبار يغرقون في تفاصيل اإلرث، كانت األقدار تنسج خلف األبواب المغلقة غاية أخرى، ال تمت للمادة بصلة، بل للقلوب وسكناتها. وفي ليلة عرعرية ساهرة، تجمع األقارب في المجلس الرحب؛ ضحكات تجلجل في األرجاء، وأحاديث تفيض باأللفة. وفجأة، قطع العم حمد حبل المداعبة بصوت حمل بين طياته جدية مباغتة: –وهللا ما تكمل فرحتنا إال لو نزوّج سيما لولديمساعد، أفضللها من ذي الجامعةوالهجوله... وتجلس معنا هنا في عرعر. نزلت الكلمات كالصاعقة على مسمع سيما، فانتفضت من مجلسها وقد اتسعت عيناها ذهوال، ورمقت مساعد بنظرة خاطفة؛ لتجده يتوسم مالمحه ابتسامة خجولة تفصح عن قبول صامت وعرضقائم. هتفت سيما بنبرة حادة لم يعهدها الحضور: –ال! وش مساعد؟ أول شيء أنا أكبر منه... ثاني شيء مساعد مثل أخوي! ليش تقول كذا يــ عمي؟ –وهللا الصراحة... هذي كانت رغبة أبوك هللا يرحمه. وتدخلت زوجة العم بابتسامة يشوبها االستنكار ونبرة تفيض تبريرا: –وش أخوك؟ال يــّبعدي... هذا ولد عمك، وهو يبيك حليلته.

39 انقبض فؤاد سيما ثم قالت: –ال خلينا نقفل على هالسالفة الحين. تداركت األم األمر، محاولة وأد التوتر بصوت حازم: –خالص ال تخجلوا البنت.. إحنا بكرة نصرف الورث ونمشي، والموضوع نفكر فيه ونرد لكم بعدين. أدركت سيما مسعى والدتها في إخماد النزاع، فأومأت برأسها خاضعة مصطنعه الخجل: –أي مثل ما قالت أمي. ومع ذلك، ظل قلبها يضطرب في صدرها كطير حبيس، ال تنفك تنهشه هواجس مباغتة، وكأن قدرا داهما قد دس ّ في حياتها دون استئذان. عمت الغبطة أرجاء العائلة بعد تسلم نصيب سيما من تركة أبيها، وبدا المبلغ في أعينهم كغنائم فاتحين، تفتح لهم بوابات المجد؛ فقد غدت الرياض غاية ال تخطئها اليد، والحلم الدراسي صار واقعا يلوح في األفق، ولم يعد يفصلهم عن الرحيل سوى سبعة أيام. قالت األم بنبرة يغشاها االمتنان: –الحمد هلل ماقصرتوا يــعيال العم... خلصنا من ورث سيما، وبكرة نمشي الطايف، باقي أسبوع ونروح الرياض نسجلها في الجامعة. هنا، قاطعتهم زوجة العم، ملوحة برأسها في دالل:

40 –أوف! وشو له التعب؟ ليه تروحون الطايف وبعدين الرياض؟ اطلعوا من هنا للرياض على طول. ابتسمت األم بود: –شلون؟ ال.. ال ما نبي نكلف عليكم. فتدخلت مرام، ابنة العم، بوجل ممتزج بحياء: –ال يــخالتي، ما في كلفة... بالعكس، أبركها ساعة. تطايرت الحروف من شفتيها كأوراق خريفية تتساقط على رصيف الصمت، بينما تسللت نظرة حذرة من خلف نقابها، كاشفة عن عينين غائرتين في بحر من الفتنة، كعيون غزال أضل سربه في فيافي الصحار، وقد زاد سواد الكحل من حدة بريقهما تحت رموش وارفة الظالل. انصبت تلك النظرة نحو ناصر الجالس في كنف والدته، محملة بفيض من شجون مكبوتة وأسرار لم تجد طريقها للبوح، وكأنها مرآة تعكس وجدا يستعصي على البيان. قطع ناصر حبل هذا الصمت المريب بضحكة مجلجلة مألت أركان المكان كأنها الزغاريد في العرس، ثم التفت إليها قائال: –خالص يمه، حرمة عمي صادقة، تعب نروح الطايف وبعدين نطلع للرياض. عقبت األم باستنكار: –المشكلة بس أناوسيمااللي بنسافر... نسيت إنك قلت ما تبي تطلع معنا؟ ألقى ناصر ابتسامة ملغومة:

41 –ال، نطلع معكم أنا وفالح. نزور بيت عمي متعبوأوديكمالجامعة بالتاكسي.. بكون معاكم. تعالت موافقات الحاضرين، ولم تملك سيما إال أن تبتسم، فقد رأت في أخيها تحوال جذريا، من قلب جاف إلى روح طروبة طريه، وحدثت نفسها: –الحب وما يسوي... المهم إنه صار طيب. في غمرة الصخب، أومأ ناصر لوالدته، فانعزال في إحدى الغرف، فسألته بوجل: –وش فيه؟ عسى ما شر؟ تردد لبرهة قبل أن يبوح بمكنونه: –يمه... نبي ننقل عرعر، نسكن هنا. شهقت األم في ذهول: –بسم هللا! وش تقول؟ وش جاك ننقل هنا؟ –إيه يمه.. نبي نكون جنب أعمامي. عندي ثالثة أعمام هنا، حتى لو مشغولين، يظلون عزوتنا. وش لنا بالطايف؟ أطرقت األم رأسها، وعيناها تجوبان فراغا ال يراه غيرها، ثم همست بصوت واهن: –عندنا أهلي.. خوالك. لم يرتجف، بل هز كتفيه بحركة توحي بضيق مكتوم وهو يحدق في أديم األرض:

42 –خوالي ما كانوا يوم يحبونا. ما شفنا منهم إال يد تضرب، وصوت يأمر.. ال تنكرين يمه، أنت أكثر وحدة ذاقت منهم المر بعد وفاة أبونا. كانوا يتعاملون معنا وكأننا حمل زائد، وطول الوقت منكديين علينا. استجمع شتات نفسه، وأردف بصوت غلفت نبراته رغبة عارمة في الخالص: –بس أنا الحين عمري ستعش.. صرت كبير. نقدر نفتح بيتنا بأنفسنا. خلينا ندور بيت قريب منهم هاالسبوع، سيما تدفع مقدم الشقة من ورثها.. وبعدها نروح الرياض، وإذا خلصنا نرجع الطايف نجيب العفش. تنهدت األم، كأنها تحاول إزاحة جبل جثم على صدرها لسنوات: –ال حول وال قوة إال باهلل.. وش األفكار الليتجيبها يــولدي؟ مد يده يصافح كفها المتعب، بلمسة يملؤها الرجاءويقبلها: –قولي تم يمه.. أرجوك. دخلت سيما متسائله: –وش فيكم ما تبون تجلسون؟ قالت األم: –أال أخوك يبينا نجلس هنا على طول يبينا ننقل. –هللاوهللافكره ماهي بشينه. قال ناصر:

43 –أي وهللا أنا قلت لها ندور لنا بيتوأنتتدفعين المقدموأنابدور شغل. –أبشر أدفع المقدموأشتريلكسيارة. –قولي وهللا؟ –وهللاالعظيم دو لكسيارةكرسيدا حول خمس ست األف وهللا يبارك لك. –هللا يسعدكوهللاكفو أختي. أشرقت أساريرهوخرجل لقاء أوالد عمومته. كان الرحيل غاية ممكنة. فناصر وفالح ال يقيدهما قيد مدرسة أو التزام وظيفة، ورزقهم يأتيهم من راتب هزيل ال يسمن وال يغني من جوع. بدت الخطة ضربا من الجنون، غير أنها في جوهرها كانت طوق النجاة. مضت األيام تترجم حلمهم واقعا، وحطوا رحالهم في قلب الرياض. نزلوا في رحاب فندق بضاحية هادئة قريبه من الجامعة، ولم يتوانوا عن زيارة عمهم متعب. أما سيما، فكانت كمن يخط بيمينه قدرا جديدا؛ دفعت أوراقها لكلية الطب، وخاضت اختبار القدرات بقلب يقرع كطبول الحرب، وكأن مصير العائلة بأسره معلق بتلك اللحظات. ثالثة أيام من الترقب الذي ينهش الروح حتى جاءت اللحظة الموعودة.. كصاعقة بثت الضياء في عتمة أيامهم. تسلل نبأ القبول إلى مسامع سيما، فاستحالت الحروف أمام ناظريها طيفا مباغتا، وسكنت أطرافها كأنها شدت إلى أرض غير أرضها. لم تلبث تلك السكينة أن تبددت بفيض من رعشات

44 الفرح، حتى انهمرت العبرات منها كالودق، ورمت بجسدها على األريكة تغالبها غصة البكاء بضحكات متهدجة. لم يعد الطموح خياال يراود المنام، بل غدا حقيقة ناطقة، نحتتها عزيمتها في الصخر، وسقتها بماء الصبر سنين طواال..

45 حقيية الأوليال–معيةحلة الجاالمر جرء الثانيال مع إشراقة أول صباح لها في سكن الطالبات، توشحت مباني عليشة برداء من ضياء الشمس الدافئ، وبدت صروحا عريقة يلفها وقار البياض، بينما تمايل النخيل حولها كأنها تتهادى مع أنفاس الرياض العليلة. في ركن قصي بالدور الثالث، استفاقت سيما على إيقاع الخطوات الخافتة في الممر وأصوات الصبايا اللواتي كن يتسابقن نحو روتين الصباح. كانت غرفتها مالذا صغيرا يشي ببدء رحلة االستقالل، حيث يرتكز سرير خشبي بهدوء، وتتزين خزانة عتيقة بمرآة تعكس أحالمها، بينما أضفت الثالجة الصغيرة على الزاوية لمسة دافئة تشبه دفء البيوت البعيدة. تسلل إلى أعماق سيما شعور لم تألفه سابقا، كأنها اكتشفت رقعة جغرافية من روحها لم تطأها قدم من قبل، عالم خاص يتنفس بوعود المجهول وشهوة االكتشاف بعيدا عن صخب العائلة. غادرت غرفتها، تتأرجح خطواتها بين رجفة التوجس ووثبة الحماس. انسابت في الممرات الطويلة التي تصطف على جنباتها األبواب كحراس أسرار، بينما تمازجت في األرجاء أصداء ضحكات الفتيات مع عبق البن ّالدافئ المتسلل من المطبخ الجماعي. توقفت عند لوحة إعالنية مكتظة بقصاصات الورق؛ مواعيد الحافالت، دعوات للترفيه،وتحذيرات إدارية، كلها ترسم مالمح حياتها الجديدة. وعند تقاطع الممرات، تاهت بوصلتها بين الدرج الملتويواألخرمحاوله أن تتذكر تعليمات المشرفة التي تبخرت أمام هيبة المكان.

46 حطت رحالها في حديقة غنّاء مفروشه ب أرض عشبيه طريه تفترشها فتاتان بحديث وود ّيغلفان المكان، اقتربت سيما بحياء يسبق يديها: –السالم عليكم. –وعليكم السالم. –لو سمحتي… وين المطعم والسوبرماركت؟ –المطعم آخر الطريق هذا، على يمينك، والسوبرماركت قدامك بالضبط. رمقت سيما المبنى الماثل أمامها بارتياب وسألت مستغربه: –هذا؟ تجاوب ضحك األخرى بمودة: –إيه، شكله صغير من بره، بس من الداخل كبير ويكفي كل البنات. –طيب… والمغسلة؟ –المغسلة والطباعة ومحل المالبس… كلهم على يسارك تحت الدرج الطويل اللي يودي الوحدة الرابعة. أضاءت مالمح سيما بامتنان: –هللا، شكرا مره. –العفو… إنت مستجدة؟ بأي وحدة؟

47 –الثانية. –حتى إحنا في الوحدة الثانية. –وهللا؟ زين… كيف الوحدة والمشرفات؟ ارتسمت على ثغر إحداهماابتسامهذات مغزى، وأردفت بنبرة فضولية: –قبل كل شي، ما تعرّفنا عليك؟ أجابت سيما بمالمح هادئة: –أنا سيما، كلية الطب. ردت األخرى بحفاوة: –تشرفنا.. أنا زينب وهذي سجى، إحنا في كلية العلوم التطبيقية. ثم تابعت زينب بلهجتها البحرينية الجذابة. –بس أسمش سيما وايد حلو. –انت األحلى شكرا لك. عقبت سجى وهي تلوح بيدها: –الوحدة الثانية تجنن وفيها أبلة تهاني وأبلة فوقية، زي العسل بس شديدات وقت قفل الوحدة. –تقفل الوحدة؟

48 –إي.. الوحدات كلها تقفل الباب الساعة١٢بالليل، وبعدها تلف المشرفة تشوفك إذا كنت بالغرفة أوال. –وين بنكون يعني.. السكن مقفل؟ والجدران عاليه ما أحد يقدر يطبق من فوقها؟ أجابتها سجى بضحكة خافتة: –ما ندري، هذا نظامهم. إحنا غرفتنا في الدور الثاني، وإنت؟ –أنا في الثالث. –تمام.. نشوفك إن شاء هللا. –إن شاء هللا. مضت سيما في طريقها تستكشف أروقة المكان، بينما خفقات قلبها تتسارع بنشوة غامضة؛ فاليوم يمثل افتتاحية ألسفار حياتها الجديدة، حيث تغلف جدران السكن أسرارا دقيقة، وتنسج كل طالبة خيوط حكايتها الخاصة. ✼✼✼ انقضت أيام سيما في عامها التحضيري بجامعة الملك سعود كأنها أسراب طير مهاجرة، تقطع المسافات بين قاعات المحاضرات الفسيحة التي تضج بوقع أقدام الطالبات. كانت تستقي من فيض األساتذة المعرفي شغفا يوقظ سكون روحها، وتنغمس في عالم جديد كليا، تتنقل بين الدروس وهي ترفل في نشوة اكتشاف الذات.

49 في رحاب جامعة الملك سعود ب عليشة، كانت الحياة تضج بحيوية فوارة، كأنما الفناء لوحة تتحرك بألوان الزهو؛ فتيات يختلن في أبهى حللهن أمام ردهات الكافتيريا، تتمايل بينهن الحكايات العابرة، وتنسج خيوط الوعود بمذاكرة مشتركة، بينما تتعالى الهمسات الممتزجة بنبرات التوجس من صرامة أستاذة، أو تعقيدات مقرر عصيّ. وعلى طرف الرصيف، كانت سيما تقبع في سكون مراقب، عيناها ترصدان تفاصيل الغاديات والرائحات، تقتنص من حركاتهن، وأناقة مالبسهن، وتفنن شعورهن، ما يمنحها دروسا في بساطة الوجود. ✼✼✼ وحين تسكن األرواح إلى أروقة السكن الجامعي، كان المكان يعبق بدفء إنساني ّنديّ؛ حيث تمتزج أنغام المذياع بخيوط البخار المتصاعدة من أقداح القهوة، لتغزل سيما من وسط ذلك الصخب شرنقة من الطمأنينة التي تبلسم ندوب روحها. ومضت األيام تهمس في أعماقها ببوادر انتماء وليد، حتى تالشت غشاوة القسوة التي كبّلتها طويال، ذائبة تحت وطأة فيض من المودة التي احتضنتها، كأنما الروح أخيرا قد وجدت موطنها األليف. وفي مساء خيم فيه الوجل، وقفت أمام كبينة الهاتف العمومي، تنتظر دورها وسط ضجيج الطالبات الالتي يحملن في حقائبهن نذرا من القلق والشوق. ولجت الكبينة، أطبقت الباب الزجاجي الذي يعزلها عن ضجيج العالم، وأدارت أرقام الهاتف. حين وصلها صوت والدتها عبر األثير، تصدعتجدران صمتها، وقالت بصوت متهدج: –هال يمه، شلونك؟

50 جاء صوت األم تعبا: –الحمد هلل يمه.. –صوتك مب عاجبني، فيك شي؟ –ال.. بس أنا حاملوهللا. تجمدت الحروف في حنجرة سيما، كأنما باغتتها عاصفة من الذهول، قبل أن تستجمع شتات نفسها وتهتف على عجل: –وشلون؟ قصدي ليه؟ –وش اللي شلون وليه عندي رجل. سكتت ثم قالت: –مبروك جعلك تقومين بالسالمة. –هللا يسلمك.. كم باقي تخلص الجامعةوتجيين؟ –ال، ما ب أجي.. عندنا ترم صيفي بسجل فيه. –حسبت إنك بتجين تساعديني في حملي. زفرت سيما تنهيدة أثقلت صدرها، وحاولت صبغة نبرتها بوقار متصنع، مدعية صالبة ال تملكها: –ال وهللا ما أقدر.. وبعدين عندك زوجك فرحان وين أجي أنا؟ وأخواني حولك وزوجة عمي حمد ما شاء هللا ما تفارقك.

51 ترددت األم في إجابتها: –ال.. عمك فرحان ما بيكون هنا، بيكون في طريف عند زوجته األولى وعياله، حرمته راعية مشاكل، وإخوانك ما يهتمون فيني دايم بره البيت، وزوجة عمك حمد هي بعد حامل وبيبيلها اللي يهتم بها. –حامل هي بعد؟ وش ذا موضة يعني؟ –ال بس تقول بغيت اللي يشجعني. تعالت ضحكة عابرة، تالشت بها حدة التوتر، لتعاود سيما الحديث بصوت هامس يحمل طيات الحيرة: –أممم.. طيب يمه، قروشي خلصن، وفي بنت تنتظر. أتصل عليكاألسبوع اللييجي وبفكر إذا آجيك في الصيف بقولك.. مع السالمة يمه. –معالسالمة يــحبيبتي، بأمان هللا، وانتبهي على نفسك وكلي وتغطي زين. –أبشري يمه، مع السالمة. بعد أن انفرط عقد المكالمة من بين أصابعها المرتجفة، اندفعت نحو الخارج وكأنها تفر من قدر محتوم. كانت قد أومضت في عيني والدتها كذبة بيضاء تعدها بزيارة صيفية، بينما كانت في سريرتها تقطع حبال العودة قبل أن تنسج. قطعت سيما رواق الغرف بخطوات الهثة، يتقافز في صدرها نبض متمرد يوشك أن يشي بوجلها أمام المارة، وما إن أوصدت باب غرفتها حتى انطوت على نفسها، تاركة وجهها يغوص

52 في غياهب الوسادة، تحاول طمس ذلك الضجيج الذي يعتمل في أحشائها؛ ضغينة وئيدة طبيعيه تجاه والدتها، ظلت تحاول نكرانها رغم نيرانها المستعرة. ✼✼✼ انسابت أيام الفصل الصيفي أمام سيما كأنها خيوط حريرية، طوت خاللها صفحات المقررات التمهيدية ببراعة، مستعدة لولوج رحاب كلية الطب كطالبة نظامية في العام الجديد. ثم أقبلت السنة الدراسية الثانية كفجر واعد، استقبلته سيما بروح وثابة وقلب يخفق شغفا. كانت أولى أيامها في كلية الطب ب الملز ارتدت رداءها األبيض الناصع، وكأنما تتقلد وساما، ثم سارعت الخطى نحو مدرج المحاضرات قبل الموعد بنصف ساعة. دخل الدكتور القاعة بخطوات واثقة، تلوح على محياه مالمح الحزم التي تختزن تجارب السنين، ثم ألقى ترحيبا تبعها ب كلماته التي اخترقت صمت المكان كالصاعقة: –بكرة كلكم بتروحون المشرحة، أبي أشوف من فيكم عنده جرأة يواجه الموت وجه لوجه. تجمدت الدماء في عروق سيما، وسرت في أوصالها قشعريرة ال ترحم. وفي صبيحة اليوم التالي توجهت ل المشرحة كان الهواء يلفح وجهها ببرودة قارصة، وما إن وقعت عيناها على تلك الطاوالت الفوالذية الباردة التي تحتضن أجسادا سكنتها األبدية، حتى خفق قلبها بعنف، وشعرت أن العالم من حولها قد توقف عن الدوران. تداعت عليها ذكريات الغابرين بغتة، فاستحضرت طيف والدها يوم توشح بوشاح الدخان القاتم، حين انصدمت صخرة أمنياتها بصخرة الرحيل األبدي. تسارعت وتيرة أنفاسها، وارتجفت

53 أطرافها كغصن يصارع عاصفة، حتى غادرت المكان مسرعة نحو فضاء ال يضيق، تستجدي فيه جرعة من هواء يحيي ما مات في أعماقها. تكرر اإلخفاق في محاوالت متتالية، فكلما همت باجتياز عتبة المشرحة، أحست ببرودة الموت تعتصر روحها، فتنتكس مهزومة. تملكتها رغبة عارمة في الهروب، متسائلة بينها وبين ذاتها: –يــ ربي، أهدم كل شي بنيته وتعبت عليه عشان خوفوذكرى؟ معقولة أستسلم الحين؟ أرقت األسئلة ليلها، وأضحت الوسادة شاهدا على دمع حبيس، حتى جاءت تلك األمسية التي جلست فيها مع زينب، تحت ظالل أوراق تراقصت على إيقاع النسيم الخجول. كانتزينببحرينيه األصل تكبرها بعامين، لكن حكمة الدهر استقرت في عينيها. كانت متمردة المالمح، يحيط رأسها شالل من الشعر المجعد ال يعرف الخضوع لقيد، وتصدح ضحكتها في األرجاء كأنها تعلن ملكيتها ل اللحظة. عيناها الصقريتان تلمحان ماال يـــقال، بينما يمنحها أنفها الصغير مسحة من براءة تخفي خلفها بأسا شديدا. هي ال تسعى للضوء، بل الضوء يفتش عنها، كأنما خلقت لتمتلك الصدارة في كل مشهد. حطت سيما طرفها على األرض وقالت بصوت متذبذب: –زينب... وهللا إني أفكر أترك الطب. جفلت زينب، وارتدت بجسدها إلى الخلف، وقد غدت مالمحها مرآة لدهشة استقرت في حدقتيها، ثم مالت نحوها بجدية وقالت: –وش فيك؟ ليش؟

54 اعتلت سيما سحابة من التردد، وداعبت شفتيها بأسنانها في حيرة، قبل أن تبعث بآهة حرى استقرت في أرجاء المكان: ـ زينب، من أول السنه وأنا أحس المكان خانقويومدخلونا المشرحة، حسيت الدنيا وقفت. ثم تابعت بعد سكوت: ـ الجثث على الطاوالت، البرد في المكان، ريحة المطهرات الثقيلة، كل شيء كان... خانتها الحروف، وتجمدت كلماتها في حلقها، بينما أنصتت رفيقتها بكل جوارحها. ـ ما قدرت أتنفس. طلعت أركض. جربت اليوم الثاني والثالث، لكن ما قدرت. كأني أنهار من الداخل كل مرة. أنا ضعيفة. تسللت يد زينب لتستقر على كتفها بحنان، وبنبرة مفعمة بالسكينة قالت: ـ هذا مب ضعف. فيه ناس ما يقدرون يتعاملون مع المشرحة، وعشان كذا الكلية تدخلكم لها من أول أسبوع عشان تختبر قدرتكم. وهذا شيء طبيعي. بس مب معناه إنك فشلتي، وال إن تعبك راح يضيع. رفعت سيما عينيها الغارقتين في الدمع، ووشوشت بكسر ظاهر: ـ لكن سبع سنين، كيف أعيشها وأنا كل يوم بواجه نفس العذاب؟ ما أقدر. أخاف أتخذ قرار غلط وأندم بعدين. بلمحة مشرقة بالبشر، أجابت زينب:

55 ـ مب الزم تندمين. عندك خيار التحويل. شوفي، مب الزم طب بشري، فيه في كلية األسنان أو العلوم التطبيقية تخصصات طبية محترمة: مختبرات، أشعة، عالج طبيعي، كلها مطلوبة، وفيها مستقبل كبير. واألهم، بعيدة عن المشرحة. استكانت سيما قليال في دهشة حذرة: ـ أي أنا كنت أفكرأحول. ـ إيه، إذا هذي رغبتك كل اللي تحتاجينه تكتبين خطاب توضحين فيهوضعك وتقدمينطلب تحويل رسمي. وأنا أعرف النظام، وإذا تبغين، أجي معك بكرة الصبح لمكتب العميدة ونشرح لها الموضوع سوا. ردت بامتنان: ـ زينب ما يحتاج أنا بروح بكره. طوقت زينب يدها وربتت عليها: ـ ال.. بكرة نروح سوا. –شكرا ما تقصرين. ✼✼✼ وفي صبيحة اليوم التالي، عبرت الصديقتان عتبة مكتب العميدة الدكتورة مريم، حيث يخيم صمت الهيبة والقرار. جلستا أمام ذاك الطود الخشبي العريض، بينما كانت العميدة تنقب في األوراق المكدسة بتركيز حاد. رفعت رأسها، ورتبت نظارتها، لتستقر عيناها على سيما:

56 ـ تفضلي.. أنت سيما، صح؟ أجابت سيما بصوت خجل: ـ نعم دكتورة. استلت العميدة ملفا من كومة األضابير، قلبت أوراقه بتمهل يثير الوجل، ثم رمقت سيما بابتسامة تترع باألسف: ـ درجاتك ممتازة في السنة التحضيريةومعدلكعالي جدا في الثانوية العامه، ما شاء هللا.. طالبة مجتهدة. بصراحة خسارة على كلية الطب إنك تفكرين تتركين. طأطأت سيما رأسها، وراحت تلملم أطراف قميصها بتوتر يسري في أوصالها: –دكتورة.. حاولت كثير أتحمل، لكن المشرحة وذكريات خاصة.. ما أقدر أواصل. أومأت العميدة برأسها، وتنهدت بنبرة جادة كوقع الخطوات على الرخام البارد: –مفهوم.. أنا مقدرة شعورك، لكن الزم أقول الحقيقة.. التحويل ألي تخصص في الكليات الطبية أو العالج الطبيعي صعب جدا اآلن، تأخرت في تقديم الطلب، والمقاعد في هذي الكليات قليلة ومحدودة. شعرت سيما وكأن األرض تزلزلت من تحتها، وتالشت ألوان الغرفة من حولها، التفتت نحو زينب تستجدي بصيصا من أمل، لكن العميدة باغتتها قائلة: –لكن.. ما زال عندك خيار آخر، تقدرين تتحولين ألي كلية من كليات اآلداب في عليشة. تسمرت الفتاة في مكانها، وعقد الدهشة لسانها، ثم همست:

57 –يعني.. كيف أنا تخصصي علمي. أرخت العميدة مالمحها في ابتسامة وقورة: –كثير بنات تخصصهم علمي في الثانويودخلواأداب. –أحس خساره أنا تعبت. –إذن علقي الدراسة هذا الترم وتعالي الترم القادم. –ال.. ما أبغى أوقفدراستي يــدكتورة. وضعت العميدة الملف جانبا، وقالت بوقار وهدوء: –أجل مالك غير تحولين ألي قسم أدبي، لكن بعد كذا ما راح تقدرين ترجعي ألي قسم علمي إال إذا سحبتي ملفك من الجامعة وقدمتي من جديد.. التخصص األدبي مبسجن يــسيما، هو مسار حلو ومطلوب. –بس.. ماأعرف وهللا قاطعتها العميدة برفق جم: –أي طريق تختارينه بعد اليوم راح يحمل معك هذا التعب وهذا االجتهاد، الفرق بس.. هل بتكملين وأنت مكسورة؟ أو تبدأين من جديد وأنت مرتاحة؟ مالت زينب نحوها تهمس: –فكري ال تستعجلي. رفعت سيما رأسها، والدموع تحتبس في مقلتيها كسحابة أبت أن تمطر:

58 –وأحالمي؟ ابتسمت العميدة بدفء أبوي: –األحالم ما تكون مرتبطة بمسمى واحد، يمكن حلمك ما كان الطب.. يمكن كان الشعور اللي تبغينه من حياتك. دوري عليه بأي طريق تلقينه. ال تحسبين إن الطب هو نهاية الطريق، عندنا المدرسات، والمعيدات، وسيدات األعمال، واألخصائيات.. كلهم خريجات من تخصصات مختلفة، بإمكانكتكونين دكتورة في مجال غير الطب، هذا يعتمد على اجتهادك وصبرك وعزيمتك. القرار اآلن بيدك، وأنا أساعدك باإلجراءات، شوفي أي كلية تبين تنقلين لها عشان أعطيك خطاب النقل. استنشقت سيما هواء نقيا مأل رئتيها ثم قالت بصوت سكنت فيه العاصفة: –طيب.. هللا يعطيك ألف عافية دكتورة. أخرجت العميدة ورقة بيضاء، ودفعتها نحوها بحزم رقيق وهي تقول: –أعطي هذي للسكرتيره بره مع التخصص المطلوب إذا قررت النقل. تلقفت سيما الورقة، ولم تكن حينها سوى نبض جديد يضخ الحياة في عروق حلم كان يترنح. كانت الكلمات على الورق بمثابة جواز عبور نحو ضفة أخرى، وبداية ترسم مالمحها ألول مرة بعيدا عن سطوة التوقعات.

59 كان الصمت يغلف المكان برداء الوقار،وزينبتقف بقربها كأنها ظلها الذي يترقب الفجر. وعندما بلغتا مكتب السكرتيرة، كانت الرياح قد هدأت في أعماق سيما، واستحال االضطراب سكينة. بادرت بابتسامة واثقة: –صباح الخير أستاذة. ردت السكرتيرة بود: –صباح النور. –أنا سيما، قالت لي الدكتورة مريم أجي أخذ خطاب النقل من عندك. ثم ناولتها ورقة الموافقة. فتحت السكرتيرة الدرج، وبصوت متهلل سألت: –زين، أي كليةاخترتي؟ أطبقت سيما على يقينها، ورفعت رأسها كأنما تعلن استقالل روحها: –علم النفس. تعجبت السكرتيرة قليال: –علم النفس؟متأكدةمنقرارك؟ أجابت سيما بصوت يقطر استقرارا:

60 –إيه، متأكدة. أبغى علم النفس بالذات. انتابت زينب دهشة جامحة، وقالت بصوت متهدج: –سيما! علم النفس؟ ليش؟ ما توقعتأبدا! التفتت إليها سيما، وفي عينيها بريق يفيض بالحماس الممزوج بالسكينة: –أدري إنك مستغربة، بس أنا أحب القراءة في علم النفس من زمان. أحب أفهم النفس البشرية، مشاعر الناس، ليش أرواحهم تتألم تماما مثل األلم الجسدي. تالشت الغصة من صوتها، واستحالت مالمحها لوحة من اليقين وهي تقول: –وبحول هللا، ما رح أوقف عند البكالوريوس، بكمل ماجستير وبعدها دكتوراه، يوم من األيام بفتح عيادة خاصة وأصير دكتورة نفسية، يعني مب طبيبة بشرية، بسبتبقيدكتورة. ابتسمت زينب بإعجاب: –وهللا يــسيما، كالمك مقنع، شكلك فعال لقيت نفسك أخيرا حتى وجهك منور. أما السكرتيرة، فكانت تتابع الحوار بابتسامة غامضة، أصابعها تداعب لوحة المفاتيح ببراعة، ثم طبعت الورقة وناولتها سيما وهي تهمس: –تفضلي يــدكتورة المستقبل، بس الزم دايما تختارين المواد اللي فيها علم نفس إكلينيكي مب تربوي. –حاضر، تم، شكرا جزيال لك.

61 تلقفت سيما الخطابوقلبهايخفق بنبضجديد، أبصرت المسار الذي كان غائما في أفقها، كأنها أزاحت الستار عن جوهرها المكنون. ومع انتقالها إلى رحاب قسم علم النفس، استهلت سيما فصال آخر من حكايتها، فما عادت تلك الطالبة الواجمة التي ينهشهاالقلق فيكليه الطب الكئيبة في الملز؛ بل غدت تعرف أروقة الجامعة، وتألف جدرانه التي احتضنت طموحها. وفيممرات سكن الطالبات في وحدتها الثانية، بدأت تحيك خيوط الصداقة، بعضها ذوى سريعا، وبعضها اآلخر تغلغل في وجدانها كجذر أصيل. شيئافشيئا وجدتنفسها وسط طوق من رفيقات ال يغادرنها، يجمعهن صدى الضحكات وتداخل األرواح، حيثتطورتالعالقةمن عفوية اللقاءات األولى لتتحول إلى عرف اجتماعيثابت، تحولتسيما ورفيقات دربها إلى كيان محفور في ذاكرةالمكان، يـــعرفبـ شلة الثانية. لم تعد أسماؤهن متفرقة، بل غدت ميثاقا غير مكتوب لهوية جماعية ولدت من رحم األيام، حتى صار ذكرهن مقترنا ببعضهن كأنما خلقن لنبض واحد. كانت تلك الزاوية المنسية بجوار المتجر مسرحا ألرواح ال تعرف االنكسار، تنبض بضجيج بهيج يمزق رتابة الجدران. ✼✼✼ ذات يوم، بينما كانت األجواء مشحونة بلفحات الغروب، اقتربت نجود وهي تلملم شتات ضحكتها وقالت: –يــ بنات، تخيلوا لو يجي يوم ونفترق؟ وهللا ما اتخيل أيامي بدونكم. ردت سيما وهي تتكئ علىالجدار:

62 –فالك ما قبلناه. تعالت صيحاتهن حينما عقبت أمل بمرح: –اسمعوا، ترى لو تفرقنا، بتبلشون بأنفسكم، أنا اللي ضابطة لكم السوالف والقهوة، من بيصبر عليكم غيري؟ التفتت سجى إليهن وبادرت بخفة دمها: –أنتوا أطبخوا وأنفخوا، وأنا علي بس إجيبلكم األخبار. انفجرت الفتيات بضحكات عذبة، جعلت األفق يزدان ببريق آسر وكأنما الكون بأسره قد اكتسى حلة من البهاء. كانتسجى، فارعة الطول، بشعر أسود متموج يتأرجح بين النعومة والفوضى، وتستقر غرتها على جبينها بذكاء فطري. خلف نظارات استلهمتها من طراز الستينيات، كانت تراقب العالم بنظرات حادة تخبئ خلفها خجال دفينا. وحين تضحك، كانت تستحيل طفلة تفيض براءة، تبتسم البتسامتها القلوب. كانت تمتلك ذوقا أنيقا ينساب منها دون تكلف، لعل لمدينتها الخبر ظال في تلك األناقة، في أروقة الشلة، عرفت سجى بلقب اإلذاعة المتنقلة، ليس حبا في الزلل، بل شغفا بكل ما يدور حولها. كانت تسرد الحكايات بحماس، وغالبا ما تشعل شرارة بريئة ال تقصد عواقبها، ثم تختم ضاحكة: –أنا بس قلت بحسننية!

63 أماأمل، فكانت ضجيجا ال يهدأ، بعدساتها الرمادية وقصة شعرها المتمردة كانت ترفض أن تمر في الذاكرة مرورا عابرا. تمتلك موهبة فذة في تقمص شخصيات األساتذة بحذافيرها، من نبرات الصوت إلى السعالت الصغيرة، فإذا دخلت المكان، ساد الصخب، وإذا غابت، خبا بريق المكان. أمانجودف تتسم بنزعة حادة تكسو تفاصيلها، ففي وقع خطاها وقفة المعتد ّ بنفسه، وكأنها تدرّعت بالصمت درعا، تواري مالمحها خلف قبوع الرأس، وتترك لعينيها فضاء المراقبة. تمضي بخطوات وثابة تضاهي سرعة الفتيان، وتبدو في هيئتها قاسية المراس، ال تبادر بالحديث وال تبالي بتبريرمواقفها. حين ينطق اآلخرون، تثبّت أنظارها فيهم كأنما تشرح ما وراء الحروف، مما يفرض على من حولها صمتا مهيبا. وعلى الرغم من سرعة غضبها، إال أنها تجيد كتمان انفعاالتها خلف ابتسامة مريبة. كان يجمعهن قدر كبير من الصفات المشتركة؛ خفّة ظل ال تخلو من مرح عابر، ونكد مفاجئ يأتي بال إنذار كغيمة تعبر سماء صافية، ثم تمضي. لكن أكثر ما كان يربط بينهن، ذلك التمرد الخفي الذي يسكن أرواحهن جميعا. وكم من ليال امتدّت بين ضحك ونقاش، جلسن فيها معا يتجادلن حول تفاصيل الحياة الصغيرة وكأنها قضايا كبرى، يتفقن على أشياء كثيرة، ثم يختلفن على أبسطها… ومع ذلك، لم تكن تلك الخالفات إال سببا آخر للبقاء، ال لالبتعاد. ✼✼✼ في ذلك السكن، لم تكن األيام تمضي هادئة كما بدت من الخارج، بل كانت كل زاوية فيه تحمل درسا جديدا عن قسوة الحياة. فمع مرور الوقت، بدأت الوجوه الباسمة تكتشف أن الجدران التي

64 تؤويها تخفي خلفها واقعا أكثر صالبة، واقعا تقاس فيه قيمة اإلنسان بمدى خضوعه ال بمدى حاجته. كانت المواقف تتكرر بأشكال مختلفة، لكنها تحمل المعنى ذاته؛ أن من يملك السلطة يستطيع أن يفرض إرادته حتى على أبسط التفاصيل. قد يكون األمر متعلقا بموعد للنوم، أو دقائق معدودة للراحة، أو حق بسيط في استخدام هاتف، أو حتى بكوبشاي يـــشربفي غير وقته. كل شيء كان قابال ألن يتحول إلىامتياز يـــمنحأو يـــسلبوفقا لمزاج من يملك القرار. ومع كل يوم يمضي، كانت الفتيات يدركن أن الحرمان ال يأتي دائما في صورة فقدان األشياء الكبيرة، بل قد يبدأ من انتزاع الحقوق الصغيرة، تلك التي تبدو تافهة لآلخرين لكنها تمنح اإلنسان شعورا بأنه ما زال يملك شيئا من إرادته. وعندما تسلب هذه التفاصيل الواحدة تلو األخرى، يصبح المرء غريبا عن نفسه، يراقب حياته وكأنها تدار بيد ال يملك ردّها أو االعتراض عليها. هناك، في ذلك السكن، تعلمن أن السلطة إذا تركت بال رقيب، قد تمتد لتتحكم حتى في األنفاس، وأن اإلنسان قد يجد نفسه يوما يخوض معارك مرهقة ال من أجل أحالمه الكبرى، بل من أجل أبسط حقوقه التي كان يظن يوما أنها ال تحتاج إلى مطالبة. ✼✼✼ ذات أمسية، كانت سيما تعكف على تعديلثيابها تقصالجينز ليصبح شورت قصير ترتديه في حر الرياض. وبعد أن فرغت، خرجت لتمشي في الممر، لكن حضور المشرفة المفاجئ قطع مسيرتها، حيث رصدتها بنظرات نقدية قبل أن تقترب منها، فقالت بلهجة ال تخفي صرامتها:

65 ــسيما، وش هااللبس؟ وين رايحةشكلك كذا؟ تراجعت سيما خطوة، وحاولت الحفاظ على هدوئها رغم حدة الموقف، فأجابت: ــ أي لبس؟ ذا الشورت؟ ضيّقت المشرفة عينيها وهي ترد بتهكم: –أي ذا الشورت.. روحيغيري لبسك الحين، وال أشوفك طالعة كذا مرة ثانية، فاهمة؟ زفرت سيما بضيق: ــ ليه؟ هذا سكن طالباتوالليموجود كلهن بنات مثلي. –فهمناوإذايعني بنات نقوم نتفصخونتمصلخ؟ لو سمحتي روحي غيري. –أستغفر هللا.. طيب لكن سيما كانت تتجاهل األوامر الالمنطقيه فكانت تعود الرتداء الشورت بين الحينهواألخرى. أما المشرفة كانت تتجلى كظالل كئيبة تطارد سيما في أروقة السكن، تترصد خطواتها المتمردة التي تنتهك بها صمت الممرات بظهورها المتكرر بـ الشورت. وفي لحظة حادة كشفرة، استوقفتها بمالمح جامدة، نبرة تحمل وعيدا ال يعرف اللين، وقالت: –إذا بشوفك البسة الشورت مرة ثانية بره غرفتك بكتب فيك تقريرولتنفصلين.. فاهمتني؟ اتقدت عينا سيما ببريق التحدي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، لترد بصوت لم يعبأ بالترهيب:

66 –يــ أبلة وش مشكلتك مع الشورت؟ أنا وسط بنات كلهم عندهم أفخاذ.. وال أفخاذي فتنة للبنات. ترى كالم مب منطقي. ضاقت عينا المشرفة، ونفد صبرها كشمعة أوشكت على االنطفاء، فزفرت بضيق وقالت: –أقول ال يكثر...وال تجادلين...مطلعة كراعينك وماشية. استدارت سيما ببرود متعال، ملقية بجملتها األخيرة وكأنها تنهي مشهدا هزليا ال يستحق العناء: –عنإذنك يــأبلة. انتهى الحوار ظاهريا، لكن جذوة التمرد في صدر سيما كانت تضطرم بصمت. ومع انقضاء األيام، تحولت ممراتها إلى ساحة عرض لـ الشورت المثير للجدل، تارة في األروقة وتارة أخرى في أروقة المتجر، حتى اصطدمت بقرار رسمي يهدد وجودها بالفصل. انحنت عاصفة سيما أمام تهديد الطرد، لكنها لم تكن انحناءة اقتناع، بل انحناءة المجبور. لم يمض وقت طويل حتى دوّى قرار أكثر قسوة، يحظر ارتداء السراويل تماما في أروقة السكن؛ فانتقل الخبر بين الفتيات كالنار في الهشيم، لتتحول خيوط القماش إلى شعلة قضية، والسكينة إلى صخب احتجاج. ✼✼✼ في ليلة موحشة، تجمعت الفتيات في غرفة أمل، حيث كان األكسجين يثقل بالغيظ، والكلمات تتطاير كشرارات غاضبة: ـ يعني باهلل… وش المشكلة لو لبسنا بنطلون؟ وين المنطق؟

67 قالتها زينب بحدة، بينما زفرت نجود بضيق وهي تركل األرض: ـ سخافة وهللا! زادت سجى من لهيب الموقف وقالت: ـالقرار هذاتعدّيي! هذا سكن، مب سجن. الزم نتحرك. وسط هذا الضجيج، رفعت سيما رأسها، فكان صوتها كخنجر بارد يقطع صخب الحاضرات: ـ أنا حتى ما عندي قمصان بيت أجلس فيها، كل مالبسي العادية بيجامات وبنطلونات.. المهم خلونا نفكر بعقل. ما راح يسمعون لنا إال إذا تكلمنا كلنا… بصوت واحد. نكتب خطاب اعتراض، ونخليه موقع من أكبر عدد ممكن من الطالبات. خيم صمت على المكان، قبل أن تضيف بثبات: ـ وأنا أول وحدة أوقّع. اندفعت بجرأة نحو المكتب، استلت ورقة وخطت في أعالها بخط يفيض باإلصرار… بدأت التواقيع تتراكم كجبال من ندى، تتقافز األسماء خلف أرقام الغرف والوحدات؛ سجى، زينب، نجود، أمل. لم تلبث تلك المخطوطة أن استحالت شرارة سارية في أروقة السكن، نبضا خفيا يهز أركان الجدران دونأن يـــسمعله ضجيج. تسللت الورقة من يد ألخرى، محمّلة بعبء الموقف، وباتت كل زاوية في الممر شاهدة على تململ صامت ينشد حقا مسلوبا. كانت تلك الورقة اختبارا للبوح، فبينما اندفعت بعض الفتيات للتوقيع بلهفة كأنما أزف أوان التحرر، انزوت أخريات في صمت مريب، تلمس في عيونهن مخاوف ال تترجمها اللغة. أما

68 سيما، فكانت تقف في قلب اإلعصار، تراقب تحوّل السكن من سكون رتيب إلى صخب مشحون بترقب المجهول. حين بلغت القائمة ذروتها، واقتربت من الغاية المنشودة؛ وهي تقديم الخطاب لمدير اإلسكان ليناهض حظر السراويل، تجلّت المعضلة في المئة توقيع المتبقية. قالت سيما وهي تقلب الورقة بتمهل: –جمعنا تسعمية… بقي لنا مئة فقط، وش الراي؟ هزت سجى رأسها بحزم: –عدد البنات ألفين وسبعمئة تقريبا، الزم نجيب ألف توقيع على األقل.. موقفنا الزم يكون قوي. تنهدت نجود وهي تفرك كفيها: –ما عاد بقى إال البنات اللي نتحاشاهم.. شلة الثامنة، والسابعة، والسادسة.. واألولى. انتفضت سيما بحدة: –ال، ال.. ذولي بالذات ال! إذا رحنا لهم يمكن نتهاوش معهم. ثم استدركت بضحكة ساخرة وهي تقلد نبرة غاضبة: –تذكرن يوم كنا نلعب تحت المطر؟ يوم ناديت أخت نوف ذيك البنت المستجدة اللي كانت تطالعناومبتسمهعشان تلعبمعنا،فجأة جت أختها تصرخ: ال تقربوا من أختي! كأننا شباب جالسين نعاكس أستغفر هللا! ضجت الغرفة بضحكات الفتيات، وتهدجت أنفاسهن بين غيظ مضحك وذكريات مريرة.

69 قالت أمل تحاول ضبط انفعالها: –طيب.. بنات السادسة يمكن يوقعون، ذولي مشكلتهم بس لسانهم طويل. رمقتها سيما بابتسامة مراوغة: –خالص، مهمة السادسةعليك يــأمل. اتسعت عينا أمل بذهول مبالغ فيه: –أنا؟! ال.. مستحيل، أخاف يفشلوني قدام الكل. تعالت ضحكات الجميع ثم تالشت الحماسة في األرجاء شيئا فشيئا، وبدأت الفتيات يتبادلن حديثا تتخلله ضحكات ساخرة، حين قالت إحداهن بنبرة متهكمة: –بيفشلونك مب عشان شيء… بس ألنهم دايم بالقمصان ما يلبسون بنطلونات! ما شفت شكريّة؟ تمشي رافعة القميص كذا… (وبدأتالتقليد). انفجر المجلس بضحكات جماعية، وتعالت األصوات قائلة: –صادقة وهللا! وما إن خفت حدة الضحك، حتى نأت أمل بنفسها عن الحوار، وقطعت حبل األفكار قائلة بلهجة عازمة: –طيب… أنا بروح لبنات السابعة.

70 خيم صمت ثقيل، ليس بدافع الوجل، بل كان تأمال في كيان ذلك الفريق. لم تكن ثمة ضغينة بين سيما وصاحباتها وبين أولئك الفتيات، غير أن حاجزا خفيا كان يصد االقتراب. ربما هو ذلك اإلحساس المتجذر بأن تلك الفتيات يفيضون كماال، وأن مجاورتهم تستوجب ارتقاء في النفس. كن ّ يعشن في عزلة اختيارية، إذ نسجن حول غرفهن المتراصة عالما خاصا يضم مطبخا ومجلسا، خلف باب موصد تعلوه الفتة جامدة–ممنوع اإلزعاج–لم تكن مجرد لوحة، بل كانت تسييجالحدود.وفيدهاليز الجامعة، كان ذكرهن مقرونا بالتفوق الذي يسبق األلقاب، حتى المشرفات اللواتي يفرضن الهيبة، كن ّ ينحنين أمام سطوة نجاحهن الهادئ. ✼✼✼ في صباح الجمعة، حيث السكون يغشى المكان، حزمت سيما ومن معها أمرهن، وقصدن جناح السابعة. طرقت األبواب، فانفرج الباب عنبيان، التي كان حضورها يفرض ذاته؛ شعرها المسدول يتراقص مع حركتها كأنه وتيرة موسيقية، وبشرتها الشفافة تتألأل بنور فطري ال يحتاج مساحيق. أما بسمتها، فكانت أيقونة من الصفاء. تسمرت بيان للحظة، استوعبت فيها المشهد، ثم همست بهدوء: –أهلين. ردت سيما بابتسامة مرتابة: –أهلين… إحنا جايين عشان… لم تتركها تكمل، بل استبقتها بيان بنبرة واثقة: –عشان التواقيع، صح؟

71 أومأت سيما بالموافقة، فالتفتت بيان نحو العمق ونادت بلهجة مرحة: –بنات تعالوا… شوفوا مين جا! تبادلت سيما وصديقاتها نظرات الحيرة، فقد كان الترحيب غير المتوقع لغزا لم يجدن له تفسيرا. وما هي إال لمحة حتى تدافعن من خلف األبواب؛ خمس فتيات اجتمعن في المدخل كلوحة فنية متناغمة، بانتظار يشي بأنهن كن ّ يرقبن لحظة القدوم. أقبلت بدور، ترفل في ألق بسمتها الفطرية التي ال تنطفئ، فاستقبلتهن قائلة: –هللا.. أخيرا جيتونا، كنا متراهنين عليكم. كانت بدور تضج بحيويّة ال تخبو، شعرها الكيرلي القصير يداعب عنقها، وقد رفعته بنصف رفعة عفويّة، تاركة خصالت من غرتها تتسلل على جبينها. لم تكن ذات طول فارع وال قصر مخل، بل كانت كمن يختزل الحياة في مالمحها؛ تضحك بملء قلبها، وتدرك ما خلف الكالم، كأنهاتقرأ خبايا النفوس ال مجرد األلفاظ. تساءلت سجى في دهشة: –متراهنين؟ على وش؟ أجابت شيخة بضحكة خفيفة تماثل خفة روحها: –إي وهللا، متراهنين إنكم ما بتجون.

72 تتمتعشيخةبقوام ممشوق وحضور آسر، وجهها يحيط به شعر قصير ناعم، وابتسامة تفيض من ثغرها لتسكن عينيها، فتغدوان كحبتي لؤلؤ تتقاسمان معها بهجة الضحك. لم تبد قط متجهمة، فكانت كبلسم تضمد به أرواح من حولها. خطت نجود خطوة إلى األمام وقالت: –وليه يعني؟ أجابت جواهر بنبرة وئيدة يكسوها الثبات: –ألنكم ما تستلطفونا. كانتجواهرذات طراز فريد، بشرتها البرونزيّة تتوهج كدفء األصيل، وشعرها القصير المهندم يشي بنظام داخلي صارم. حين تتحدث، تشعر بهيبة قيادية تجتمع في كلماتها الموزونة، ونظراتها التي تحمل اتزانا نادرا؛ هي عميقة الغور، ال يرتفع صخبها، لكن لحديثها صدىال يـــخطئ. بادرت أمل في سرعة: –شلون ما نستلطفكم؟ عقبت بدور بصدق: –كل مرة نشوفكم بره.. تطالعونا بنظرات مب حلوة وتمشون. قالت سيما في اعتذار صادق: –ال وهللا.. أكيد فهمتوها غلط، ما قصدنا.

73 حل صمت وجل، وكأن الحاضرات يغسلن أوهام الماضي، حتى انفرجت أسارير بيان عن ابتسامة وادعة، وفتحت الباب على مصراعيه قائلة: –طيب تفضلوا. دخلت فتيات الوحدة الثانية، تتقدمهن بهجة غامرة. وما إن ولجن حتى تجمدت الخطى في ذهول. لم تكن تلك الصالة تشبه قسوة السكن، بل كانت تنبض بحياة عائليه دافئة؛ الموكيت استحال رداء جديدا، والجدران تلونت بحمرة وردية هادئة، واألرائك األرضية غلّ فت بأقمشة خاطتها أيد مبدعة، كل غرزة فيها تروي فصال من حكاية. في الوسط، بسطت سجادة دائرية ذراعيها لتربط شتات المكان، وعلى الجدران تراقصت لوحات فنية بتنسيق يشي بذوق رفيع. النباتات الخضراء كانت تتنفس في الزوايا، وفي القلب طاولة دائرية اصطفت عليها فناجيل القهوة العربية وصحون الشوكوالتة المغرية. قالت زينب بلهجتها البحرينية العذبة: –هللا يــربي.. شنو هالجمال! فتتابع همس اإلعجاب: –ما شاء هللا.. مرة حلو المكان. حتى الغرف ظلت مشرعة األبواب، كأن القلوب والبيوت قد ذابت حواجزها. التفتت جواهر إليهن تسأل: –ها.. قولوا لنا، كم جمعتوا إلى اآلن؟

74 أجابت سيما وهي تلتمس بعينيها أروى التي وقفت بهدوء خجول: –جمعنا تسعمية توقيع.. ونحتاج ألف عشان نوصل ألكثر من أربعين بالمية من عدد الطالبات. كانتأروىضئيلة الجسم، يميل قوامها للقصر، يزينه شعر مجعد يميل نحو اليسار بتمرد عجيب، كأنه يعاند القوانين، مانحا إياها طلة تشبه نجمات الشاشة األجنبية. ابتسامتها المائلة توحي بسخرية خفية، لكنها في جوهرها سياج يحمي خجال فطريا، ومرضا في بصرها يجعلها تتفادى النظر المباشر، فتخطف نظرات سريعة ثم تشيح بوجهها فورا. قالت شيخة: –ممكن نشوف التواقيع؟ امتدت األيدي لتتصفح األوراق التي رتبتها سيما بعناية، كأنما تنبش في ملفات أسرار مخفية، وحينما قطعت جواهر صمت المكان بتساؤلها، تصاعدت وتيرة الحوار لتكشف عن تصدعات في جدار القناعة الساكنة. قالت سيما: –إي، تفضلي.. عندنا تسع دفاتر، كل وحدة في دفتر. طافت أبصار الفتيات على السطور، حتى استوقفت جواهر مالحظة ملفتة: –في مجموعات كبيرة في الثالثة والسادسة واألولى.. ليه ما رحتوا لهم؟ استدركت نجود بابتسامة يغلفها الحذر: –بصراحة.. ما يحبونا، ونخاف يصير احتكاك ومشاكل.

75 لكن بدور أبت إال أن ترفع سقف الحديث بجدية نافذة: –بس هذا مب موضوع استلطاف.. هذا شي مهم. استرسلت بيان في عرض الهموم التي تتراكم كالغبار على رفوف الحياة الجامعية: –إحنا نبغى نحل مشكلة حقيقية.. كل شوي قرارات تضيق علينا. حتى موضوع البوابات، تقفل الساعة١٢وأحنا داخل سور طويل عريض وكأننا في سجن! لم تجد أمل مفرا من مشاركة التذمر، لتمتد الشكوى إلى طقوس التوجيه الصارمة: –هذا غير بنات المصلى.. كل شوي نصائح كأنها أوامر. وعقبت نجود بنبرة تفيض ضيقا: –وأنا يوقفوني على اللبس، طلعي بلوزتك من البنطلون.. شيلي قبوعك.. شي مزعج فعال. تالقت الرؤوس في إيماءات الموافقة، حتى بثت شيخة في األرجاء طاقة من اإلقدام: –إحنا نقدر نساعدكم.. ونكمل األلف توقيع الباقية. قالت سيما بشئ من الدهشة واالمتنان: –منجد؟ ابتسمت بيان بخفة، ملمحة إلى طبيعة هذا السعي: –إال إذا تبغون تحتفظون بشرف التمرد لنفسكم؟ ضحكت سيما وقد تالشى ثقل التردد عن كاهلها:

76 –تمرد؟ ال، هذا مب تمرد.. هذي ثورهومطالبةبأقل حق من حقوقنا، بس ما توقعنا أحد يتحمس معانا كذا. ردت بدور بثبات: –إحنا متحمسين من أول يوم.. بس كنا ننتظركم. تعالت ضحكات الفتيات، وتالشت الحواجز كأنها خيوط عنكبوت في مهب الريح، ليتحول اللقاء إلى مائدة دافئة من األحاديث والود. لم يكن ذلك المساء مجرد عابرة تمضي، بل كان ميالدا لتحالف روحي، وبذرة غرست في تربة األيام لتزهر صداقة ال تعرف االنحناء. ✼✼✼ في غضون سبعة أيام، استطاعت فتيات شلة السابعة حشد أكثر من مئة وسبعين توقيعا إضافيا، ليتخطى الرصيد الرقمي لألصوات حاجز األلف. انطلقت بيانوأروىوجواهريحملن العريضة كأنها وثيقة مصيرية، وقصدن الوحدة الثانية، حيث تقبع غرفة سيما التي استقبلتهن بفيض من الترحاب، مثنية على تكاتفهن العجيب وتوقد عزيمتهن. بادرت جواهر بالسؤال: –وش الخطوة الجاية؟ أجابت سيما بنبرة واثقة: –بنطلع من الجامعة ونقابل مدير اإلسكان ونتكلم معه. قاطعتها بيان:

77 –مين بيطلع؟ وقبل أن يرتد لها جواب، قالت جواهر بنبرة هادئة ومتزنة: –سيما… عندي اقتراح إذا ممكن؟ ال تتجاوزون مديرة السكن، أبلة مها. حتى لو رحتوا لمدير اإلسكان، بيرجع لها في القرار. وإذا عرفت إنكم تجاوزتوها، ممكن تعاند أكثر. األفضل نبدأ فيها. تملك التردد وجدان سيما للحظة، ثم قالت: –كالمك صحيح… بصراحة كنت مترددة، خصوصا إن تجربتنا معها مب كويسة، ودائم تشوفنا حقين مشاكل… بس يمكن هالمرة الزم نجرب. ابتسمت جواهر وهي تمد جسور الطمأنينة: –وإحنا بنجي معاكم… ال تروحون لحالكم. قالت سيما في دهشة: –صادقين؟ هتفت بيان بحماسة واضحة: –أي، بنجي! أنتم خمسة وإحنا خمسة… خالص، فريق كامل! ضحكت سيما وقالت: –طيب متى؟ لمعت عينا جواهر ببريق مرح وهي تجيب:

78 –نختار يوم المزاج العالي. قالت سيما مستفهمه: –المزاج العالي؟ –يوم األربعاء، آخر يوم في األسبوع! تعالت ضحكات الفتيات في الغرفة، ثم تابعت سيما: –خالص… اتفقنا… بس أنا عندي سؤال. ردت جواهر: –اتفضلي. قالت سيما: –ما أعرف بس صديقتكم اسمها أروى صح؟ (وأشارت نحو الفتاة الثالثة التي كانت تالزمهما كأنها غير موجوده). رفعت أروى بصرها، وعدلت نظارتها بحركة حازمة، بدت معها كأنها أحد رؤوس العصابات المدبرين، نظرة صارمة تقطع حبال التردد، ثم قالت: –أنا هنا على فكرهوتسألينهمعني! يب أنا أروى. سألتها سيما بتعجب: –ليه ما تشاركين معانابالحديث...؟

79 ردت أروى وهي ترفع كتفيها في إيماءة هادئة: –ما عندي شي أضيف عليه كل شي تسونه ممتاز. لم تنبس سيما ببنت شفة، لكنها رمقتها بنظرة إعجاب صامت. حينما أزفت ساعة األصيل من يوم األربعاء، وقبيل أن تغزل الشمس من خيوطها المذهبة رداء الغروب عن واجهات اإلدارة، وقفت الفتيات عند عتبة اإلدارة. كانت بيان تقبض على العريضة كأنها قطعة من صخر، تراقب المدى بعينين توقدتا بعزم ال يلين. ولوجهن كان صمتا يسبق العاصفة. خلف الطاولة المكتسية بالترتيب المريب، جلست األستاذة مها، بوجه صقله التكلف، وابتسامة باردة كشتاء مهجور. نطقت بفتور: –ها،خير يــبنات؟ مدت بيان الورقة بيد ثابتة: –أبله مها.. هذا اعتراض رسمي موقع من ألف ومئة طالبة بالسكن. تأملت مها السطور بتمهل مقصود، ثم رفعت حاجبها في استخفاف: –بخصوص البنطلونات! واضح تعبتوا. أطبقت الورقة، وشبكت أناملها في حركة توحي باالستعالء: –برفعها لإلدارة.. وإذا فيه تغيير، راح تعرفون. بصوت يغلفه هدوء عذب، ردت سيما:

80 –أنت اإلدارةبكبرها يــأبلة مها.. وإحنا نطلب منك تساعدينا نعيش بحرية. ارتسمت على وجه مها رقصة تعبير ضبابية بين اإلعجاب الضيق والزجر، ثم تساءلت بلهجة الذعة: –مين صاحبة الفكرة؟ أجابت سيما ببديهة حاضرة: –كلنا. ضيقت مها أجفانها بريبة: –أشك إن فيه وحدة فيكم تحب المشاكل.. ومعروف مين. تبادلت الفتيات نظرات يملؤها الذهول، قبل أن تلتفت مها صوب سيما بحدة: –مثل ما قلت، بنناقش الموضوع مع اإلدارة.. وبنبلغكم. في أمان هللا. وما إن هممن بالخروج، حتى رمتهن بكلمة باردة كقطعة جليد: –شكلي بمنع القبوع بعد. سارعت نجود لترد: –ال يــأبلة، أنا البسته عشانداهنهشعريزيت.. مع السالمة! لوحت مها بملل: –التزموا باألنظمة.. والبنطلون ممنوع إلى إشعار آخر.

81 غادرن المكان متأمالت. وفي مساء الجمعة، انزوت سيما بجانب هاتف السكن، تطلب صوتا تستأنس به في وحدتها. جاء الرد من فالح، جافا كرماد بارد: –ألو. –هال.. كيفكم؟ –بخير. –أمي؟ تلكأ قبل أن يجيب بنبرة شحيحة: –ولدت أمس وباقي بالمستشفى. شهقت سيما بلهفة غمرت كيانها: –صدق؟ ما شاء هللا! –جابت ولد. تفتحت في قلبها زهرة مسرة صغيرة: –بكلمها بكرة. –طيب.

82 انقضى الحوار هكذا، بال وداع يلملم أطراف الكالم. ظلت تعبث بالسماعة، ترفض إيداعها مكانها كأنها تتمسك بخيط واه يربطهابالعائلة، ثم أعادتها بتثاقل موجع. انصرفت وخطواتها تائهة بين دقات قلبها، استقرت أمام دفترها وخطّت: اليوم عرفت أن لدي أخا جديدا.. بفارق العشرين عاما يجعلني أراه كولدي الذي لم أنجبه. ✼✼✼ وفييوم االثنين كانت الفتيات متجمهرات في مخدع زينبوسجى، حينما اقتحم باب الغرفة صخب مفاجئ. دخلت بيان تتهلل ببيان مبهج، وخلفها الطوفان جواهر، أروى، بدور،وشيخة، يضجّون بحيوية ال تعترف بالقيود. تسامى نداء مباغت اخترق جدران الغرفة، محمال ببشائر غيّرت مالمح الوجوه، حيث انبعث صوتها المتهدج بالبهجة: –يــ بنات! يــ بنات! أبشركم... القرار نزل! انتفضت سجى من مرقدها، تداعب خصالت شعرها المتناثرة بلفحات التوتر: –وشو القرار؟ لوحت جواهر بالورقة في األثير، تحاول تجميع أنفاسها المتالحقة: يـــسمح لطالبات السكن بارتداء البنطلون والشورت تحت الركبة في أروقة السكن الداخلية دون قيود... القرار نافذ من تاريخه

83 انفجرت الغرفة بضجيج صاخب، وتدافعت زينب لتخطف الورقة من بين يديها وتتأكد من سطورها، بينما انزوت سيما في ركن قصي، تعلو محياها سكنات االرتياح، وقد انزاح ثقل جاثم عن كاهلها منذ أمد. هتفت بيان وهي تصفق بحرارة: –وهللا انتصرنا! من قال إن صوت البنات ما يوصل؟ قذفت بدور وسادة نحو سيما بضحكة مجلجلة: –الحينبنشوفك يــملكة الجينز، ترجعي تلبسينه وأنت رافعة راسك! أجابتها سيما وضحكاتها تمأل األرجاء: –إيه يــشيخة، خالص... ما عاد ألبس تنورة الجامعة في السكن. دنت شيخة منها وربتت على كتفها بامتنان: –إنت السبب، لوال عنادك ما كان أحد تحرك. رفعت سيما حاجبيها بمكر طفولي: –عناد؟ ما أقدر أسميه عناد هذا إصرار بحق. تتابعت صرخات الفرحوالتهليلوانضمت إليهن ساكنات الغرف المجاورة، اللواتي تدافعن ليستطلعن مبعث هذا الصخب، وما إن الحت لهن الحقيقة حتى تعالت أصواتهن بمزيج من الدهشة واالحتفاء، لتغدو الغرفة ساحة لمهرجان تلقائي من التحرر. وفي غمرة هذا الصخب المتصاعد، رفعت سجى يدها كأنها تلقي بيانا ثوريا:

84 –من اليوم، البنطلون صار رمز الحرية! تعالت الضحكات، ورنت أصواتهن في ممرات السكن، معلنة عن فجر جديد انتزعته إرادتهن، وكأن كل ردهة صارت شاهدة على هذا االنتصار العفوي. ✼✼✼ تالشت أصداء القهقهات في أرجاء المكان كأنها غبار يتساقط، وتوزعت الفتيات في مخابئهن الهادئة. انسحبت سيما إلى زاويتها القصية، حيث كان نور المصباح الخافت ينسكب بوجل على أديم دفترها البرتقالي، كأنه يغازل األسرار المكنونة. جردت قلمها من غمده، ذلك الرفيق الذي شهد تقلبات روحها بين قمم النصر ووهاد االنكسار، وخطت بحروف يرتجف بنبضها من فرط الغبطة: * ما أقسى أن نستجدي حقنا في األساسيات، وما أشد بؤسنا حين تغدو الحياة معركة النتزاع البديهيات* وأغمضتعينيها، تتلقف ذرات الصدى المتبقي في الردهات، وأدركت أن هذه الذكرى ستستوطن ذاكرتها كأول انتصار يسطر مالمح استقاللها. مع انقضاء فصول عامها األول في رحاب علم النفس، كان نبضها يعزف سيمفونية إنجاز، لم يكن المعدل مجرد أرقام باردة، بل دليال قاطعا على انصهارها في لجة علم ظنته نائيا، فإذا به يغمرها بحضن دافئ. وفي غمرة الشوق، قررت أن تمنح روحها مالذا عبر سماعة الهاتف، لتبثألمها بشائر الظفر.

85 دلفت إلى كشك االتصال، أودعت فيه عمالتها المعدنية، ورفعت السماعة لترتفع دقات قلبها مع كل رنين. انبعث صوت أمها عبر األسالك، منهكا بآثار البعد، لكنه احتفظ بوهجه. تنهدت سيما وهي تلملم شتات كلماتها: –هال يمّه.. كيف حالك؟ وكيف شامان الصغير؟ أجابت األم بصوت يملؤه السكون: –الحمد هلل بخير، كلنا بخير. –هللا يحفظكم لي. –يمّه.. متى بتخلصين دراستك؟ –خلصت من أسبوع. –شلون؟ وليش ما علمتيني؟ –وهللا خلصتوجبتمعدل حلووهللالحمد. –مبروك يــضناي! أجل متى بتجين؟ –أنا مسجلة صيفي.. ما أقدر أجي الحين. –سيما.. لنا سنتين ما شفناك، معقول كل البنات يرجعن ألهلهن وإنت ال؟ –يمّه، الدراسة مستقبلي.. ما أبي أتأخر. –أهم مننا؟ أهم من أمك؟

86 –يمّه ال تقولين كذا.. أنا أكلمك كل أسبوع. –العين ما تغنيها األذن عن الشوفة. ـ يمّه، وشوله مصاريف التذاكر؟ أنا هنا مرتاحة. ـ هللايوفقك يــبنتي. ـ مع السالمة يمه. سلّمي على إخواني، سالم. أوصدت الخط، وكأنها تمزق حبال النجاة التي تربطها بنفسها، ثم جمعت نثار عمالتها المعدنية، وغادرت المكان بخطوات يثقلها وجع مكتوم. ✼✼✼ مع بزوغ شمس الفصل الصيفي، أطبقت السكينة على أروقة السكن، فلم يبق سوى سيما، زينب، سجى،وأروى، كأنهن بقايا سفينة أبحرت وتركتهن وسط صمت مريب. خبت الضحكات المجلجلة، وأضحى الممر موحشا كأنه ردهة في قصر مهجور. ثالثة أشهر بدت أمامهن كصحراء ممتدة ال أثر فيها لغيث أو بهجة، حيث يسدل الليل أستاره مبكرا ليضاعف غربة المكان. في صبيحة يوم الثالثاء، غابت سيما عن مدرجات الجامعة، وقد أضناهامرض مفاجئ، فاستسلمت لسطوة الحمى التي قيدتها إلى فراشها. كان طيف زينبوسجىيمر كنسيم عابر، يالمسان جبينها الالهب بوجل، ويتركان لها جرعة ماءودواء، ثم يغادران في عجل نحو قاعات الدرس.

87 أما أروى، فكانت كمن نذر نفسه للسكينة، اقتربت بهدوء يحمل طمأنينة الغيث، تحمل طبقا يضوع بعطر البهارات الحانية، وعصيرا يقطر انتعاشا. وضعت زادها على الطاولة، وانحنت فوق سيما التي تتقلب في غيبوبة متقطعة، ومسحت جبينها بخرقة مبللة، كأنما تطرد األرواح الهائمة. فتحت سيما جفنيها بثقل، لتجد وجه أروى يضيء في عتمة الغرفة بمودة غامرة. ـ صحيت؟ يال، خذي شوية شوربة قبل ترجعين تنامين. همست سيما بصوت غلّفه الوهن: ـ وش جابك هنا؟ ما عندك محاضرات؟ تبسمت أروى: ـ محاضرتي بعد ساعتين، قلت أقعد معك. ما جاني قلب أتركك لحالك وأنت تعبانة. تسلل الدفء إلى أوصال سيما مع احتساء الشوربه، فغلبها النعاس مرة أخرى. وعندما استفاقت في المساء، كانت أروى منكبة على كتبها، تقلب الصفحات بتركيز يحاكي هدوء الليل. تأملتها سيما بإمعان، فأيقنت أن ما بينهما أسمى من زمالة عابرة؛ لقد كانت أروى الصديقة الصدوقة بشخصيتها التي تتطابق مع شخصية سيما. تطورت تلك الرابطة مع تعاقب األيام، فباتت سيما تودع أروى أسرارها الدفينة وتفاصيل روحها التواقة، فيما كانت األخيرة تنصت بقلب بصير، تقرأ ما تخفيه الحروف وما تستتر خلفه

88 النظرات. لم تكن صداقتهما ضجيجا يمأل المكان، بل سكينة تسكن الروح، وعهدا روحيا ال ينفصم. وفييوم تسللت أروى إلى الغرفة كطيف شاحب، ترتجف أطرافها تحت وطأة ذكريات استدعتها مكالمة عابرة مع والدتها، وارتسمت على محياها غشاوة من الهموم أثقلت كاهلها، حتى خيل للناظر أن الجبال استقرت في صدرها. استلقت على سريرها بصمت مطبق، لم يكسره سوى صوت سيما التي رمقتها بنظرات ملؤها الحيرة: ــ وش فيك؟ أجابت باقتضاب: ــ أبد… حاولت سيما استدراجها: ــ ال، فيك شي…انطقي يــبنت. فرغت أروى مكنون صدرها مع تنهيدة: ــ ما أحد يعرف أن أهلي ساكنين هنا بالرياض… ومالي حق بالسكن أساسا. ــ أهلك هنا بالرياض؟ مب بالباحة؟ ــ ال… هنا. سجلت في السكن بس عشان أهرب. ــ تهربين؟ من وش؟ ــ من أني أشوف أمي وأبوي يعانون… ما أقدر أتحمل.

89 ــتكلمي يــبنتي… وش صاير على أهلك؟ ــ أخوي مسفر… عمره أربع وعشرين سنه… مدمن مخدرات. شهقت سيما مذعورة: ــ ال حول وال قوة إال باهلل… شلون كذا؟ ــ تعرف على رفقة سوء وهو عمره تسعة عشر، ومن وقتها وهو مدمن. ندخله مستشفى األمل، يطلع متعافي… بس يرجع له ثاني. ــ ياهلل… هللا يهديه ويشفيه ويعافيه. ــ المشكلة إنه يتطاول على أبوي وأمي… يدفهم، ويسرق أغراض البيت ويبيعها عشان يشتري. وهم عاجزين… ال قادرين يرمونه وال يسجنونه، خايفين عليه. ــ يــهللا.. هللا يعينهم على ما ابتالهم… ال تكدرينخاطرك يــغالية. مالك إال الدعاء. وزين سويتي لما دخلت السكن، تركّزين على دراستك ومستقبلك. ــ صادقة… لو جلست معهم ما كنت رح أقدر أكمل. أنا بالقوة خلصت الثانوية وسط هذي الظروف. ــ الحمد هلل على كل حال… وصدقيني، ما في بيت خالي من المشاكل. كل الناس عندهم ابتالءات بأشكال مختلفة. ــ طيب… وإنت؟ وش مشاكلك؟

90 ــ ال أنا أموري طيبهبس أبويمات مخنوق… وأختي الصغيرة راحت معه بنفس الحادث. هذا السبب اللي خالني ما أقدر أكمل بالمشرحة وبكلية الطب اللي كانت حلمي. أخواني اللي أصغر مني متنمرين علي… وأمي تزوجت وأنا هنا، وخلفت طفل. ولي سنتين ما طلعت من السكن… ـ يــساتر…كل ذاوأموركطيبه؟ ـ مب قلت لك؟ خيم صمت وجل على المكان، كأنه استراحة محارب بعد معركة مع األقدار. ثم، وبال ترتيب مسبق، تالشت غيوم التكلف عن مالمحهما، وكأن البوح قد نفض عن كاهليهما أتربة الواقع المثقل، تاركا في الروح خفة تشبه طعم النجاة بعد الغرق. ✼✼✼ في العام الدراسي الثالث، جاء نبأ الجامعة كصاعقة أوقفت مسار الرحلة؛ إذ أغلقت أبواب الترم الصيفي، وصارت العودة إلى كنف العائلة حتمية ال محيد عنها. في صالة المطار، كانت األم تنتظر بلهفة تتجاوز حدود االنتظار، وعلى مقربة منها وقف مساعد، ابن عمها، يرمقها بابتسامة صادقة لم يغلفها تصنع. هب ّ مساعد نحوها، مقتنصا حقائبها بحيوية بالغة. بدا الطريق إلى المنزل قصيرا، لكنه كان يضج بمالمح الغرابة؛ فهي المرة األولى التي تطأ فيها أرض بيتهم الجديد. طابق واحد يحرسه باب حديدي أخضر، ويجاور منزل عمها حمد. وعلى بساطة المكان، كانت الحياة تنبض في زواياه؛ أصص نبات مصطفة بانتظام عند المدخل، ونسماتقهوة عربية تهرب من خلف األبواب لتداعب الحواس.

91 وما إن تجاوزت العتبة حتى استقبلتها مرام، ابنة عمها، وبيدها شامان، ذاك الرضيع الذي طوى عامه األول. لم تستطع سيما كبح جماح شوقها، فانطلقت نحوه كمن يضم الحياة بين ذراعيه، احتضنته بحنان غامر، وأمطرت وجهه الصغير بوابل من القبالت، تتناغى معه وتداعب براءته. تسّلل هذا الصغير إلى شغاف قلبها بلمح البصر، وأحست وهي تضمه، برباط سرمدي لم تعهده من قبل، وكأنها منذ اللحظة األولى، باتت الحارسة ألحالمه الصغيرة. أطل ناصر من عتبة الدار، يجر خلفه ظالل فالح، تعالت أصوات التحايا وامتزجت األنفاس في حيز واحد. بدا المشهد في ظاهره اعتياديا، لكن عيني سيما كانتا تقتنصان ذلك التباعد البارد الذي يغلف العالقة بينهم جميعا، وتلك الهوة التي ال تردمها الكلمات. وفي المقابل، كانثمة فيض من المودة يغمر ناصر ومرام، مودة ترتسم على مالمحهم كأنها لغة ال يفهمها سواهما. بعد أن خبت حدة الترحيب، انسلت سيما نحو ركنها الموحش. ولجت غرفتها التي جهزتها لها والدتها، جدران صامته، بسرير معدني يلفه برد قارص، وفراش مطوي بعناية كئيبة تقابله خزانة خشبية شاخت مالمحها. كان هذا الحيز الضيق يباعد بينها وبين ذكريات سكنها الجامعي، فجلستعلى حافة السرير تلملم شتات روحها وتهمس لنفسها بمرارة: –يــ هللا.. تو ما صار لي يوم، واشتقت لغرفتي بالسكن. ✼✼✼ مع حلول مساء اليوم التالي، تضوع البيت بعطر الوالئم، وتحول إلى كرنفال من األضواء الصاخبة احتفاء بعودة سيما بعد غيبة طالت ثالث سنوات. امتأل المجلس الخارجي بوقار

92 الرجال، بينما ضج ّ الداخل بحكايات النساء وضحكات الصغار الذين كانوا يركضون كاألطياف بين أقدام الحاضرين. راقبت سيما اللوحة من زاويتها، تحاول استجالء وجه يشبه روحها بين الوجوه الغريبة، حتى اقتربت مرام بغنجها المعتاد وجلست بجوارها: ــ ها، مبسوطة؟ ابتسمت سيما في رفق: ــ ايمبسوطةالحمد هلل، وأنت؟ كيفك وكيف المدرسة؟ لوت مرام شفتيها بالمباالة: ــ طلعت من المدرسة. اتسعت عينا سيما بذهول: ــ ليش؟ هزت مرام كتفيها باستخفاف: ــ ما أحب الدراسة، أعوذ باهلل منها. زفرت سيما أنفاسها وهي تقول: ــ بس الشهادة مهمة. تغيرت تقاسيم وجه مرام، ولوحت بيدها بضجر:

93 ــ خالص ما علينا، قومي نرقص. انفجر المكان بضجيج األغاني، وارتفع صليل الطبول وتمايلت األجساد في حلقة ال تنتهي من الصخب، حتى غادر الجميع وتركوا خلفهم سكونا ثقيال. عادت سيما منهكة، لكن النوم جافاها، فنهضت تبحث عن عزاء في أرجاء الصالة. وجدت ناصر هناك، مسترخيا على أريكته، يرقب ضوء التلفاز الخافت بينما يتصاعد دخان سيجارته ليذوب في سقف الغرفة. جلست بقربه وسألته بصوت خافت: ــ أنت هنا! تدخن كثير تراك! ألقى ناصر بصوته الخشن في سكون الليل: ــ أي... وشفيك؟ خلأدخن براحتي وش مزعجك فيه؟ ثم أكمل –وليهما نمتي للحين؟ انكمشت سيما على نفسها، وكأنها تحاول حماية روحها من تيار هوائي غير مرئي، وتنهدت قائلة: ــ ما أدري... الجو متغير علي. سكن المكان، إال من دقات قلوب تتوجس من القادم. ثم بلمحة شيطانية تراقصت في عينيها، باغته بسؤالها: ــ ناصر... أنت تحب مرام؟ ارتسمت على شفتيه ضحكة مرتبكة قبل أن يجيب:

94 ــ هللا! الكل يعرف... وينك أنت؟ اتسعت عيناها بذهول، وكأن الحقيقة صفعتها فجأة، فرددت بدهشة: ــ الكل يعرف؟ أومأ برأسه في زهو مفرط، وأضاف: ــ إي، أنا وهي شبه مخطوبين... الكل يدري. لمعت في عين سيما براءة خجولة وهي تهمس: ــ زين، ما شاء هللا... بس أنت توك تسعتعش سنة. انتفضت مالمحه كمن استفزته رياح عاتية، ورفع حاجبيه بتحد بارد: ــ إي وخير؟ أرادت سيما أن ترسم له دربا أكثر أمانا، فقالت بنبرة مشفقة: ــ يعني باقي بدري... المفروض تدور شغل أو تكمل دراستك. تبدلت سمات وجهه إلى قناع من الغضب المكتوم، ونهض بحدة وهو يلملم شتات أعصابه: ــ استغفر هللا... تصبحين على خير. بقيت هي تراقب انعكاسات وجهه المنطفئ، وردت بهدوء يغلفه األسى: ــ وأنت من أهله، بس خلني أقولك إذا تبغى البنت الزم تحاول... براحتك

95 ثم همت بالنهوض لغرفتها وبينما كانت تخطو في الممر، لمح بصرها باب غرفة إخوتها مواربا، وسرير فالح يغص بالفراغ والوحشة، ثم عادت ل الصالةوسألتبقلق: ــ ناصر... وين فالح؟ جاءها صوته جافا: ــ وش تبين به؟ ــ أبد... بس أسأل. الوقت متأخر. أدار ظهره لها: ــ يسهر مع خوياه وعيال عمه كل يوم. –كل يوم؟! الحين الساعة أربع الفجر! –يووه...قفليالباب! أوصدت الباب برفق متسلل، وخطت نحو مخدع والدتها، كانت السكينة تكسو الغرفة، حيث تقبع األم على حافة فراشها، تعتني بصغيرها شامان. فقالت: –باقي مانمتي يــيمه؟ رفعت األم بصرها بعينين ناعستين: –ال وهللا، غفيت شوي بس صحاني أخوك. تعالي، اجلسي جنبي. استقرت سيما بجانبها، وتأملت وجه الصغير المالئكي:

96 –يــ ويسي… وش فيه؟ –ما أدري، شكله عنده إسهال. مسدت سيما على خصالت شعره الهشة: –ما عليه شر إن شاء هللا. –وياك يــحبيبتي... أعطيته مويه مع كمون وبيصير زين إن شاء هللا. صمتت سيما لبرهة، ثم باغتتها بشيء من التردد: –يمه... بغيت أسألك.. وش صار على عمي فرحان أبو شامانوينهفي؟ –مسجون –ليه؟ –ما أدري عنه... أنا خلعتهوأفتكيتمنه. –أوف متى؟ –وأناحامل جاني يطلبني فلوسوأتهاوشتمعاه أناوناصر.. خليه يولي…وبعدينجانا خبر أنه بالسجن قلت فرصه أخلعه. –يــ هللا خير أن شاء هللا. ثم تابعت: –كمان فالح صغير وسهران برا لين الحين.

97 –إيه مع عيال عمه. –بس حتى هم صغار... المفروض يكون بسريره، هذي فوضى. قاطعتها األم بنبرة حادة غلفتها قسوة التعب: –خالص يــبنت، انت جايه تعطيني محاضره وأنا راسي مصدع. استلقت األم وأغمضت جفنيها. عادت سيما إلى غرفتها، انتحت بمداد قلمها نحو دفترها البرتقالي، وخطت: يبدو أن كل شيء حولي ...” تراجعت فجأة عن الكتابة، أطبقت الدفتر بعنف، وألقت بجسدها على الوسادة كأنها تستسلم لقيد ال فكاك منه. انصرمت أيام اإلجازة ثقيلة الوطأة، كسلحفاة تائهة في صحراء سراب ال يرتوي. تكررت الليالي في حلقات مفرغة، ضجيج صاخب من أحاديث الجارات، وصحون الفصفص التي ال تكف عن التناثر، وفناجين الشاي التي تمأل المكان برائحة الملل. لم تشهد يدا تلمس كتابا، ولم تسمع حوارا يرتقي عن سفاسف األمور؛ هذا تزوج، وتلك أنجبت، وآخر اشترى مركبة، وسطوة شجارات يومية مع إخوتها تفتقر ألدنى أواصر المودة. كانت حياتهم تدور في فلك التفاهة، وحين أزف أوان العودة إلى رحاب الجامعة، تنفست الصعداء كمن نجا من غمرة يم ّعميق. وكعادته، كان مساعد أولالملبيينليرافقها ووالدتها نحو المطار، ذلك الحضور المعتاد الذي صار جزءا من تفاصيل رحالتها الدائمة.

98 حطّت رحالها في مطار الرياض، حيث تفصلها عن ضاحية عليشة خمس وأربعون دقيقة من الطريق الموحش. استقلّت مركبة أجرة، وانزوت في المقعد الخلفي، تحتضن حقيبتها بذعر، وتلهج بآيات التحصين، وتستغفر هللا في سرّها، متمنية بلوغ وجهتها دون سوء. انقضت اللحظات األولى في صمت مريب، قبل أن يتبدّل الحال عندما الحظت اضطراب غير مبرر في مالمح السائق وحركاته؛ كان يتقلب في مقعده بضيق، كمن يجلس على جمر الغضا. حاولت أن تداري قلقها وتغض ّ الطرف، مقنعة ذاتها بأنه مجرد تعب عابر، لكن نظراته التي كانت تتسلل عبرالمرآة األمامية كأنها سهام مسمومة، جعلت قلبها يرتجف. زاد الطين بلة حين أطلق همهمات مريبة، خافتة لكنها تخدش وقاروأدبالمسافة. تسمّرت في مكانها لحظات، قبل أن تستحيل رعبها غضبا عارما. رفعت ساقيها وركلت المقعد أمامها بكل ما أوتيت من قوة؛ فاهتزت مقصورة السيارة، وارتطم جسد السائق بالمقود، مما أجبره على التوقف بحدة وسط الطريق. لم تمنح نفسها فرصة للتردد، فقفزت من السيارة كالسهم، وواجهته بصوت يقطر غضبا: –وش جالستسوي يــحيوان؟! ارتبك الرجل، وشرعيمسح يدهبخرقة بالية، متلعثما بلهجة هجينة: –ما فيسوي شي ماما… اقتربت منه أكثر، والشرر يتطاير من عينيها: –ماما فيعينك يــوصخ… الحين شرطة!

99 وقفت على حافة الطريق، أنفاسها تتسارع، وقلبها يخفق بعنف. لم تطل وقفتها، إذ سرعان ما الح في األفق وميض دورية أمن الطرق. شرحت الواقعة لرجال األمن بكلمات متقطعة يغلفها القهر، وكلما سردت تفاصيل الفعل الدنيء، كانت عالمات الضيق واالحتراف تترسم على محيا الشرطي. لم يمهله، فقبض عليه بقسوة، ودفعه نحو مركبة األمن، لينال جزاء جرأتهوفساده. ثم التفت الشرطي صوبها، وعيناه تفتشان في وجهها عن إجابة، باغتها قائال: –وراك مسافرة لحالك طيب؟ سددت إليه نظرة حادة، متماسكة: –وهللا قدري ونصيبي.. هذا مب معناه أكون عرضة للتحرش. أمال رأسه بحركة بطيئة، ونطق ببرود يغلفه المنطق الجاف: –ال.. حطي في بالك، بتكونين عرضة للتحرش لو أنت لحالك. ابتلعت صمتها، وآثرت االنكفاء على ذاتها. لكن روحها كانت تضج بحديث آخر، يتلظى في جوفها: –لو نسوق بأنفسنا.. ما احتجنا ألحد، وال صرنا عرضة لهااألشكال. زفرت أنفاسا ثقيلة،متمتمهبخفوت: –استغفر هللا.

100 وقف الشرطي عند مشارف الطريق شامخا، يلوح بيده الستيقاف المركبات، حتى انصاعت له سيارة عائلية. تبادل معهم كلمات مقتضبة، ثم أشار إليها بالركوب. انسلت إلى المقعد الخلفي بوجل صامت، والسيارة تشق عباب الطريق بتثاقل ينهك األرواح. حين بلغت غايتها، ترجلت بخطوات وئيدة، وهمست ممتنة: –جزاكم هللا خير. رمقتها المرأة بابتسامة مشوبة بلوم شفوق: –ال تسافرين لحالك.. هللا يهديك، خلي معك محرم. أومأت برأسها في خنوع ظاهري، وأجابت: –إن شاء هللا.. بأمان هللا. كان هذا العام مفترض أن تكون سنتها الدراسية األخيرة لكنها لم تكن تبحث عن خط النهاية، بل كانت تروض الوقت وتكبح جماحه. تعمدت تسجيل اثنتي عشرة ساعة فقط، فرارا من وطأة التخرج، ورغبة في التريث واقتناص فسحة للشهيق. كانت تقتات أيامها بترف منزوي؛ فمرة تغرق في مالحم العاطفة مع روايات عبير، وأخرى تستقصي دهاليز الجريمة والغموض في عالم أغاثا كريستي. تسلك ممرات السكن بأقدام حافية، تتبادل أطراف الحديث مع المشرفات وزميالت الدرب، تقتسم معهن ضحكات رقيقة في سكون اختارت أن تنسج تفاصيله بنفسها.

101 وذات ظهيرة، بينما كانت تستلم ثيابها من المغسلة، استوقفها صوت ناعم كأنه وخزة إبرة: –السالم عليكم لو سمحتي! رفعت بصرها، لترتطم بهيئة فتاة من بنات المصلى. كان حضورهن يسبق ظاللهن، يتسم بصرامة ال تخطئها عين؛ اشتهرن في ممرات السكن بجدية مفرطة، وتدخالت تلبس ثوب النصيحة، وفي جوهرها سطوة اإللزام. كانت مالمحهن تكفي لهويتهن؛ وجوه غسلتها الرغبة في التواضع من أي أثر لمساحيق الزينة، خصالت شعربكر قليالما يداعبها مشط، وعباءات فضفاضة تشبه سياجا يضرب العزلة بينهن وبين ضجيج العالم، يعلوها غطاء رأس جاهز دائما لتأدية الفريضة. في أعينهن هدوء مريب، يشبه بابا أغلق بالترباس، ال يجرؤ ريح أو خاطر على اختراقه. تتراقص على شفاههن حركات ال تهدأ، تمتمات موصولة بذكر وآيات تردد كأنها شفرات سرية، وكأنهن في سباق محموم مع الزمان نحو أفقال يـــبصرهسواهّن. كان السكون الذي يلفهن مفتعال، يبدو كدرع صقل بعناية ليحجب دفق الحياة، أكثر من كونه سكينة تفيض من الروح. –أنت سيما، صح؟ –إي نعم، أنا سيما. –فاضية؟ ممكن أكلمك شوي؟ –عن وشو؟ –فاضية؟

102 –أي تفضلي إذا في شي مهم. –من زمان نفسي أكلمك وهللا. ثم صمتت برهة تعتصر ترددا قبل أن تبوح: –يعني... في بعض السلوكيات اللي ما ترضي هللا، وحبيت أتكلم معك فيها. اعتادت سيما أن تدفن مثل هذه المحاوالت بابتسامة باردة وتمضي، لكن ثمة فضول الذع، أو ربما ملل عابر، دفعها للتريث. أومأت برأسها، فأشارت الفتاة إلىعتبة أماممحل التصوير للجلوس. –سيما، الكل يعرفك بالسكن، وما شاء هللا لك تأثير على البنات. إحنا حابين أنك تنضمين لنا. –أنضم لكم؟ أنتم مين بالضبط؟ –إحنا أخواتك… بنات المصلى. –عارفة إنكم بنات المصلى، بس ليش عاملينها جماعة وانضمام وحركات؟ –مبحركات يــأختي، إحنا ندعو للصحوة الدينية والرجوع للممارسات الصحيحة. –زي وش مثال؟ –مثال … لبس البنطلون وقص الشعر القصير فيه تشبه بالرجال وبالغرب، وهذه أشياء فيها شبهة وتخرج عن الملة، سماع األغاني…. وغيرهكثير. زفرت سيما تنهيدة: –ال حول وال قوة إال باهلل… شوفي، ما أظن أفكارنا تتوافق، بس ادعي لي بالهداية، تمام؟

103 حاولت النهوض، غير أن الفتاة أحكمت قبضتها على معصمها فجأة، هاتفة بحرارة متوجسة: –سيما، وهللا إني أحبك في هللا، وما يرضيني إنك تسوين شي يخالف الشريعة ويودي بك إلى التهلكة. تصلبت مفاصل سيما، انتزعت يدها بفتور مشوب بالحذر: –استهدي باهلل… شوي وتطلعيني كافرة! عن إذنك. الحقتها الفتاة بصوت عجول: –لحظة، جزاك هللا خير… أخرجت من ثنايا مالبسها لفافة من أشرطة وكتيبات باهتة، وتابعت: –خذي هذه… وأستحلفك باهلل تسمعينها وتقرينها، عسى هللا يفتح قلبك وينور بصيرتك. أخذتها سيما بآلية باردة، هربا من لجاجة ال ترحم، ثم ولت وجهها صوب الممرات بخطوات تنهش األرض، وقد استقر في جوفها ثقل غريب، مزيج من حنق ودهشة عارمة. أيعقل أن تستدرج لساحة استجواب عن إسالمها؟ أليس في هذا التشكيك الصريح مساس بكرامتها ككيان ال يحتاجلوصاية؟ تأجج في صدرها قهر صامت، كجمرة تنهش الجلد من الداخل. ومع فتحها لباب غرفتها بعنف غير معهود، تالقت أنظار رفيقاتها: سجىوبيانوجواهروأروى، اللواتي رصدن على وجهها مالمح كانت كفيلة بسرد الرواية كاملة قبل أن يرتد إليها نفسها. دنت سجى منها، وعيناها تستنطقان الموقف بريبة، فبادرت قائلة:

104 –خير؟ وش صاير؟ علقت سيما المالبس في الدوالب ثم جلست على حافة سريرها، تحاول تهدئه نفسها، وبدأت بسرد تفاصيل ما جرى؛ كانت الكلمات تخرج من حنجرتها متعثرة، محملة بمرارة الحدث. عقدت جواهر حاجبيها استنكارا، وقالت: –استغفر هللا… وش فيهم هذولي؟ ترى حتى أنا أمس وحدة منهم مسكتني بنفس األسلوب! ومالت بيان برأسها وأردفت: –هم شايفين إننا خارجين عن الملة! ابتسمت سجى ابتسامة عابرة، ثم استدركت بنبرة جادة: –يمكن إحنا نقصر أحيانا… بسأنت يـــبيان ال. أنت أكثر وحدة محافظة على صالتك. حتى الفجر تقومين له بالدقيقة. لوحت سيما بيدها مستنكرة ذلك التجني: –إحنا بنات ملتزمات بديننا وبحجابنا… لبس البنطلون ما يعطي أحد الحق يشكك في إيمانّا. الدين أعمق من شكل القماش اللي نلبسه بين بنات مثلنا. حطت سجى يدها على كتف صديقتها بحنان، ومسحت على همومها: –خالص يــبنتي… ال تكبرين الموضوع في صدرك. هاالنوع من الناس موجود كثير بالحياة. ثم تهللت أساريرها وقالت:

105 –تعالي نغير جو… قوموا نروح المطعم، الوقت صار عشا. تنهدت سيما فنهضت قائلة: –يال… نمشي. غادرن المكان متكاتفات، في صمت بليغ يوحي بأن بعض األمور ال تستحق الصدام، وأن مؤانسة الصحب هي المحرك الذي يرمم شظايا النفس. ✼✼✼ في ظهيرة يوم آخرفي الجامعة، كانت الخطى تتهادى في أروقة الجامعة الفسيحة، حيث تتقاطع الدروب وتزدحم األفكار. وبينما كانت سيماوأروىتشقان طريقهما نحو قاعة علم االجتماع، استوقفهما حشد من الطالبات حول أحد المكاتب، يتبادلن الهمس وتتراقص في عيونهن اندهاشا. سألت سيما بتعجب: –وش فيه هنا؟ ليه البنات متجمعات؟ رفعت أروى بصرها نحو المكتب، وأجابت بالمباالة واثقة: –هذا مكتب زوجة ممثل معروف. التفتت سيما بذهول، واتسعت عيناها بفضول عفوي: –أحلفي؟ ضحكت رفيقتها مؤكدة: –أي وهللا معيدة هنا في القسم.

106 انفرجت أسارير سيما وتملكتها الدهشة: –ما شاء هللا… ياهللابروح أشوفها! اندفعت االثنتان نحو الجمع، تسايرهما غبطة عابرة، بينما وقفت سيما تتأمل بتمعن الوجوه التي تحاول الظفر بسالم سريع من تلك القامة الثقافية، تنهدت في صمت وهي تراقب هذا الشغف الذي يغمر أروقة العلم. انطلقت كلماتها تنساب كخيوط حلم يغازل المدى، وكأنها تناجي ظال ال يراه سواها: –هللا… يــ ترى وش شعور المشاهير يوم يشوفوا إن الناس مهتمة فيهم؟ التفتت إليها أروى، وعلى ثغرها ارتسمت طمأنينة وادعة: –أكيد شعور حلو… حب الناس نعمة وهبة من هللا. صمتت سيما لحظة، تلملم شتات جرأتها المبعثرة، ثم استجمعت شجاعتها لتقول بينما كانتا تخرجان من المبنى: –تعرفين؟ أنا عندي حلم.. أنانفسي أكون مغنية. لم تحتجب إجابة أروى خلف ستار الحذر: –وهللا تقدرين… غني ترى صوتك حلو. بسطت سيما ابتسامةمنكسرة، ارتسمت فوقها خيوط انكسار غامض: –بس شلون؟ وإحنا هنا في السعودية… الطريق مره صعب. رفعت أروى حاجبها بمكر طفولي مداعبه:

107 –فيالحمام يــحبيبتي… أنا قصدي. تعالت ضحكات أروى في األرجاء، فأجابتها سيما ضاحكه: –هللا يقطع إبليسك.. أنا أتكلم جد. –وأنابعد.. غني بالحماموخليالدش هو المايك حقك. ثم ضحكت أكثر لكن سيما صمتت وبينما كانت تلتفت بكليتها نحو أروى، غفلت عيناها عن ذلك العمود الصامت الذي اعترض سبيلها كقدر مفاجئ. فهوت بجسدها في ارتطام عنيف. دوي ٌّ خافت أعقبه سكون خاطف، ثم انطلقت شهقة ألم لم تملك كبح جماحها. ترنحت في مشيتها، وضغطت بيدها على جبهتها بقوة، وكأنها تستجمع أشالء توازنها قبل أن تتالشى. –بسم هللا عليك! فيك شيء؟! انبعث صوت أروى حامال في طياته قلقا دافئا، لكن سيما أبت أن تسمح لالنكسار أن يتسلل إلى مالمحها. جرعت وجعها في صمت حمد، استقامت في وقفتها: –ال ما فيني شي. سارت وكأن النجوم تحت أقدامها تضطرب، غير أن األرض بدت لها مائلة، وبدأ العالم يدور حولها في إيقاع ثقيل ومزعج. لم تفق من دوامتها إال على صدى ضحكات أروى التي لم تعد تتمالك نفسها: –هذا جاك رد من السماء! قصف جبهة ألهيه عشان قلتيبتصييرينمغنية!

108 انطلقت ضحكاتها مجلجلة في األرجاء، ثم أردفت بلهجة عابثة: –قلت لك.. غني بالحمام! ارتسمت على شفتي سيما ابتسامة شاحبة، خيط من وجع مستتر خلف تقاسيم وجهها، ثم مضت في طريقها بخطوات وئيدة. حينما بلغتا ردهة الكافتيرياواجتمعتامع الباقيات، تصاعدت جلبة الحكايات، وتراقصت الوجوه حماسا بانتظار طرفة أو نبأ، وما إن استقرت سيما في مقعدها حتى تفرست بدور في مالمحها، لتلمح حمرة قانية تكسو جبينها، فبادرتها بقلق: –سيما! وش فيك؟ لم تمهلها أروى فرصة للرد فقالت ب حماس: –ال ال اسمعوا.. اللي صار. استرسلت في سرد تفاصيل الحادثة، أضفت عليها بهارات المبالغة، وحركات التسلية، وكلما أوغلت في الحكاية، تعالت أصوات الضحكات من حولهن. بينما بقيت سيما جسدا بال روح بينهن، ترتسم على محياها ابتسامة جليدية، وعيناها معلقتان في الفراغ، بينما تتشظى أعماقها في صمتمريب. وفجأة، التقت عيناها بعيني بدور؛ لم تكن تلك األخيرة تشارك رفيقاتها صخب الضحك، بل حدقت في سيما بإمعان، وكأنها تقرأ ما خلف هذا القناع. وما لبثت بدور أن نهضت في هدوء الفت:

109 –عندي محاضرة.. أشوفكم. مضت تاركة وراءها ذلك الضجيج الفارغ. وحينأرخى الليل سدوله، خيم السكون على الغرفة، كانت سيما ممددة تحدق في السقف، ابتلعت قرصا مسكنا، لكن ألمها لم يكن في جبينها فحسب، بل كان وجعا يتغلغل في صميم روحها. قطع حبل أفكارها طرق خافت على الباب، فأذنت بالدخول. أطلت أروى برأسها، وكانت خطواتها هذه المرة أهدأ من المعتاد: –هال سيما.. كيفك الحين؟ أجابتها باقتضاب: –تمام.. الحمد هلل. تريثت أروى قليال، ثم دنت منها بخطوات حذره وقالت: –بدور تقول إنك زعلتي مني اليوم… يمكن… م ص ختها؟ لم تهتز سيما، بل بقيت نظراتها غارقة في الفراغ: –أروى! يعني بدور هي اللي نبهتك لسخافتك؟ ما هوب من نفسك حسيتي إنك بالغت في التريقة علي؟ أنا بصراحة متفاجئة فيك… نظرتي لك تغيّرت كليا. ردت أروى تحاول تلطيف الجو: –يــ بنت ال تصيرين بزيادة… كنا نضحك. زفرت سيما بضيق، وكلماتها تخرج كخناجر باردة:

110 –أنا ماني بموضوعللضحك يــعزيزتي… أنت ما شاء هللا طول الوقت ساكتة، بس يوم جت عندي أنا انطلق لسانك؟ خليتي حلمي نكتة… شيء ما أحد يعرفه غيركوطلعتيهللجميع، وخلّيتي ألمي قدام الكل تسلية. خفت صوت أروى حتى صار كهمس خافت: –أنا ما كان قصدي… قطعت سيما حديثها بحزم: –القصد ما يهم. اللي صار صار. بصراحة… أحس ما ينفع أتعامل معك مثل أول. في شيء تغيّر داخلي. وأنا إذا قفلت معي… ما أرجع سيمااألولية. لم يرف ل أروى جفن، بل غلف صوتها برود: –براحتك… بس أنا أقولك أنا آسفة. ومع السالمة. لم تلتفت سيما، ظلت مستلقية كتمثال من رخام حزين. وقفت أروىلحظة تنتظركلمة غفران لم تأت، ثم انسحبت بخطوات خافتة. وبعد مضي دقائق، أطبق النعاس جفني سيما، ليكون المهرب الوحيد من مرارة الحلق. ✼✼✼ في مساء يوم خميس هجرت الطالبات غرفهن نحو دفء العوائل، بينما بقيت فتيات الشلتين السابعة والثانية يقتسمن إجازة نهاية األسبوع ب الضحكات والطبخوالسمر، في محاولة لاللتفاف على وحشة البعد.

111 كان ذلك الخميسيصادف يومميالد شيخة، فنسجت الصديقات خيوط فرح بسيط في صالة السكن. علقن زينة متواضعة، وصدحت أشرطة الكاسيت بأنغام خليجية، وتوسطت الطاولة كعكة تفتخر بوجودها. وعندما ولجت شيخة الغرفة، باغتتها الصيحات المبهجة: –عيد ميالدسعيد يــشيخة! تصلبت شيخة، ثم أشرق وجهها بابتسامة غائرة في أعماق السعادة، وقالت والدموع تلمع في عينيها: –وهللا إنكم أسعدتوني… هللا ال يحرمني منكم. هتفن جميعا بصوت واحد: –وال يحرمنامنك يـــقمر.. يــ هللا نرقص! انبرت سيما نحو المسجلة، فتعالت إيقاعات رابح صقر ومحمد البلوشي، وتحولت الصالة إلى ساحة من الرقص العفوي. كانت أروى تحاول التقرب من سيماوالتوددلها، إال أن سيما كانت تتعمد الغياب خلف جدار من التجاهل، تواري نفسها في زاوية التصفيق، وكأنها ال ترى في تودد أروى سوى هواء عابر ال يالمس روحها فما كسر قد كسر. وبعدبرهه انفرج الباب عن ضجيج غير متوقع، فاقتحمت خلوتهن أربع فتيات، تتقد عيونهن ببريق عدائي يشي بنوايا مبيتة. تقدمت زعيمتهن، وقد مأل التحدي نبراتها، صارخة بصوت مشحون باالستفزاز: –طفوا المسجل… تراكم أزعجتونا!

112 سارعت أروى بمد يدها نحو جهاز الصوت لتهدئة الضجيج، غير أن سيما انتصبت في وجههن كالجدار، وقالت بنبرة ملؤها االستنكار: –استغفر هللا… وش في؟ زحفت الفتيات نحو الغرفة وقامت إحداهن تلقي بسخريتها الالذعة: –الساعة عشرة بالليل وأنتم طايحات رقص! تقل جن بسم هللا! استجمعت سجى شتات غضبها، وردت بحدة كأنها نصل: –احترمي نفسك وتكلمي بأدب. قهقهت الثانية بتهكم مرير: –أدب؟ أنتم خليتوا فيها ذرةأدب يــعديمات التربية. استشاطت سيما غيظا، واعتلت نبرتها حد الصراخ: –وهللا ما في قليلة األدب إال اللي داخلة علينا تقل عفريت بدون استئذان وتنابح علينا مثل الكلب! يال برا! جاء الرد متحديا: –ما نطلع! لين تطفون المسجلوتروحونغرفكم تندفسون ال بارك هللا فيكم! حاولت جواهر احتواء الموقف بحزم: –عيب ها الكالم خالص بنخفض الصوت… تفضلوا برا لو سمحتوا.

113 لكن األخرى واجهتها باستهزاء: –ال. ما تشغلونه من األساس. هنا تقدمت جواهروبيانوبدورليقفن في صف المواجهة، وقالت بيان بصوت حذر: –واضح إنكم جايات تدورون مشاكل، صح؟ لم تكمل بيان كلماتها، إذ انقضت إحداهن عليها كالصاعقة، متمسكهبخصالت شعرها، لتندلع معركة ضارية. تشابكت األيادي في عراك محموم، وعلت األصوات بسباب مرير، فتبدلت الغرفة في لمح البصر إلى ساحة حرب، بينما تجمهرت الطالبات عند مدخل الباب، ترقبن المشهد بوجوه مذهولة. وفي ذروة هذا الهياج، شق الغرفة صوت قوي ٌّ أرعب الجميع: تصدعت جدران الممر العتيق بصوت أبلة تهاني، الذي انطلق كأنه رعد يمزق سكون السكن الجامعي، فارتجفت أركان المكان من حدة نبرتها ب المصرية: –كفاية! أنتي وهي! إيه الفوضى ذي؟ تجمدت األنفاس في الصدور، وتسمرت الفتيات في مواقعهن؛ فقد تناثرت خصالت الشعر على الوجوه المجهدة، وبعثرت الفوضى هندمة الملبس. دونت المشرفة أسماء المتواجدات فيقائمة بمالمحال تعرف الرحمة، ثم أصدرت حكمها الصارم: –كل وحدة على أوضتها دلوأت. ومن بكرة فيه تحقيق! تالشت أصداء الفرحة بعيد ميالد شيخة، وحلت محلها خيبة ثقيلة جثمت على صدور الجميع.

114 وبعد يومين من تلك الواقعة التي لم تبرح ذاكرة السكن، قرع باب غرفة سيما بطرقات خافتة؛ نهضت ببطء، لتجد وجه أبلة تهاني يطل بمالمح يغلفها الجمود. –مساءالخير يــسيما. أجابت بابتسامة مصطنعة تواريوراءها ارتيابا ينهش قلبها: –مساءالنور يــأبلة. مدت المشرفة يدها بظرف مختوم: –مريت أوضتك الصبح وما لقيتكيش… كان عندك محاضرات؟ –إيه، عندي. –طيب… خذي، دا خطاب من اإلدارة، أنت مطلوبة للتحقيق. تصلب كيان سيما، واتسعت عيناها بذهول: –تحقيق؟ ليش؟ –فيه شكوى ضدك من أكثر من بنت. –أي بنات؟ هزت أبلة تهاني كتفيها بالمباالة: –ماعرفش، روحي لإلدارة بكرة وتفهمي كل حاجه. –أبشري يــأبلة.

115 غادرت المشرفة، وتركت سيمامتسمرةعند بابها، تحمل الورقة بين أناملها كأنها جمرة تحرق كفها. تسلل إلى أعماقها مزيج خانق من التوجس والحنق، وآثرت الصمت على إثارة الجلبة قبل أن تظهر الحقيقة. في فجر اليوم الموالي، سارت سيما بخطوات قلقه نحو مكتب المديرة، وطرقت الباب بحذر: –السالم عليكم أبلة مها. –وعليكم السالم، تفضلي. حاولت سيما استجماع قوتها: –حضرتك أرسلت لي.. قاطعتها المديرة بحدة رسمية: –إي، عندك تحقيق. فيه شكاوى مرفوعة ضدك من بنات داخل السكن وخارجه. –طيب.. بخصوصإيش يــأبلة؟ قلبت المديرة صفحات الملف أمامها بنظرات فاترة: –إزعاج مستمر، سهر وضحك لنص الليل، تعدي وضرب، تشبّه بالرجال في اللبس وقصة الشعر، وتشغيل مسجل وقت األذان. عجزت سيما عن النطق، وتبعثرت كلماتها في الهواء بذهول تام: –كل هذا؟ … الحول

116 خيم صمت ثقيل على أرجاء المكتب، حيث تتراقص خيوط الشمس الخجولة على حواف األوراق المكدسة، وتستقر نظرات المديرة فوق وجه سيما كأنها مشرط جراح يتحرى موضع األلم. سألتها المديرة بنبرة تفتقر للين: –يوم صارت المشكلة بينك وبين البنات وصار تشابك باأليادي... احكي لي وش اللي صار. ردت سيما، وصوتها يتأرجح بين اإلنكار واألسى: –كان بعد صالة العشاء يوم الخميس، ما عندنا أحد نطلع له بره السكن. كنا نحتفل بعيد ميالد صديقتنا، وقلنا نضحك ونغير جو. قطبت المديرة حاجبيها بدهشة مفتعلة: –عيد ميالد؟ ارتبكت سيما وتلعثمت: –مب عيد رسمي... بس حبينا نفرحها، كان ذاك اليوم يصادف يوم ميالدها. –كمّلي. –فجأة فتح الباب. دخلوا مجموعة بنات بدون استئذان، وبدأوا يهاجمونا بالكالم... وإحنا ردينا عليهم، وانقلب الموضوع. –مين أنتم؟ –أنا والبنات.

117 استعرضت المديرة القائمة المكتوبة في ملفها، ثم عقبت بتهكم: –عليهم شكوى بعد، أروى، بدور، بيان، شيخة، جواهر، سجى، زينب، نجود. أجابت سيما بدهشة: –عليهم شكوى؟ أطلقت المديرة ضحكة جافة، بينما كانت أصابعها تعبث بأوراق الملف: –ما شاء هللا... نفس الشلة اللي جاتني قبل كم فتره عشان موضوع البنطلونات. أنتم شلة سمعتها معروفة بالمشاكل. تصلب جسد سيما، ورفعت رأسها بتحد ّصامت: –أيمشاكل يــأبلة مها؟ إحنا بنات متعلمات ومثقفات. كل اللي نسويه إننا نكون لنا كيان وهذا سبب التحاقنا ب جامعهعريقةمثل جامعه الملك سعود. أن يكون لنا رأي... لنا شخصية... ما نرضى نعتدي وال يعتدي علينا أحد. نعيش ب حريهوبكرامةفي بلدناووسطبنات البلد. أغلقت المديرة الملف بحركة حاسمة، ثمتكتفتوقالت ببرود: –اللي مشتكي عليكم كمان بنات البلدوبناتالجامعة مثقفات ومتعلمات ومتفوقات وملتزمات بدينهم وأخالقهم بعد. عموما خير إن شاء هللا.. القرار بيصدر بعد يومين. حاولت سيما استجداء فرصة أخرى: –أبلة مها.. لكنها قوطعت بحدة:

118 –تقدري تنصرفي اآلن. عندي اجتماع. هللا معك. غادرت سيما المكان، يثقل كاهلها إحساس مبهم بالخسارة وقبضه قويه تطبق على صدرها، وخطت في الممرات الموحشة التي غدت أصداؤها تنذر بالخطر. سارت في طريقها نحو غرفتها، تحاول جاهدة ترتيب شتات روحها المضطربة. وبينما كانت تستعد لدروسها، أطلت أروى بوجه شاحب، فتقاطعت نظراتهما، واقتربت منها هامسة بتوتر: –سيما... كيفك؟ ساد وجوم ثقيل أرجاء الغرفة، وكأن الهواء استحال رصاصا يثقل الصدور، قطعت أروى هذا الصمت المريب وهي تلتفت نحو رفيقتها بعيون تملؤها الريبة: –شفتي وش صار؟ أشاحت سيما بوجهها نحو النافذة دون أن تنبس ببنت شفة، فتابعت أروى حديثها بصوت متهدج: –جاني خطاب من مديرة السكن.. عندي تحقيق، وما أدري على وشو. تهقين عرفوا إني أسكن في الرياض؟ أومأت سيما برأسها ببطء، وكأنها تزيح عنها ثقال ينوء به الكاهل: –ال.. حققوامعي اليوم. تصلبت مالمح أروى، وبرقت في عينيها نذير شؤم: –ليه؟ وشو له؟ –عشان المشكلة اللي صارت الخميس.. يوم الطقاقوالمهاوش.

119 –أعوذ باهلل.. أجل عشان كذا؟ وأنا أحوس وكنت خايفه عالفاضي! ابتسمت سيما ابتسامة باهتة ال تصل إلى عينيها: –ال يــحبيبتي، خافي. المديرة حقتنا لعينة.. تقدرين تتوقعين أي حاجة. يمكن تفصلنا من السكن. اتسعت حدقتا أروى بذهول يغشاه الرعب: –الاا.. ال تقولينها! نهضت سيما بحركات مثقلة بالهم، ونفضت عن كتفيها غبار القلق قائلة: –هللا يستر.. مع السالمه عندي محاضره بروح. ✼✼✼ ومضت األيام حبلى بالترقب، حتى انقشع الستار عن حقيقة كانت تتوارى في الظالل؛ إذ لم يعد الخبر حكرا على أحد، بل صار حديث األلسنة في أروقة المكان. استدعيت كل فتاة من الشلة للمثول أمام مقصلة التحقيق، وكأنما أضحى عراكهن البسيط-الذي لم يجاوز صخبا عابرا ويدا امتدت لتزيح أخرى-جريمة شنعاء تهز أركان الصرح األكاديمي. لم يكن مفهوما لماذا عمدت المديرة إلى تأجيج األزمة؛ إذ كان في إمكانهاوأئدهابكلمة طيبة أو توجيه حكيم، لكنها اختارت أن تضرم النيران في هشيم الود، وكأنها كانت تتحين الفرصة إلنفاذ قرار حبيس األدراج، ينتظر ذريعة ليتحرر.

120 حلت الصاعقة حين علقت األوراق الرسمية بختم المديرة مها، معلنة عن نفي إجباري وتشتيت ألرواح تألفت. نقلت األسماء كأحجار شطرنج تقتلع من رقعتها، لتنتشر في أرجاء السكن كالغرباء. كان الوقع أشد من االحتمال، فكيف لقسوة كهذه أن تطال فتيات في عامهم األخير، حيث تشتد الحساسية وتصبح الرفقة المالذ؟ تجمعن في ركنهن المعتاد، يغلف وجوههن شحوب نذير، ونبرات واهنة تتالشى قبل بلوغ المسامع. قالت سيما، وقد استجمعت بقايا صمودها: –نروح بكرة كلنا. ندخل عليها ونقدم تظلم. نقول لها إن غرفنا مب مجرد جدران.. إحنا متعلقات فيها. الدراسة بتتأثر. نفسيتنابتدهور. الزم نكلمها. أومأت سجى برأسها موافقة، واألسى يغور في عينيها: –امشوا بكرة. الزم نحاول. أومأ الجميع برؤوسهم إيذانابالموافقة، ورغم أثقال اإلعياء التي أطبقت على صدورهم، ومخالب الخوف التي نهشت طمأنينتهم، بقي في عيونهم وميض خافت من رجاء. ✼✼✼ مع انبثاق ضياء الصباح، تجمهروا أمام عتبة اإلدارة. انقضت دقائق االنتظار ثقيلة كأنها دهور، حتى انفتح الباب لتطل السكرتيرة بوجه ال يعرف الليونة، ملقية كلماتها كحجارة في بئر سحيق:

121 –أبلة مها مشغولة اليوم. وما رح تقدر تقابلكم. وتبلغكم إن القرار الزم يتنفذ. واللي ما تكون في وحدتها الجديدة يوم السبت… تعتبر مفصولة. تجمدت مالمح الفتيات، غشت وجوههن سحابة من وجوم وذهول، ثم ولّين األدبار ببطء مثقل، وكأنما حملت على أكتافهم جبال من تبعات ال تطاق. آووا إلى الحديقة، حيث كانت طاولتهم شاهدة على ذكريات الضحك والسمر، بيد أن السكينة هذه المرة قد استلبت كل صوت. كسرت نجود حاجز الهدوء قائلة: –أنا بروح أرتب أغراضي. وبقابل المشرفة أشوف غرفتي الجديدة. يمكن يجيني حظ وحصل غرفة لحالي. رمقها الباقيات بذهول، كيف استكانت إرادتها بهذه السرعة؟ فرفعت يدها كأنها تمنع عن نفسها وابال من لوم: –ال تطالعوني كذا. ما عندنا حل. لو عنّدنا… بننطرد. وإحنا آخر سنة. خلونا نعقل. تنهدت زينب بيأس: –أنا مع نجود. كانت سيما تراقبهن صامتة، نيران الغضب تتأجج في محاجرها، لم تنبس ببنت شفة، لكنها انتصبت فجأة صارخة: –المشكلة إنها ما عاقبت غيرنا… وبنات المصلى اللي كانت معهم المشكلة، ما جاهم شيء. صمتتهنيه، ثم انحدرت نبرتها نحو بحر من الحزن الفلسفي:

122 –يمكن الزم نفهم إن الحياة مب قائمة على العدل مثل ما نتخيل. إحنا نكبر وإحنا نعتقد إن كل شيء له مقابل… الخير يــكافأ،والخطأ يــحاسب. بس الواقع مختلف. أحيانا تمشين صح… وتتعبين أكثر من غيرك. وأحيانا ناس ما سووا شيء… ومع ذلك تمر األمور عليهم بسهولة. غاصت عيناها في فراغ مجهول وأكملت: –أحيانا يكون في تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم، لين تصير جزء من يومكويمارسفيها الظلم عليك يوميا مثل إنك مثال تحتاجين أبوك أو أخوك يوديك مشوار أو أنك تكوين مالبس أخوك الصغيروتبخرينهاغصباوليسطوعا أو أنك ما تخرجي مع صاحباتك ل مقهى أو حديقة ترفهين عن نفسك مثل إخوانك الشباب.. الظلم في رأيي سيبقى دائماوأبداواقع علينا طالما أن مالنا حرية االختيار في أن نغير لون العباية من أسود ل وردي مثال هذا هو الظلم ف أتعودوا عليه يـــصديقاتيوالدنياما تعطي كل واحد حقه في وقته… ويمكن ما تعطيه أصال. تألألت دموعها في المآقي دون انهمار، ثم استدارت بقلب ينهشه االنكسار ورحلت. نادوا باسمها، لكنها لم تلتفت. ولجت غرفتها، وأوصدت األبواب كمن يعزل نفسه عن كون بأسره، وارتمت على فراشها لتنفجر بدموع حاره. ✼✼✼ مع بزوغ أول خيوط الفجر، استيقظت سيما قبل أذان الفجر، أدت صالتها بقلب تملؤه سكينة الزهاد، ثم بدلت ثيابها.

123 كان يوم خميس غريبا، ال يحمل براءة العطلة، بل ينوء بحمل خفي صامت. اتجهت نحو الوحدة السادسة، والممرات تضج بسكون مهيب، والهواء العليل يتسلل عبر مالمحها كأنين. طرقت باب المكتب، ليأتيها من الداخل صوت واهن مجهد: –أتفضل. أومأت لها بالدخول، فخطت سيما نحو الداخل حيث تقبع المشرفة، وقد خطالسهر علىوجهها خرائط من اإلجهاد، وبدت مالمحها ساكنة إال من ومضات ضيق متوارية خلف جفونها المثقلة. –السالم عليكم. –وعليكم السالم. –أنا سيما، منقولة من الوحدة الثانية. استدارت المشرفة ببطء، وألقت نظرة فاحصة اخترقت صمت المكان، ثم قالت بنبرة باردة: –أنت سيما؟ طيب.. وش المطلوب؟ –بما إن النقل تم، حبيت أعرف وين راح أكون. زفرت المشرفة آهة عميقة، كأنها تعاني من وطأة أعباء ال تنتهي، وأجابت: –ما عندنا غرف فاضية، بنسكنك مع طالبة. انقبض قلب سيما وشعرت ببرودة تسري في أوصالها. –ما في أي غرفة لحالي؟ هزت المشرفة رأسها بالنفي، وأضافت:

124 –ما في إال مكان شاغر مع طالبة احتياجات خاصة عندها سرير زايد. تجمدت األنفاس في صدر سيما، وسألت بتردد: –احتياجات خاصة؟ –أيه، بنت كفيفة.. ما تشوف. خيم صمت على الغرفة،وباتتسيما تسمع طرقات قلبها ثم راودها شعور بالمباغتة، لكنها سرعان ما استجمعت شتات نفسها وهمست: –هللا يعينها.. خالص خير. رفعت المشرفة حاجباها مستغربة، وكأنها تستجلي صدق عزمها: –يعني ما عندك مانع؟ –ال. بالعكس. إذا هي محتاجة أحد، أنا أعينها بإذن هللا. تالشت حدة التوتر عن مالمح المشرفة، وارتسمت على ثغرها ابتسامة ولدت لتوها، قالت بنبرة هادئة: –تعالي نشوفها. غالبا صاحية، هي تقوم بعد الفجر. خاضتا غمار الممر المؤدي للمبنى الثالث في الوحدة السادسة، حيث كان الصمت يغلف المكان برداء ثقيل، كأن الزوايا هناك تشربت عزلة القاطنة خلف الباب ذي الرقم الباهت. نقرت المشرفة على الباب بحذر: –صيته؟ انتي صاحية؟

125 انسل ّ صوت رقيق من خلف العتمة كأنه خيط حرير يرتجف: –إي أبله خديجة، لحظة... تثاقلت الدقائق، ثم انزاح الباب ليحكي قصة الفراغ في الداخل. كانت الغرفة غارقة في دجى أبدي، والستائر مسدله تحجب نور الصباح عن عينين ال تبصران، وما أن اقتربت قليال من الباب انكشفت هيئة صيته. كانت ضئيلة، تعتلي وجهها نظارات سميكة ال تخدم بصرها، وشعرها مشعث كأنما خاضت صراعا مع األحالم لتوها، وارتدت ثوبها مقلوبا بغير وعي، أما مبسمها فكان غريبا، ال يحمل أثرا لبهجة أو شجن، بل كان كأنه تعبير ألرواح تسكن كوكبا منفيّا. همست بصوت يملؤهاالحترام: –هللايحيّك يــأبله. أجابت المشرفة: –معاي طالبة بتسكن معاك فترة مؤقتة لحد ما نالقي لها غرفة ثانية. ردت صيته بسكون مريب: –أي مايخالف يــأبله. تأملت سيما مشهد الفوضى؛ ثياب متناثرة على الفراش، صفحات كتب تئن تحت األقدام، وكأس ماء منسي ّ كأنه شاهد على نسيان صاحبته لكل شيء. لم تكن فوضى عابرة، بل كانت انعكاسا لروح تعانق الظالم في عزلة موحشة. التفتت سيما نحو المشرفة، بعينين تفيضان بطلب استغاثة صامت، لكنها آثرت الصمت واكتفت بكلمة:

126 –شكرا صيته. تدخلت المشرفة لتنهي الحيرة: –صيته أنا بعطيها نسخة من المفتاح ال تفزعين إذا سمعت الباب ينفتح. –حاضر أبله. في الرواق، تبددت أسرار اللقاء بسؤال المشرفة: –ها؟ وش رأيك؟ أجابت سيما بصوت يصارع الحيرة: –البنت هللا يسعدها... بس العيش معاها بيكون صعب. ما فيه تواصل بصري... ما تعرف إذا أنا موجودة أو طالعة... وإذا كانت تبي تغيّر مالبسها الزم تسألني... يمكن أضيّق عليها. المست قلبها ابتسامة المشرفة، تلك التي تمتلك حكمة األمهات، وقالت: –أناخليتكمعها ألن باقي لها شهر وتمشي. بعد الشهر الغرفة لك لحالك. اتسعت عينا سيما بوهج المفاجأة: –احلفي أبله؟ –إي وهللا. بس خالل الشهر... اعتني بصيته. هذي بنت ما عندها أحد. –أبشري. بكون لها عون إن شاء هللا.

127 أودعت المفتاح في كفها بكلمات تفيض تمنيات بالسالم، وانصرفت. عادت سيما إلى مأواها األول، لتجد رفيقاتها قد حاصرهن القلق، وبانتظارها كانت الوجوه كأنها مرايا لترقبها. قالت سيما بصوت حاول التماسك: –صباح الخير. هتفت جواهر بلهفة: –صباح النور، جينا نطمن عليك. وين كنت؟ سردت عليهن تفاصيل الرحلة القصيرة، وما إن انتهت حتى بثت شيخة في قلوبهن شيئا من الطمأنينة: –كل شي بيكون تمام، ال تضيقي نفسك، المهم أن إحنا باقي مع بعض، إن شاءهللا،حتى لو يودونا الهونولولو. تعالت القهقهات في األرجاء، حتى تالشت األنفاس بين الحناجر، حينها قطعت بيان حبل الصمت الممزوج بالمرح، متسائلة بنبرة يسكنها الفضول: –وين هذي الهونولولو؟ أجابتها جواهر وهي تحاول استجماع شتات نفسها من فرط الضحك: –هناك جنب بلجرشي بالزاوية… تجددت موجات الضحك لتغمر المكان، حتى استشعرت بدور عمق الرابطة التي تجمعهم، فرفعت كفيها بصدق وقالت:

128 –هللا ال يغير علينا وال يفرقنا. فجاء الرد جماعيا، كأنما هو عهد مقدّس: –آمين يارب العالمين. التفتت سيما نحو نجود، سجىوزينب، لتستنطق خبايا أخبارهن، قائلة: –ها وأنتوا وش صار عليكم؟ تحدثت زينب بصوت خجول ممزوج بالرضا: –أنا لقيت غرفه لحالي وهللا شكلها حلو بس الحمام بعيد. بينما تقاطعت كلمات نجود مع حديثهن، مشعة بالزهو: –أنا محظوظة وهللا، عطتني المشرفة غرفه فيها حمام.. تصدقوا؟ ترددت في األرجاء شهقات الدهشة، واختلطت تعبيرات الذهول على الوجوه، ثم جاءت التعليقات متالحقة: –وش! يــهللا يــحظك، نادر تالقي غرفه فيها حمام. أومأت نجود برأسها وهي تعيش نشوة الفوز، وأضافت: –أي وهللا أني مبسوطة وجالسة أنقل أغراضي، بس أخلص تعالوا شوفوها. استقبل الجميع دعوتها بابتسامات دافئة قائلين: –أي نجي إن شاء هللا، وهللا يبارك لك.

129 انسابت الضحكات في أرجاء الغرفة حين قطعت سجى حبل الصمت قائلة: –أجل بصير أجي أتروش عندك.. قالت أمل: –وأنابعد.. ثم ضحك الجميع لكن كان رد نجود: –اللي بشوفها جنب البابومعاهامالبسها بكرشها ال أشوف وجيهكن. واستمرتاألمسية الجميلة بين الصديقات بالضحكواللعبوالسمر. قالت أمل وسط األحاديث: –بما أنهم ما نقلوني.. فخلني أساعدكم. نظرت إليها سيما مداعبهومتسائلة: –أنا مب فاهمه ليه ما نقلوك انت الوحيدة بينا من الشلة كان حطوك مع بنت الوحدة السادسة. تنهدت أمل بعمق، وزفرت بأسى خفي: –يــ ليت. لم يكن احتفاء أمل بتلك الفتاة إال ضربا من ضروب اإلكبار لجوهرها الصقيل وسمو ّسجاياها؛ ففي ذاك المحبس المكاني الذي يفرض على القلوب تقاربا قسريا، وتجاورا يوميا ال انفكاك منه، تصبح الوجوه مرايا للطبائع، وتغدو األرواح المتفردة واحات يستظل بها المرء في هجير التكرار.

130 غير أن العقول المتربصة تبتسر هذا الود، وتسبغ عليه من التأويالت ما ال تطيقه حقيقته العذراء؛ إذ ما هو إال انحياز فطري ٌّ ألرواح نجد في قربها سكنا، وتهفو أنفسنا لرؤيتها في غسق األيام وضحاها، بعيدا عن كل ّما ال يمت للنقاء بصلة. ✼✼✼ في صباح اليوم التالي، انفتحت الخزانة ككتاب قديم، وبدأت سيما تجمع بقايا أيامها بتمهل. أخذت تتأمل الجدران التي حولت لونها الباهت إلى كريم دافئ، مستحضرة تلك اللحظات التي قضيتها في صقل المكان ليرتدي أبهى حلة، وتذكرت كيف تسللت لمخزن القبو، تنتزع من ركامه بقايا خشبية وأدوات منسية، لتصمم زاوية تشبه حلمها الضائع؛ سرير مرتفع، مصباح ضئيل، وساعة منبهة لم تكن توقظها للدرس فقط، بل كانت تدق في رأسها صدى طموح أضخم من حدود تلك الجدران. خيل إليها أن المرساة قد استقرت في قاع آمن، غير مدركة أن المرء يظل في هذا العالم زائرا عابرا، مهما طاب له المقام. فجدران الغرف المستعارة، وإن تأنقت، تظل شاهدة على غربة ساكنيها الذين ال يملكون فيها سوى فتات الذكريات. طوت الفتيات عامهن األخير وأثقال التوجس تنوء بها أكتافهن؛ إخفاقات دقيقة تراكمت، وتصدعات في الروح لم يجدن لها توصيفا، وكأن استعادة التوازن تتطلب دهرا ال مجرد أشهر تمضي. وما إن المس السكون حياتهن، حتى أذنت السنة بالرحيل.

131 ذوت ضحكات الممرات، وخمد صدى األنغام التي كانت تتسلل من خلوتهن، وانطفأت بريق األمسيات الطويلة على األرصفة. تالشت الرغبة في الخارج، وانزوت أرواحهن في غرفة واحدة، يقتسمن دفء الشاي، وكسرة خبز، وضحكة ال يفقه كنهها إال هن، في عزلة آمنة. حتى الجيران في أروقة السكن أدركوا هذا الشحوب الطارئ، فكانت تتواتر األسئلة بينهم: –وين شلة الثانية والسابعة؟ كانوا عاملين جو بالسكن، وينهم؟ انقضى العام، ثقيال، مشحونا بنذر الترقب، حيث يولد الخوف من شحوب الكلمات، ويحمل طيف الوداع نذير العودة إلى واقع ال مفر منه. وحين الحت لحظة الختام، وقفن في حفل التخرج، رؤوسهن تعانق السماء وخطواتهن ترسخ على األرض، وقد أثقلت قلوبهن جبال من تجارب لم تكن في الحسبان. عبرن بوابات الجامعة، ال كما ولجنها في خريف البدايات، بل كأرواح صيغت في أتون التجربة، وتشكّلت صلبة على سندان األيام. وفي لجّة الغرفة التي شهدت صمت أحالمهن وضجيج ضحكاتهن، أطبق الوداع بظالله الثقيلة، فخيم صمت ال يكسره إال لوعة الفراق. همست أمل وهي تتأمل أركان الغرفة كأنها تودع أجزاء من روحها: –خالص، وصلنا آلخر ليلة.. يعني الحين كل وحدة بتروح لديرتها؟ انكسر صوت بدور كزجاج هش، وارتجفت كلماتها في حلقها: –ال تقولين كذا، تكفين.. أحس صدري ضايق، كأنا بنضيع إذا تفرقنا. ابتسمت نجود ابتسامة خريفية، باهتة كلون الغروب، وقالت:

132 –ما ضيعنا شي، بس كبرنا.. الحين بنشوف الدنيا على حقيقتها، والذكريات هذي هي اللي بتصبرنا. مسحت سجى دمعة متمردة شقت طريقها على وجنتيها، وأجابت بنبرة مثقلة: –وهللا ما أدري شلون بنرجع نعيش بدون هالسوالف، كل شي بيصير غريب، بس األكيد إننا ما راح ننسى وال لحظة. جمعت سيما شتات حنجرتها، ونظرت إليهن بعينين تتقد عهدا، وقالت: –الحين يبغالنا نتعاهد على شي واحد.. ال.. شيئين.. األول أننا نتواصل دايم وندور بعض مهما صار، والثاني أننا نكون قويات وال نخلي شي يكسرنا في الحياة. أستودعكن هللا الذي ال تضيع ودائعه. ثم تالشى تدريجيا طيف كل واحدة، الواحدة تلو األخرى، وكأن األيام جاءت لتسترد ما منحته لهن من لقاء. سلكت كل منهن طريقا مختلفا، تحمل حقيبة امتألت بالذكريات أكثر مما امتألت باألحالم، وتخفي خلف ابتسامتها خوفا صامتا من المجهول. لم يكن الفراق نهاية الحكاية، بل كان الفصل الذي يجبر الجميع على النمو. فبعض الرفيقات غابت أجسادهن وبقيت أصواتهن عالقة في الزوايا، وبعضهن مضين بعيدا حتى محتهن المسافات، لكن أثرهن ظل محفورا في القلب ال تمحوه السنوات. وهكذا، انطفأت أنوار الغرفة التي جمعتهم يوما، وفتحت الحياة أبوابا جديدة لكل واحدة منهن، لتبدأ رحلة مختلفة، يكتبها القدر بحبر ال يشبه ما مضى، بينما بقيت الذكريات وحدها شاهدة على زمن لن يعود، لكنهلن يـــنسىأبدا.

133 حقيية الثانيةال–ننثاتالعشر تسللت خيوط الفجر األولى عبر زجاج النوافذ، تغزل خيوطا من نضاره على أركان البيت، وكأنها نداء خفي يعلن والدة فجر يتنفس طموحا. كان ذلك في خريف عام1997؛ حين عادت سيما محملة بشهادتها في علم النفس، وفي حقيبتها ما يزن الجبال من أحالم لم تكتب بعد، وإصراريرفض االنكسار. استيقظت بخفة توحي بأن روحها قد تحررت من قيود الجامعه. غسلت وجهها بلفحات الماء البارد، ووقفت أمام المرآة تسرح خصالت شعرها المتمردة التي تداعب ظهرها، ال لتتجمل ليوم عادي، بل لتستعد لمعركة الحياة التي نذرت نفسها لخوض غمارها. كان البيت في حي الصفا بجدة يلفه غموض البدايات، فقد انتقلت إليه عائلتها قبل ثالثة أشهر. كانت المدينة بحد ذاتها قصيدة تتنفس بحرا وتفيض باالتساع، مكانا تتقاطع فيه طرق األقدار وتتجدد فيه األماني. اتجهت إلى المطبخ حيث تراقص بخار غليان خليط القهوة في األرجاء، ووجدت والدتها تتقن صبها في األكواب بسكينة المعتادين على االنتظار. –صباحالخير يــغالية. التفتت األم، وارتسمت على محياها ابتسامة تشي بلهفة المشتاق لغائب: –صباح الخيروالسعادة يــعمري.. وهللا إني مب مصدقة إنك أخيرا عندي. ضحكت سيما وجلست بجوارها بحنين:

134 –خالص، أنا هنا.. مبسوطة إني رجعت لك وإلخواني.. ولشامان الصغيرون، يجنن ربي يسعده! صمتتهنيهثم أردفت بنبرة تشوبها غصّة: –بس.. وهللا بشتاق للسكنوالبنات. ربتت األم على كتفها بهدوء، وكأنها تقرأ ما وراء كلماتها: –هذي حالالدنيا يــميمتي.. ما فيه شيء يدوم. خفضت سيما نبرتها وهي تنظر نحو أفق بعيد: –بس يكفيني إني رجعت لك، وأتوظف إن شاء هللا قريب. وضعت األم يدها بحنان على يد ابنتها، وقالت بصوت واثق: –إن شاء هللا ربي يفتحها عليك. استقرت بهما الخطى في ردهة البيت حيث لفّهما سكون وادع يغلف أرجاء المكان. –يمّه.. وش أخبار ناصر بعد مارجعتوا منعرعر؟ تنهدت األم بعمق وأطلقت زفرة مثقلة باألسى: –بخير.. بس شايل بخاطره، هللا يعين قلبه على ما فات. عقدت سيما حاجبيها في استنكار وارتسمت على وجهها عالمات الدهشة: –يمه وش اللي صاير بالضبط؟ وهللا إنكم فاجأتوني بنقلتكم لجدة، وال قلتي لي خبر زواج مرام. حتى ما جاتني دعوة منهم! ترددت األم في إفشاء مكنوناتها ثم استطردت بنبرة خافتة:

135 –يــ بنيتي عمك شافه ذاك اليوم مع مرام، كانوا بوضع ما أعجبه، يمكن مساكن يدها أو شي زي كذا.. ومن وقتها إنجن علينا. –طيب وبعدين وش سوى؟ –طرده من البيت وال عاد يبي يشوف وجهه. اتسعت حدقتا سيما بذهول وقالت: –ال حول وال قوة إال باهلل، وش ذا الكالم؟ أكملت األم بحزن: –يوم جاء عندي يشكي لي، قلت له مالك إال اللي يرضيك، قمنا ورحنا نخطبها له رسميا، بس عمك استقبلنا بجفاء وسمعه كالم يوجع، سأله عن وظيفته ورصيده، وقال له بكل قسوة: –ترضى أزوج بنتي لواحد ال شغلة وال مشغلة؟ أنت ما ترضاها ل بنت عمك. خيم الصمت على المكان لبرهة حتى قطعت سيما حبل األفكار: –يــ ويلي.. وش صار بعد؟ –قال له فيه عريس ثاني جاهز، ضابط ومستقبله مضمون. –طيب وناصر وش كان رده؟ –ثارت أعصابه وقال أنا بشتغل وأكون نفسي عشانها، بس عمك قفل الباب بوجهه وقال له موببس أنا اللي رافض، حتى مرام ما تبيك. –معقولة مرام صدق رفضته؟ –إي وهللا، وافقت على العريس الثاني وسكرت صفحة ناصر لألبد، شكل أبوها ضغط عليها لين رضخت، وما مر شهر إال وهي متزوجة، هللا يستر عليها.

136 –يــ ساتر.. الدنياغدارة. ابتسمت األم ابتسامه ذابلة ملؤها المرارة: –يابنتي الحب ينكسر قدام النصيب، إذا جاء المكتوب ضاعت كل الخطط. أطرقت سيما رأسها بأسى: –مسكينوهللا يــناصر، قلبي يعورني عليه. –هللا بيعوضه باللي أحسن، نقلنا هنا بسرعة والحمد هلل توظف بشركةالمكيفاتكمتدرب، وراتبه يفتح النفس، وإذا تخرج بيثبتونه رسمي. –الحمد هلل، هذا أهم شي، والبيت هنا شرح وبرح أحسن بكثير من بيت عرعر. ثم استدركت بحماس متقد: –وأنا بعد يمه الزم أشوف لي شغلة، ما بي أجلس كذا. –خذي راحتك يابعد قلبي، كل شي بيجي في وقته الزين. تالشت الحروف في صمت مطبق حين هزت سيما رأسها تأييدا، قبل أن تكسر حاجز الصمت بسؤال ينم عن حاجة ملحة: –يمه، وين دفتر األرقام؟ –وش دفتره؟ –قصدي الدليل. –إيه.. تلقينهفي الدوالب اللي تحت التلفزيون. نهضت سيما بخطوات واثقة صوب الردهة، غير أن قدميها تجمدتا فجأة حين غاب عن ناظريها ذلك الجهاز المعهود، فالتفتت باستغراب حاد:

137 –يمه، وين التلفزيون؟ ردت األم بجمود يخفي خلفه يقينا ال يتزعزع: –ما عندنا تلفزيون بالبيت. عال صوت سيما بدهشة: –كيف يعني ما عندكم؟ قالت األم بنبرة حاسمة: –أنا كسرته، التلفزيونحرام يــبنتي، ربي نور بصيرتي وهداني للطريق اللي يرضيه. تراجعت سيما مذهولة: –تمزحين؟ أجابت األم بوقار: –ال وهللا، لنا قرابة تسع شهور وحنا على هالوضع من عرعر، هذي الصحوة. استنكرت سيما بضحكة يملؤها التعجب: –يمه، من قال لك... قاطعتها األم بصرامة: –ال تفتحين هالموضوع، هللا يهديك ويصلح حالك. وقفت سيما تحاول استيعاب الصدمة: –طيب، وش تسوون إذا طفشتوا؟ وين التسلية؟ –نقرأ قرآن، ونسمع أشرطة ذكر ومواعظ.

138 تبادلت نظرات مطولة مع والدتها، وأحست بأنها وطئت أرضا غريبة بتفاصيل متباينة، ثم ولت أدبارها نحو مخدعها وأوصدت خلفها الباب حاملة معها دليل الهاتف، موقنة بأن طريق العودة لم يعد يفض إلى المالذ الذي تمنته. قضت سيما بقية يومها في دوامة من الترقب، تنقب عن أرقام هواتف الدوائر الحكومية والجمعياتوالشركاتوترسم خرائط لطموحاتها، كانت روحها تتأرجح بين ضيق العيش ولهفة النجاح، كأنها تبحر في بحر من الغموض. مع انقشاع سدف الليل، استيقظت بنشاط، وجلست ترتشف قهوتها بتمهل واألنظار معلقة بوميض عقارب الساعة، وحين اقتربت الساعة من الثامنة، سارت بخطوات وئيدةنحو غرفة شقيقيها فالح وناصر. مدت يدها بخفية لتلتقط سماعة الهاتف، لكن يقظة فالح كانت لها بالمرصاد. –هيييه، وين طامعة فيه؟ –باخذ التلفون، عندي اتصاالت أبي أدور وظيفة. –الساعة كم الحين؟ –ثمان، بدأت الدوامات. رد فالح بتثاؤب ممزوج بالضجر: –ياهلل صباح خير،اخذيه بس ال تطولين، عندي مكالمات مهمة بعد. –ال عاد، انا بطول، عندي جهات كثيرة أتصل عليها، متى بيتصلون عليك؟ صرخ فالح بحدة: –قلت بسرعة! ال تكثرين هرج!

139 استلت سيما الهاتف وصمتت، خرجت غاضبه من أسلوب فالح، وفي طريقها إلى الصالة رمت نظرة على والدتها التي كانت تراقبها في سكون. قالت سيما بنبرة يملؤها الغيظ: –يمه، وش فيه فالح صاير كذا؟ أجابت األم ببرود: –أنتي أخبر بطبعه. هتفت سيما: –إيه أعرفه، بس وش أسوي؟ أبي أتصل عشان أتوظف، ما عندي ال واسطة وال معارف، التلفون هو وسيلتي الوحيدة. –خالص روحي ابدأي. أومأت برأسها في خضوع قسري، قائلة: طيب، هللا يسهل. انزوت خلف طاولتها، تالحق طيف األمل في أرقام الهواتف، تتلقى الرفض ببرود يغلفه الجفاء، تارة توصد األبواب في وجه طموحها بحجج عدم وجود شاغرأو المواعيداآلجلة، وتارة أخرى تنهال عليها عروض ال تشبه تخصصها وال تليق بجهدها، فتمسك قلمها لتدون تفاصيل الخيبة في دفتر مهترئ، تحاول جاهدة أن تلملم شظايا صبرها قبل أن تداهمها نوبات االنهيار. وعندما انتصف النهار وتوارى، اخترق صراخ فالح جدران الصمت، هادرا بحدة: –سيماااااا! جيبي التليفون! هرعت إليه، لتجده مستلقيا على فراشه، فصاحت وهي تكتم غصتها:

140 –ممكن تصبر؟ باقي أماكن كثير ما اتصلت عليهم. رمقها فالح بنظرة استعالء، متمتما بضجر: –جيبيه وخالص، رجع لنا الصداع. أطاعت وهي مجبره فهي ال تريد افتعال المشاكل، ثم اقتربت منه تهمس برجاء أخير: –كنت ناوية أكمل، كثير جمعيات وعيادات يفتحون العصر. لم يلتفت إليها، بل انغمس في عالمه الخاص وكأنها جزء من األثاث، ثم سألها بحدة: –في أحداتصل؟ أجابت بصوت خافت يمأله االنكسار: –ال ما أحد اتصل. غادرت المكان، والحرقة تتصاعد في صدرها كجمر ال ينطفئ، وما إن أقبل ناصر من عمله، حتى أعدت له العشاء، وحين أتم طعامه، جأرت بما في داخلها: –أنا أبي أشتغل. فجحظت عيناه بذهول مصطنع: –اشتغلي، منماسكك؟ أجابت بمرارة تنهش صوتها: –فالح مب راضي يترك لي التلفون. –طيب؟ –كلمه يسمع منك، أنا ما يسمع مني، احتاج التلفون دايم. استفسر ناصر باستنكار:

141 –دايم كيف يعني؟ زفرت سيما بأسى: –يعني يتركه لي في الصباح على األقل الين الساعة خمس أو ست المغرب، ترى هو يكون نايم. –طيب بكلمه بكره، الحين مره تعبان وهللا مالي خلق المناقر، بروح أنام. قالت سيما بقلة حيلة: –ما يخالف، هللا يعطيك العافية. ✼✼✼ ومع بزوغ شمس يوم جديد، استحال البيت ساحة للمشاحنات، إذ استأثر فالح بالهاتف كعادته، غارقا في ضحكات مستفزة مع من يسميها حبيبته. صاحت سيما باستعطاف: –فالح، أرجوك، احتاج التليفون، الزم أتصل، أمس في سجن النساء الرقيب قال لي اتصل اليوم. رد فالح ببرود: –أنا احتاج التليفون، حبيبتي تكلمني رمقت سيما والدتها الجالسة على األريكة، وقد انكسرت مالمحها تحت وطأة الصمت والعجز، فاستجمعت سيما حزمها ونبست بصوت جريح: –ياخي عيب، هذا الكالم قدام أمك. التفت فالح بحدة وانفعال:

142 –ليش؟ الحب عيب؟ قالت سيما بنبرة حازمة: –إيه، انت باقي صغير، بدل ما تحب وتتمعشق، روح اشتغل أو كملدراستك يــفاشل. صرخ فالح بحدة: –أقول كلي تبن وانطمي، ال تقولي فاشل. ردت سيما بحدة مماثلة: –تبنبفمك يــقليل األدب، أنا أختك الكبيرة. تدخلت األم مذعورة: –قولوا ال إله إال هللا على الصبح، تونانقول يــهادي! لكن فالح زاد في طغيانه: –اتخرجت يــالشيخة وصرت تعايريني؟! فاشل ها؟! دب ّ الذعر في أوصال الصغير شامان، ففر ّ يحتمي خلف أخته التي مدت ذراعيها درعا له. قالت سيما تحاول احتواء الموقف: –ما قصدت فاشل بمعنى فاشل، قصدي تشتغل، تكبر... قاطعها فالح بفظاظة: –ال تتوظفين! ما نبي فلوسك! روحي تزوجي! كنا مرتاحين بدونك وأنت بالجامعة، رجعتي لنا بقرفك! ثم اقترب منها ووجهه يقدح شرا:

143 لك ساعتين باليوم تاخذين التليفون بس، لين الساعة عشرة الصبح ألقاه فوق راسي! وإال وهللا ألقلب عيشتك جحيم! وقفت سيما متسمرة في مكانها والتفتت ألمها: –وش رأيك؟ عجبك كيف يتكلم مع أخته الكبيرة؟ أجابت األم: –ال وهللا، بس إنت جديدة على فالح؟ فالح من يومه كذا. استيقظ ناصر على ضجيجهم وقال: –خير وش فيه على الصبح؟ ردت سيما: –زين أنك صحيت، شوف أخوك. ضحك فالح بسخرية: –اطلعوا برّه، بشوف المباراة، تخوفوني بناصر؟! يمّه، وهللا خفت! دخل ناصر الحمام غير آبه بثرثرة أخيه، فنادى فالح شامان بلهجة تسلطية: –تعال يــولد، روح جيب لي دخان من البقالة. انتفضت سيما ممسكة بيد أمها لتخرجا من المجلس: –ويه ويه ويه.. ليه ما يروح هو يشتري الدخان؟ شامان صغير! كيف تسمحين يطلع للبقالة لحاله؟ وكمان يشتري له دخان؟! يمه، ما بتسكتين عن ذا الشيصح؟ تنهدت األم وهي تسير نحو المطبخ:

144 –يــ حبيبتي عادي يروح بسرعهويجيالبقالة ب نفس العمارة مع جنب. ترى أمور كثيرة تغيّرت، وإنت بالسكن، إخوانك كبروا، وكبرت مشاكلهم. –إيه، واضح. بس هم كذا من زمان، مراجيج،وهالحين وش بيسوي ناصر يعني مع ذا الدلخ؟ ليت أبوي كان عايش، ما كانوا طلعوا كذا. تنهدت األم وقالت: –ياليت… أنا ما أعرف أقضبهم زين. التفتت سيما إلى والدتها، بعينين حانيتين رغم األسى، وقالت: –ال يــعمري، ما قصدت. بس طيبتك خلتهم يستضعفونك. ضحكت األم ضحكة مريرة وقالت بإستهزاء: –إي، أنا ضعيفه. ضحكت سيما خفيفا، واقتربت من والدتها، وضمت رأسها بين يديها، وقبّلتها على الجبين. –يوه يمه مب قصدي انت فاهمه أنا وش أقصد.. جعل عمرك طويل. وبعددقائق صدح جرس الباب، فنهض فالح يجر خطاه نحو الباب بملل، ليجد الصغير شامان يقف أمام العتبة، قبضته تحتضن كيسا من الرقائق وفي األخرى علبة تبغ، قبضها فالح بإهمال ولوح بها قائال: –يــ هلل، ادخل عند أمك، ما أبغى أسمع لك حس، ال تنط وال ترج راسي، فاهم؟ أجابه شامان ببراءة:

145 –طيب. تسلل الصغير إلى الداخل وانزوى في الزاوية مع لعبته اإللكترونية، يغرق في أضواء الشاشة المتراقصة، أصابعه تتحرك بمهارة دون أن ينبس ببنت شفة. خرج ناصر من الحمام يلف جسده ببقايا دفء الماء، بينما كانت رائحة القهوة تمأل األرجاء حيث جلست سيما جوار والدتها، تضم فنجانهابحذر، وماإن رفعت بصرها حتى قال بنبرة عابرة ال تحتمل الجدال: –سيما، سوي لي فطور هللا يعافيك، من أمس ما ذقت أكل. أجابت بسرعة: –أبشر، دقايق. لكنها قامت بتجهيز اإلفطار للجميع ونادت عليهم، ثم قال ناصر وهو يسكب الشاي: –ها وش فيكم؟ وش المشكلة؟ لم يمهل فالح أحدا، إذ اندفع بجمله كالشريط الكرار: –أختنا الكبيرة سيما جاية وتبي تفرض سطوتها، تبي التلفون بحضنها وتتحكم وتنتقدني بأني فاشل. تسمرت سيما في مكانها للحظات، ثم رفعت عينيها محاولة استجماع شتات هدوئها: –حبيبي، أنا ما قصدت ها الكلمة، كل اللي قلته نبحث عن شغل، وبعدين أي تحكم بالتلفون؟ أنا بس أبي أدور فرصة عمل.

146 تالشت كلماتها خائرة القوى، وكأنها تترجى عدالة في محكمة حسمت قضيتها سلفا. تدخل ناصر بلهجة حازمة: –ما ينفع من الجرايد عن طريق إرسال فاكس؟، التلفون ما منه فايدة وال بيجيب لك وظيفة. ردت وهي تتشبث بحق بسيط بدا وكأنه طمع: –إال ينفع، الزم أدور في كل مكان، الزم أتواصل مع الكل. سأل بحدة: –وين بتدورين بالضبط؟ –أبي أكلم وزارة الصحة والتعليم، أشوف وين أقدم أوراقي. هز رأسه نافيا: –هذول ما يردون بالتلفون، الدوائر الحكومية يبغالك تروحين لهم. شعرت سيما أن الهوة بين محاوالتها والعدم تزداد اتساعا: –كنت بحاول أتصل أول، ليش أتكلف بالتاكسي وأتعب نفسي؟ قاطعها ناصر: –ال، خذي أمي وروحي بالتاكسي، واتركي التلفون، ما منه رجا. أيقنت سيما في تلك اللحظة أن القرار قد اتخذ، وأن صوتها لم يعد مسموعا في هذا المكان، فتسرب االستهجان بعنفوان إلى نبرتها:

147 –غريبة، صرنا نحتاج تصريح عشان نستخدم تلفون؟ ما أقدر أتابع شغلي أو أكلم صديقاتي إال بإذن من إخواني الصغار؟ ما شاء هللا. أجاب ناصر بنبرة حاول تصنّع الهدوء فيها: –ما عدنا بصغار، كبرنا خالص، ال تكبّري السالفة، كلها تلفون. عقب فالح بابتسامة نصر صغيرة: –قلت لك من أول، بس ماش. التلفون مبللبنات يــخيتي حتى لو كنت بتدورين عمل. نهض ناصر يرتدي ثوبه وكأن شيئا لم يكن، وتبعه فالح، فخلفا وراءهما سيما في مكانها ساكنة كتمثال، تحدق فيهماوفيالمائدة التي رتبتها بيديها، وقد أضحت ساحة لمعركة خاسرة لم تختر خوضها،وفيأعماقها ضجيج مكتوم، بينما المكان يلفه صمت مطبق، وإلى جوارها كانت األم تتحدث، صوتها يقترب ويبتعد كأنه ينساب من خلف جدار عازل: معليش...التلفون... شامان... كل... أروح أصلي... رفعت سيما نظراتها ببطء، لم تكن ترىوالدتها،بل كان شعور غائر يغزوها، إحساس الغربة حين تصبح دخيال في مالذك، التفتت نحو فنجانها، كانت القهوة قد بردت كليا، مثلها تماما. في تلك اللحظة تجلى لها أن الجدل لم يكن يوما حول جهاز الهاتف، بل كان صراعا وجوديا المرأة تحاول انتزاع حقها في مجتمع ذكوري ال يرى أبعد من قوالبه.

148 مضت األيام ثقيلة كقطعة حديد تهوي في قاع محيط سحيق، وخمسة أشهر من الفراغ استنزفت ما تبقى من طموحها، فالعروض الوظيفية كانت تهزأ بمؤهالتها، والرواتب ال تغطي حتى أجور التنقالت، حتى غدت أمنياتها التي كانت تحلق في سماء الطموح تنحدر لتقبع في أرض الجفاف. كانت تحتمي من وحشة أيامها بالكتابة، وتدندن بألحان مكتومة تعيد ترتيب روحها، أو تفرغ ما في قلبها من حنان باللعب مع أخيها الصغير شامان. ✼✼✼ وفي مساء رطب انكسر فيه سكون البيت برنين الهاتف، كان فالح مستغرقا في سبات عميق، فنهض مثقال بالنعاس وأجاب بصوت خامل: –نعم؟ تغيرت مالمحه فجأة، ثم نادى بصوت مسموع: –سيما.. سيما تعالي، تليفون. خرجت من عزلتها والنبض في صدرها يقرع طبول الترقب: –مين؟ ناولها السماعة وهو يهمس: –مستشفى العسكري. تسلل االضطراب إلى كفيها وهي تمسك بفرصة عمرها: –ألو؟

149 جاءها صوت الموظف جافا ومباشرا: –معاك قسم التوظيف بالمستشفى العسكري، انت قدمت على وظيفة أخصائية نفسية، صحيح؟ –إي، صحيح قدمت. بتر الصوت أنفاسها قائال: –لألسف حاليا ما فيه شواغر لهذي الوظيفة، لكن نبحث عن مترجمات لغة إنجليزية براتب أربعة آالف، كيف لغتك؟ تصارعت في عقلها األفكار للحظة قبل أن تجيب بثبات: –جيدة، الحمد هلل. –تمام، تقدرين تجين بكرة الساعة وحدة الظهر لالختبار؟ لمعت عينيها كأنها الصقر قد لمح فريسه: –أقدر إن شاء هللا. –طيب، تعالي الساعة١٢:٣٠، المبنى الرئيسي، الدور الرابع، قسم التوظيف، عند الرقيب خالد. –تم بإذن هللا، شكرا جزيال. –بالتوفيق.. مع السالمة. أطبقت سيما شفتيها على سماعة الهاتف كأنها تخشى تبدد صدى الكلمات األخيرة، ثم أزاحته عن أذنها ببطء ال يخلو من التردد، لتجد فالح يرمقها بنظرات محملة باالستنكار.

150 –وش ذي الوظيفة؟ –مترجمة في المستشفى. أطبق شفتيه بضيق واضح وهو يضيف: –يعني ما لقيتي إال مستشفى؟ ما فيه مدارس؟ أجابت بصوت رصين اكتسبته من صقل التجارب: –الحين صار لي أدور ثمان شهور بدونفايدةقدمت على كل المدارس األهلية، لكن رواتبهم يــ دوب تغطي أجرة المواصالت. –والمدارسالحكومية وش بها؟ –الحكومي فيها مفاضلهوإجراءاتطويله وقدمت على كل الوظايف المتوفرة لكن ما جاني أي ترشيح.ووظايفهميعلنون عنها بـ الجريدة مب دايممتوفرة. –طيب ليه ما تشترين جريدة وتشوفين؟ –من قالك إني مالي بمشتركه مع بنت الجيران، هي لايروأنالاير. –من متى؟ –من الصباح بدريوأنتمخمج نايم للمغرب وين بتشوف؟ –أعوذ باهلل من لسانك تبيني أصحى من الفجر عشان أشوف طخة وجهك؟ اسكتي بس. صمتت لبرهة فباغتها صوته:

151 –بكره بوديك بتاكسي، بصحى١٢وأشوف مكان شغلك هذا. نظرت لعينيه بجدية: –ال، الزم نطلع١١، أبغى أكون هناك بدري. تنهد ساخرا: –بس إذا توظفتي، بتشترين لي سيارة؟ عشان ما أبقى فاشل كذا. ابتسمت بود: –من عيوني، بس قل يارب. ضحك بسخرية: –يارب، الحينفارقي يــهللا. ضحكت بسعادة، ثم انصرفت نحو المطبخ حيث كانت أمها فاقتربت منها كمن يحتمي بظل وارف. –يمه، أبشرك! اتصلوا علي من المستشفى العسكري، عندي اختبار بكره! استدارت األم ووجهها يتهلل بشرا: –هللا يبشرك بالجنة، فالكالتوفيق يــبنتي، الوظيفة لك بإذن هللا. –يارب يــيمه، بجهز السلطة الحين، ناصر بيجي يتغدى معنا، صح؟ –إي بيجي هللا يسعده، روحي جهزي السفرة وأنا بحمر الدجاج.

152 انتقلت في أرجاء المطبخ كالفراشة وفي أعماقها رجاء ألح ّ أن يمر الغد بسالم، وأن تشرع لها الحياة بابا طال انتظاره. حول المائدة، وبين لقيمات الطعام وتبادل األحاديث، كان الخبر يحوم في األرجاء كبشارة تنتظر االكتمال. توهجت عينا ناصر ببريق الحماسة حين زف الخبر، وكأنما ألقى بقطعة سكر في كوب شاي هادئ، وقال: –المستشفى العسكري؟ هذي البشارة اللي تجبر الخاطر! ثم استرسل في دعابته المعتادة غامزا: تخيل لو طلعتي رتبة! راتبكزودالسبعة آالف، وتصير أختنا عسكرية ونفتخر فيها. تجمدت مالمح فالح في برود جليدي وهو يرمقها بنظرة تحمل في طياتها مرارة الذعة. قال فالح بتهكم: –وهللا الموضوع يفشل صراحة. هز ناصر كتفيه بابتسامة متفائلة: –ال يــرجال، وش اللي يفشل؟ الحين ما عاد أحد يقدر يرفع عينه فيها، هيبتها بتكفيها. زفر فالح بضيق وقال بنبرة خافتة: –خلنا نشوف وين بتوصلنا ها السالفة.

153 مع بزوغ خيوط الشمس الذهبية في صباح اليوم التالي، كانت سيما قد استعدت بكيان يضج بالتوتر، تحصي عقارب الساعة التي بدت وكأنها أثقل من أن تتحرك، ومع اقتراب الوقت من الحادية عشرة والنصف، كان فالح ال يزال غارقا في سباته، طرقت بابه بإصرار حتى تالشت صمود األبواب وفتحتها لتجد نفسها وسط فوضى نومه. هتفت سيما بنبرة يغلفها القلق: –فالح، قم تكفى! الساعة صارت أحد عش ونص، ترى وهللا بآخذ أمي وأروح لحالي مارح أنتظر أكثر. تأفف فالح بضجر وهو يفتح جفنيه المثقلين: –طيب طيب، أعوذ باهلل من العجلة. نهض مبعثر الشعر، تعلو وجهه سحابة من الضيق، غسل مالمحه بكسل ووقف عند العتبة: –خلصنا، مشينا. نظرت إليه سيما باستنكار وتابعت: –ثوبك ذا؟ البس واحد نظيف ومكوي من الخزانة، نبي نطلع بمظهر الئق. –تنهد بضيق: ضروري يعني؟ –أكيد، حنا رايحين لمستشفى عسكري،و،حتى لو للشارع الزم الترتيب. زمجر فالح بضجر وهو يغادر الغرفة: –أستغفر هللا، ما وراكم إال المظاهر الكذابة، دقيقة بس.

154 عاد بعد لحظات وقد غمرته رائحة العطر، ليجد سيما تقف عند الباب كأنها على جمر، وقالت بعجالة: –ما شاء هللا رزه شف ما أحلى شكلك..بس يــهللا يــخوي، تراك بتأخرنا على موعدنا. –ال تصيرين مصرقعة! باقي ما صارت الساعة١٢، وموعدك١. بنكون بالوقت. –طيب، طيب. اطلع جيب ليموزين بسرعة، هللا يعافيك موعدي١٢ونص. توارى فالح خلف الباب، وبقيت هي رهينة لوساوسها، تقلّب كفيها وتالحق عقارب الساعة التي بدت وكأنها تتعمد التباطؤ، مدركة أن المسافة نحو المستشفى تبتلع نصف ساعة من عمر يومها. تطلعت نحو أمها وبقايا من أمل يغادر عينيها: –وش باله فالح؟ تأخر! كلها ليموزين وش ذا؟ حاولت األم امتصاص فوران ابنتها بهدوء مصطنع: –اصبري شوي. وما إن أطل فالح حتى انكمش الوقت إلى دقائق معدودات، فانطلقوا يتسابقون مع الريح، لكن عثرات القدر كانت لهم بالمرصاد، حيث كبّل الزحام الناتج عن حادث مروري حركتهم، لتصل سيما بعد فوات الموعد بخمس عشرة دقيقة. اقتحمت المكان وهي تستبق أنفاسها المتقطعة، تجاهد الستعادة توازنها بعد ليلة أرق طويال، فخاطبت الموظفة بصوت يتهدج: –السالم عليكم... عندي اختبار مع الرقيب خالد.

155 جاءها الرد باردا كالجليد: –البنات دخلوا من بدري لالختبار. استجمعت ما تبقى من كبريائها وتوسلت: –هللا يعافيك، كان في حادث على طريقنا... أشارت الموظفة ببرود: –لحظة أنادي لك الرقيب. ظهر الرقيب خالد بوقار هادئ، يرمقها بنظرات استقصائية: –أخت سيما، لألسف ما ينفع، تأخرت على االختبار. بنتصل عليك الحقا إن شاء هللا. لم تستسلم سيما، بل واجهت الموقف بإصرار: –حضرة الرقيب، وهللا التأخير خارج عن إرادتي. مب تقصير أبدا... وفجأة، اقتحم فالح الحوار كاإلعصار بنبرة حادة قاطعة: –سيما، خالص. مشينا. ال تتكلمين زيادة. تالقت نظرات الرقيب بينهما، صمت لبرهة قبل أن يكسر الجمود بقرار مفاجئ: –نقدر نعمل لك استثناء. تختبرين بغرفة لحالك. أتفضلي هنا. تسللت سيما إلى المكتب الصغير تغالب دقات قلبها، التفتت نحو الرقيب بامتنان غامر قائلة: –هللا يجزاك خير.

156 رد فالح بنبرة جافة قاطعة: –بجلس معها بالغرفة. رد الرقيب: –ما يخالف. انعزلت سيما عن العالم، وانهمكت في حل األسئلة بينما كان فالح يتململ في مقعده، يراقب عقارب الساعة وهي تثقل كاهل المكان، حتى نفد صبره ونهض فجأة وقال: –أنا بدور لي كافتيريا، آخذ لي زقارة. غادر المكان، وبعد برهة وجيزة أطل ّ الرقيب بوجهه الصارم متسائال: –ها، كم باقي لك؟ أجابت بصوت خافت: –قربت أخلص، هذا آخر سؤال. أومأ برأسه وقال: –تمام، بس تخلصين سلمي الورقة للموظفة. ردت بإذعان: –أبشر طال عمرك، وشكرا جزيال، جزاك هللا ألف خير. أجاب بهدوء:

157 –وياك، إن شاء هللا خير. لملمت سيما أوراقها وسلمتها للموظفة، وما إن خطت خارج المكتب حتى واجهت فالح بانتظارها. بادرها بالسؤال: –ها، وش صار؟ أجابته بنبرة مقتضبة: –خلصت. سارا معا نحو المخرج، وفجأة كسر فالح صمت الطريق بقوله: –ما ظنتي بتتوظفين هنا. نظرت إليه بدهشة عارمة وقالت: –ليش؟ تابع بلهجة حادة: –كلهم عساكر والمكان مختلط و إحنا ما يمشي معانا الكالم ذا. مشيت سيما مثقلة بخيبة خانقة، تحمّل في جوفها شتاتا من كلمات أخيها الذي ال يجيد سوى الهدم، وحين بلغت عتبة الدار استقبلتها أمها بلهفة ترجو خبرا يسر ّ الخاطر. بادرتها األم بالسؤال:

158 –ها، بشري؟ رمقت سيما شقيقها فالح وهو يدلف المجلس صامتا، ثم التفتت إلى أمها بابتسامة باهتة وقالت: –الحمد هلل يمه، سويت زين واألسئلة كانت سهلة، تأخرت شوي بس الحمد هلل خلوني أقدم االختبار. –طيب، عسى خير. مضت أسبوعان كأنها دهر، وجلست سيما بجوار أمها ترقب خطوط اإلعياء المنحوتة على وجهها، تتقاذفها أمواج الرجاء واليأس، ثم زفرت بضيق: –طولوا المستشفى ما اتصلوا، أو يمكن دقوا وفالح صرفهم. أبعدت األم كتاب هللا عن ناظريها: –ليه يصرفهم؟ أجابت سيما بحنق: –يقول المستشفى مختلط. أردفت األم: –ال حول وال قوة إال باهلل. تحولت األيام إلى رحلة كفاح مريرة، ولم تعد سيما تنتظر اتصال من العسكري بعد أن صابها اليأس، وفي طريق عودتها في أحد األيام مع والدتها من المستوصف لمحتا مدرسة أهلية، فالتفتت وقالت: بدخل أسأل إذا فيه شواغر.

159 استقبلوها بترحيب وعرضوا عليها وظيفة مشرفة اجتماعية، وبأجر ال يكاد يسد الرمق، لكنها ارتضته فهي قريبة من دارها، وتمنح شقيقها شامان مقعدا للدراسة مجانا، فأخلصت في عملها حتى تماهت في أروقة المدرسة ونسيت حلمها القديم. ✼✼✼ حتى جاء مساء حين عادت منهكة، فاستقبلها فالح بنبأ قلب الموازين: –تصدقين؟ كلموك المستشفى العسكري اليوم،ويبونكتشتغلين معاهم مترجمة. اتسعت عيناها بذهول: –احلف؟ بعد سبع شهور؟ الحين يتذكرون؟ رد فالح بابتسامة واثقة: –إي وهللا، وأنا سألتهم عن كل شيء. سألته بدهشة: –وش يعني سألتهم؟ –سألتهم وين شغلك، وطبيعة الوظيفة، والراتب، والمواصالت، وكل شيء. تجاهلت تدخل أخيها رغم انزعاجها: –وش قالوا؟ –بتشتغلين مع دكتور هندي كمترجمة شفهية ومعاهم ممرضة، الراتب فوق أربعة آالف، وفيه مواصالت، والدوام من تسع لخمس.

160 شهقت سيما بذهول: –فوق أربعة؟ هذا ثالث أضعاف راتبي بالمدرسة! أردف فالح: –بالضبط، أحسن لك من وظيفته المدرسة التعبانة، مب قادرين نشتري سيارة. سألت بترقب: –طيب.. متى أروح؟ قالوا تعالي بكرة توقيع العقد. هرعت سيما إلى أمها التي كانت ال تزال في محراب صالتها: –يمه! سمعتي؟ اتصلوا علي أخيرا! مستشفى العسكري! ردت األم بامتنان: –اي ما شاء هللا فالح علمني، الحمد هلل. في اليوم التالي، تزينت سيما بأبهى حللها وأيقظت فالح ليتوجها إلى وجهتهما، وهناك استقبلتهما موظفة االستقبال بلطف: –أهال، كيف أقدر أساعدك؟ ردت سيما بثقة: –جيت أوقع عقد وظيفة، اسمي سيما.

161 قالت الموظفة: –تمام، لحظة أعطي خبر للرقيب. دخلت سيما مع أخيها مكتب الرقيب خالد الذي استقبلها بترحيب: –أهال سيما، موظفتنا الجديدة، كيف حالك؟ أجابت: –بخير، الحمد هلل. أشار إلى األوراق أمامه: –هذا العقد اقريه بهدوء، وإذا كل شيء مناسب، وقعي. تناولت األوراق، قلبت صفحاتها، ثم رفعت عينيها نحوه وسألت: –بس هذا عقد مع شركة، مب مباشر مع القوات المسلحة. –صحيح، الشركة توفّر لنا موظفين مدنيين. التوظيف العسكري له تقديم ثاني، ورتب، وسلم وظيفي مختلف. –كنت حابة أحط لي رجل بالمستشفى عشان بعدين أقدم على تخصصي كأخصائية نفسية. –ممكن، لكن بصراحة، صعب. الوظائف الرسمية العسكرية فيها شروط معقدة. لكن الباب ما انقفل، تابعي التقديم وربي يوفقك. –بإذن هللا، وشكرا لكوالمواصالت؟

162 –بعد توقيع العقد، الموظفة بتعطيك بطاقة موظف، وتنزلين للمالزم محمد. وبكرا تبدأين تدريب وشغل، بعدها تستلمين العيادة. –ممتاز، بس ممكن أبدأ بعد بكره؟ ببلغ المدرسة اللي اشتغل فيها حاليا –ما به مشكلة. ببلغ الموظفة يخلون العقد يبدأ من بعد بكره. ثم أضاف بابتسامة: –لك بطاقة صحية، وإجازة سنوية٢٥يوم، و٧أيام مرضية. والزي تنورة طويلة، وبالطو، ممنوع الكعبوالمكياجلغير المنقبات. هزّت رأسها بالموافقة: –كل شيء تمام. شكرا جزيال، حضرة الرقيب. حينها، تدخل فالح: –بس سؤال.. اختي ما تختلط بالعسكر صح؟ رفع الرقيب حاجبه: –وش تقصد تختلط؟ –يعني، شغلها مباشر معهم؟ –شغلها مع دكتور، وممرضة. والمرضى أكيد العساكر وأهاليهم. إذا ما يناسبكم، نوقف قبل التوقيع. –ال ال، مناسب. أهم شي ما فيه احتكاك مباشر.

163 أجاب الرقيب بصرامة: –كل الموظفات هنا أخواتنا، وحنا مسؤولين عنهن أكثر منكم. سالمتهن خط أحمر. تراجع فالح في كرسيه كالطفل الخجول بعد أن شعر بقوة وصرامة الرقيب في التجاوبوالرد. ثم خرجوا من المكتب، وهمست سيما لفالح وهي تقرصه: –فشلتنا! ضحك وهو يبعد يدها محرجا: –اسكتي بس، ياهلل عند الموظفة. جمعت أوراقها وبطاقة تعريفها وخطاب النقل، ثم هبطت وفالح نحو القبو حيث يقع مركز المواصالت، استقبلهما المالزم محمد بلياقة عالية، استفسر عن تفاصيل العنوان بدقة، وأخبرهما بوجود زميلة تسكن في جوارهم، ستكون سيما المحطة التالية في مسار الحافلة، أوصاها بأن تكون مستعده أمام باب منزلها في الثامنة والربع، وبأن تلوح للسائق بيديها في رحلتها األولى ليرصد الموقع بدقة. –بصراحة، المالزم محمد طلع أذرب وأخالقه أحسن، الرقيب خالد حسيته شايف نفسه بزيادة، هكذا بدأ فالح حديثه بينما كانا يركبان سيارة األجرة في طريق العودة. أجابته سيما باقتضاب لتنهي الحوار قبل أن يبدأ: –إي صحيح.

164 في الصباح التالي، توجهت سيما نحو مدرستها لتطوي صفحة، طرقت باب المديرة وأردفت: –السالم عليكم، أبلة فاطمة ممكنأكلمك؟ أهال حبيبتي، تفضلي. –أمس وقعت عقد بالمستشفى العسكري، وببدأ بكره، حبيت أبلغك وأقدم استقالتي. تنهدت فاطمة بأسى وابتسمت قائلة: –ما شاء هللا، هللا يوفقك، بنخسر موظفة مميزة مثلك، ياليتك علمتيني قبل عشان ألقى بديلة. ردت سيما بصدق: –وهللا ما اتصلوا علي إال قبل أمس، وكان المفروض أبدأ اليوم، بس جيت أخلص أموري عشان أبلغكوأسلمعليكم. –هللا يبارك فيك ويكتب لك الخير، وقعي االستقالة وخذيها للمالية يصفون مستحقاتك. غادرت سيما أسوار المدرسة وقد غمر قلبها شعور بأن الحياة أخيرا تنفتح أمامها على مصراعيها، في صبيحة اليوم التالي وقفت أمام خزانتها بقلب ملؤه التفاؤل، انتقيت تنورتها الخضراءالمطرزةبزهور الزنبق، كانت تشعر حين ترتديها كأنها عصفورة تحلق في أول أيام الربيع. لم تكد تهم بالخروج حتى اقتحم فالح غرفتها بوجه عابس: –وش ذا إن شاءهللا؟ دارت حول نفسها بسعادة:

165 –وش فيه؟ زمجر فالح بحدة: –ألوانها ملفتة! لبسك للعمل الزم يكون أسود، ال كحلي وال بني، أسود وبس. حاولت الدفاع عن حقها في االختيار لكن صوته عال، حتى دخلت األم مهرولة: –وشفيكم؟ قالت سيما بنبرة يملؤها الضيق: –يتحكمبلبسي! رغم محاولة األم تهدئة األجواء وتأكيدها أن مالبس ابنتها وقورة، صرخ فالح بغضب: –ما يكفي سمحنا لها تشتغل بمكان مختلط، تبي تلبس موردوملون؟ رمقت سيما الساعة بذعر، فقد دهمها الوقت، ركضت لغرفتها واستبدلت تنورتها الملونة بأخرى سوداء، خرجت صامتة لتجد الباص بانتظارها وسائقها يغلي من الغضب: –تأخرنا، كان المفروض تنتظرين عندالباب! اعتذرت بصوت متهدج بالكاد يبين: –سامحني، آخر مرة. اعتلت الحافلة وجلست في المقاعد الخلفية، أمالت رأسها على زجاج النافذة تراقب شوارع جدة، أطفال المدارس، صخب المحالت، وبزوغ الشمس؛ كل شيء بدا في عينيها جميال رغم مرارة ما حدث.

166 همست لنفسها: –ما أحلى جده.. كل شي حلو. وصلت سيما إلى المستشفى، ورغم النكد الذي خنق أنفاسها منذ الصباح، إال أن المكان كان كفيال بأن يبدّد كل شعور ثقيل. استقبلها المستشفى بابتسامات مشرقة وهدوء مريح، كان الرجال بزيهم العسكري بدوا كأنهم أعمدة من نور. صحيح أن الثوب السعودي األبيض يمنح أبناء الوطن وسامة هادئة، لكن البدلة العسكرية تكسوهم بهيبة تشعر من يراها باألمان، بالفخر، بالعزة. حتى األطباء هنا يحملون رتبا عسكرية، وكأن الطب ال يكفي لرفع شأنهم، فزادهم الشرف شرفا. تقدّمت سيما بخطوات واثقة نحو القسم الذي ستعمل فيه، تائهة بين اللوحات اإلرشادية، حتى وقعت عيناها على ممرضة ذات مالمح آسيوية، ترتدي زي ّ التمريض األبيضبدقّة. الممرضات. ابتسمت سيما بهدوء وقالت: –مرحبا، أنا سيما... المترجمة الجديدة. رفعت الممرضة حاجبيها قليال وقالت بلغة إنجليزية واضحة: –منفضلك، تحدّثي اإلنجليزية. ابتسمت سيماوعرفتعن نفسها بـ اإلنجليزية. قالت الممرضة: –أهالسيما، اسمي ميري، وسأكون مشرفتك. سيتم تعيينك في عيادة الباطنية، وستتدربين مع

167 موظفة أخرى. ستعلّمك كل شيء: ترتيب المواعيد، طلب الملفات، الترجمة داخل العيادة، وأي مهام أخرى مطلوبة. هل هذا واضح؟ أجابت سيما: –تمام، فهمت. قالت ميري: –اسمالمدربة هيا، تعالي، سأوصلك إلى العيادة. سارت سيما مع ميري عبر الممرات المضيئة، وعيناها تتنقالن بين العيادات ذات األبواب المفتوحة: العيون، العظام، األعصاب... شعرت وكأنها تتجول داخل كتاب طبي. توقفتا أمام باب العيادة. طرقت ميري الباب، ففتحتهما على موظفة تنحني فوق طاولة، ترتّب ملفات ودفتر مواعيد كبير. قالت ميري: –صباحالخير، هيا. –صباحالخير. –هذهسيما، الموظفة الجديدة. ستتسلم مهامك بعد مغادرتك، أرجو أن تدربيها على كل شيء. –آه، الموظفة الجديدة... حاضر، سأدرّبها. –تمام، أراكم وقت الغداء. –شكرا لك، ممرضة ميري.

168 ثم التفتت هيا نحو سيما، ومدّت يدها للمصافحة: –أهالسيما، أنا هيا. –تشرفت، هيا. –الشغل هنا سهل. في ممرضة تاخذ الضغط وتعمل التحاليل، وانتي كأنك سكرتيرة. تسوين مواعيد، تطبعين القائمة، تروحين لقسم الملفات وتجيبينها، وتشتغلين كمترجمة بين الطبيب والمريض. أشارت إلى دفتر المواعيد وقالت: اليوم األربعاء، نشوف كم مريض عندنا… سبعة عشر. نطبع القائمة، ونتوجه لقسم الملفات نتأكد إنهم جاهزين. سيما(بحماس): –حلو، شكله شغل مرتب. –أي كل شي هنا منظمومرتب.. يالنبدأ عملي. تعالي معاي. وصال إلى قسم الملفات في نهاية الممر الطويل. كانت هناك عربة كتب عليها قسم الباطنة. بدأتا بمطابقة األسماء المكتوبة في القائمة مع الملفات الموجودة في العربة. أنهتا المهمة بدقة، ثم عادتا إلى العيادة. في الداخل، جلس الطبيب د. جاويد خلف مكتبه، يحتسي قهوته بهدوء. قالت هيا:

169 –صباح الخير، دكتور جاويد –صباح الخير –عندنا اليوم١٧مريضا –تمام –هذي المترجمة الجديدة سيما بتمسك مكاني بس أمشي –أهالوسهال. نظرت هيا إلى سيما: –تعالي ننادي على المرضى. توجّهتا إلى االستقبال، وكان البهو يكتظ ببعض العساكر والمراجعين. وقفت هيا عند الميكروفون وضغطت على الزر، ثم نادت: محمد مسعود … محمدمسعود! ارتجف قلب سيما من قوة الصوت الذي دوّى في أرجاء المستشفى، كأنه إعالن رسمي في طابور عسكري. تقدم رجل أربعيني بخطى بطيئة وقال: –أنا محمدمسعود. –تفضل أخوي معيالعيادة.

170 دخل محمد وجلس أمام الطبيب، وبدأت هيا بالترجمةوبعدأن أنهى الطبيب الفحص وكتب مالحظاته. خرج محمد راضيا، بينما قامت هيا بتحديد موعد له بعد شهر وسجّلته في الدفتر، ثم أعطته وصفة طبية. قالت سيمابابتسامة خفيفة: –ما شاء هللا، شكله الموضوع سهل. –إي، سهل إذا كنت تركزين. أهم شي الترجمة تكون دقيقة، بدون إضافة أو حذف. تنقلين الكالم مثل ما هو. –أكيد. بكون دقيقة جدا. انتهت الفترة الصباحية من أول يوم عمل سيما بسالسة غير متوقعة. لم تشعر بثقل الوقت وال بعقارب الساعة، بل كانت مشغولة بمراقبة التفاصيل، محاولة اإلمساك بإيقاع المكان. وقبل أن تفكر بما هو قادم، التفتت إليها هيا وقالت: –شوفي، في وقت الغداء عندك ثالثخيارات: يــإنك تنزلي المطعم وتشترين وجبة بتكون للموظفين بسعر رمزي خمسة لاير، أو تشترين لك سندويش وتاكلينه هنا في غرفة الممرضات، أو تجيبين أكلك من البيت. انتي بكيفك. ابتسمت سيمابإحراج: –وهللا ما جبت شي اليوم… ما كنت أدري عن النظام. بس إذا بتنزلين، أنزل معك.

171 –أنا عادة أنزل مع أفنان وأحالم، بنات من العيادات الثانية. نأكل تحت، في المطعم، مع باقي الموظفين. سيماترددت قليال ثم قالت: –طيب، بنزل معاكم. نظرت لها هيا باستغراب خفيف، ثم قالت: –ياهلل، تعالي. ✼✼✼ تراءى المطعم في الطابق السفلي كخلية نحل صاخبة، يغص بالحياة وتتداخل فيه الرتب العسكرية مع رداء األطباء األبيض الناصع، بينما تنبعث من األرجاء سيمفونية من قرقعة األواني وعبق التوابل المثيرة للشهية. لم تكد سيما تلتصق بهيا حتى اخترق صخب المكان نداء عذب: –هياااا! التفتت فإذا بفتاتين يتجهان نحوهما بوجوه مستبشرة، فقالت هيا: –هذولي أفنان وأحالم، بنات زي العسل وبتعجبك عشرتهم، ثم التفتت إليهما قائلة: هذي سيما الموظفة الجديدة. أردفت أفنان بابتسامة طفولية: –سيما! اسمك يجنن… باهلل بنات أنا مرة جيعانة خلونا نلحق على األكل.

172 ضحكت هيا وقالت: –تصدقين أنا ال تعشيت أمس وال ذقت شيء اليوم، ميته جوع. انزوت سيما خلف رفيقتها كأنها طفل يخشى غياهب اليوم الدراسي األول، تقتفي أثرها بين منصات الطعام التي رتبت بدقة متناهية، لكن ما إن اقتربوا من الطاوالت حتى شعرت بقبضة حديدية تعتصر قلبها، فقد اكتشفت أن رفاقهم العسكريين يشاركونهم الجلوس، وحين مسحت المكان بعينيها لم تجد وجها يماثل هيئتها، فالمكان يخلو تماما من المنقبات. حدثت سيما نفسها بتوتر: –يــ ربي.. وش هالورطة؟ أكيد ما فيه وال منقبة هنا، طيب الحين كيف آكل؟ يــ غبائي كيف ما فكرت؟ وقفت في حيرة من أمرها والصينية تكاد تنزلق من بين يديها، الخروج يبدو خيارا محرجا، فقررت االستسالم والجلوس رغما عنها، حاولت التملص من حصار النقاب لتأكل كسرة خبز لكن دون جدوى، فاستسلمت للمراقبة الصامتة بينما كان اآلخرون غارقين في صخب حديثهم. قطعت أفنان الصمت بسؤالها: –علي.. كيف خطيبتك اليوم؟ رفع علي رأسه بهدوء وأجاب: –الحمد هلل، بخير. قالت هيا مقاطعة:

173 –علىفكرة يــعلي، سيما الموظفة الجديدة تطلع من نفس قريتكم. سلط علي نظراته نحو سيما وقال ببرود: –والنعم.. تشرفنا، لكن تقاسيم وجهه كانت تخلو من أي مودة، بل ارتسم عليه استنكار صامت جعلها تشعر أنها دخيلة على هذا المكان. انبثقت من مالمح أنور ابتسامة هادئة وهو يبادرها بالترحيب: –هالفيك يــسيما، تشرفنا، أنا أنور. انكمشت سيما على ذاتها وشعرت بارتجاف في نبرتها وهي ترد: –هال فيكم، اتشرفت بمعرفتكم. سرت في أوصالها روعة الخوف وكأنها تقترف ذنبا لمجرد انخراطها في حوار عابر مع زمالئها، فاستجمعت شتات خجلها وهمست: –عن إذنكم، أنا خلصت. التقطت أحالم اإلشارة التي حملتها عينا سيما المضطربتان وقالت: –وأنا بعد، وهللا مالي نفس باألكل اليوم، بطلع معك. قالت سيما في سرعة: –إي يال. وقبل أن تخطو قدماها عتبة المكان، نادتها أحالم:

174 –تعالي نحط الصحون هنا. وعند باب المطعم توقفت أحالم فجأة والتفتت نحوها: –انتظريني دقيقة. غابت لحظات ثم عادت تحمل في كفيها سندويش، وقالت لها: –تعالي نطلع نكمل أكلنا في غرفة الممرضات. في جوف الغرفة الهادئة، أوصدت أحالم الباب ثم التفتت إلى صديقتها الجديدة وقالت: –هنا تقدرين تشيلين نقابك وطرحتك، وتريحين شوي على األقل في ساعة الغدا، أهون من توتر المطعم. أحالمقصيرةالقامة، تميل بشرتها إلى السمرة الهادئة التي تمنح مالمحها دفئا خاصاال يـــنسى. ترتدي حجابا بسيطا يغطي رأسها، ينسدل منه قليل من مقدمة شعرها بشكل عفوي يضيف لمالمحها براءة غير متكلفة. نظارتها تستقر على أنفها الحاد كالسيف، فتمنحها مظهرا يجمع بين الجدية والهدوء في آن واحد، وكأنها تفصل العالم خلف زجاج رقيق من التفكير. عيناها واسعتان، تحمالن مزيجا من الجمال والوعي، نظرة هادئة لكنها نافذة، توحي بأنها تفكر أكثر مما تتكلم. أما ابتسامتها، فكانت أجمل ما فيها؛ بسيطة، صادقة، دافئة، تشعر من يراها باألمان وكأنها ال تعرف القسوة طريقا إلى قلبها.

175 بدأت سيما فك قيد وجهها بتمهل وقالت: –وهللا ما جاء في بالي إن الوضع بيكون كذا، توقعت فيه قسم حريم وقسم رجال. تبسمت أحالم بصدق وقالت: –أول شي ما شاء هللا عليك، طلعتي جميلة انت. ثم استطردت أحالم بنبرة حازمة تخلو من التكلف وهي تزيح عن مالمحها هالة الجدية: –ال حبيبتي، ما في ذا الكالم هنا، إحنا كلنا نشتغل سوا رجال وحريم وعسكريين ومدنيين، الكل مشغول في شغله وهمه، ومحد فاضي يدقق وال يراقب أحد. تداركت سيما ارتباكها وهي تحاول تلمس أطراف حديثها: –شكرا على اإلطراء، أنت األجمل.. كالمك صح بس.... قاطعتها أحالم بحسم يكسوه الود: –ما فيبس يــسيما، شوفي حتى المنقبات هنا ما يختلطون كثير ال مع الرجال وال مع الكاشفات، بس بالنهاية محد يجبرك، تعاملي حسب راحتك. هزت سيما رأسها وهي تستجمع شجاعتها: –أنا ما أحب أعقد األمور، إحنا كلنا أخوان إن شاء هللا، بس تعرفين.. أول يوم ليوباقيما تعودت. أشرقت مالمح أحالم بابتسامة دافئة بددت وحشة المكان: –ما عليك.. يال خلينا ناكل، تفضلي.

176 ردت سيما بامتنان: –يزيدفضلك يــأحالم شكرا لك. بدأت أحالم بفك غالف شطيرتها وهي تروي: –أنا عمري٢٩، أشتغل هنا من٧سنوات مترجمة في عيادة األعصاب مع دكتور كندي اسمه ستيفن، شاطر مرة، متزوجة وعندي بنت عمرها٤سنين، وزوجي أمجد ممرض في الطوارئ برتبة عسكرية له١١سنة شغال. عقبت سيما بدهشة: –هللا يحفظها لك، حلو إنكم تشتغلون سوا، بس أوف.. يعني تركتي زوجك في المطعم عشان تطلعينمعاي. ضحكت أحالم وهي تهز رأسها: –ال ال، زوجي ياكل في غرفة الطوارئ الخاصة فيهم، ما يجي للمبنى الرئيسي. تنفست سيما الصعداء: –تمام، هللا يسعدكم، بنوتتك مع مينتخلينها؟ –مع عمتي أم زوجي ومع الشغالة، عمتي مقعدة هللا يشافيها ما تقدر تسوي شي، بس هللا الحافظ. –ما شاء هللا، هللا يشافيها ويجزاك خير على رعايتك لها. –وياك يــقلبي.

177 سألت سيما بفضول: –و شلون يعني مقعده؟ –يعني ما تمشي صار لها حول سنتين رغم أنها صغيره مسكينه يعني عمرها باقي في الخمسين بس صار عندها مثل الصدمة النفسية. –أفا ليه وش صار؟ –عمتي عندها ولدينوبنتوحيده من زواج سابق، تربت بنتها مع زوج أمها أبو أخوانها االثنينوكانتاألمور تمام بس يوم صار عمر البنت ثمانتعش سنه أبوها طالب بها بـ المحكمة وأخذهابالغصبوزوجهاوال شافت أمها حول ثالث سنواتوحملتوولدتوماتتوهي تولد بعيد عن أمها هيوالجنينوعمتي انهارت تقول قتلها الهم. –يــ هللا وش ها القصة؟ أكبر عذاب يجي من ناحيه األبناء. –أي وهللا صادقه بس الحمد هلل أمورها زينه الحين. –الحمد هلل. ثم صمتوا قليال حتى سألت سيما محاولة أن تغير الموضوع: –انتي موظفة مدنية والعسكرية؟ تنهدت أحالم بحسرة: –لآلن مدنية، أحاول أصير برتبة عسكرية بس وهللا صعب. –ليه؟

178 –التقديم يبغاله متابعة مستمرة، ألن الوظايف تنزل فجأة والزم التقديم يكون بسرعة قبل تصير المفاضلة. ومع انشغالي بالبيت، كثير فرص تروح علي بدون ما أنتبه لها. –ياهلل... –ال تزعلي، وظيفتنا حلوة فيها عالوات والفرق بيننا وبين العسكريين ثالثة آالف بالكثير، غيرنا رواتبهم ألفين وإحنا بنعمة. –صادقة وهللاالحمدهللا، أنا كنت أخصائية اجتماعية في مدرسة أهلية، راتبي كان١٢٠٠لاير بس. –شفتي؟ قلت لك ربي كرمك بوظيفة أحسن. –الحمد هلل… ثم سألت أحالم: –يعني درستي علم اجتماع؟ –ال، علم نفس… من جامعة الملك سعود. والوظيفة وقتها كانت تناسب مؤهلي. وانتي؟ –أنا خريجة أدب إنجليزي من جامعة الملكعبد العزيزهنا بجدة. بس غريبة… انتي ساكنة هنا ودرستي بالرياض؟ –كنت في بيت الطالبات. أحالمبعينين المعتين: –أوه، كنت أتمنى أعيش التجربة هذي… كيف كانت؟

179 –أحلى أيام عمري… ما تتنسى. فتح الباب، وإذا بممرضتين فلبينيتين تدخالن، مما قطع حديث أحالم فجأة. نظرت أحالم إلى ساعتها وقالت: –يــهللا الزم نرجع العيادات. ✼✼✼ توطدت أواصر األلفة بين أحالموسيما، وصار الود رفيق أيامهما، فبعد أن كانت أحالم تنزوي مع صويحباتها في ردهات المطعم الصاخب، باتت تنشد السكينة في ركن الممرضات الهادئ برفقة صديقتها الجديدة. حين انقضت أيام التدريب، تمكنت سيما من ناصية عملها، بيد أن رهبة المذياع كانت تقف حجر عثرة في طريقها، فلطالما أوكلت نداء األسماء لغيرها تفاديا لرفع صوتها في أروقة المشفى الفسيحة. ذات يوم، خلت الساحة إال من الممرضة ميري، فاقتربت سيما بخطوات خجولة وقالت: ميري! ممكن تنادين المريض موسى بن يحي؟ رمقتها ميري بنظرة صارمة وقالت: –أنا ما أنادي مرضى.. ليش ما تنادي أنت؟ ردت سيما بارتباك: –أنا ما قد ناديت من قبل.

180 هتفت ميري باندهاش: –وش؟ إنت هنا صار لك شهرين وما استخدمتي المايك؟ كيف كنت تنادين المرضى؟ –الموظفين اللي يكونوا موجودين ينادوا. صاحت ميري بحدة: –ال ال، كذا غلط.. لو سمحتي نادي المريض اآلن وروحي العيادة، وبعدها تعالي مريني المكتب.. نادي اآلن! وقفت ميري تراقبها حتى انبعث صوت سيما الوجل من المايك: –موسى بن يحي.. موسى بن يحي. وما هي إال لحظات حتى أطل المريض من النافذة وقال: –نعم، أنا موسى. انقضى النهار بمهام أنجزتها سيما بكل ثقة، وحين أزف وقت الرحيل توجهت نحو مكتب ميري، لكنها توقفت حين سمعت صوتا جهورا لطبيب يعترض بحدة: –أحتاج معي ممرضة، ما ينفع تحطي لي مترجمة.. حاولي تجيبي من العيادات الخارجية. ردت ميري بأسف: –أنا بحاولجهدي يـدكتور، بس إحنا عندنا ثالث ممرضات استقالوا وسافروا بسبب المشكلة اللي صارت، وصار عندنا نقص مؤقت بينحل بس لو تصبر علينا. أجابه الطبيب بضيق:

181 –هذه مب مشكلتي، أنا ما أقدر أشتغل بدون ممرضة، أنا أعطي إبر كورتيزون في الركبة بالعيادة وأحتاج ممرضة. لم تجد سيما بدا من المقاطعة خشية فوات حافلتها: –نيرس ميري، أنا آسفة أقطع حديثكم بس الزم أمشي عشان الباص، وأنا جيت عشان قلتي لي تعالي. أشارت ميري لها باإلنصراف: –طيب أكلمك بكرة. ثم التفتت للطبيب وقالت: –وبالمناسبة، دكتور غريب، هذه سيما اللي بتكون معاك في العيادة بكرة، موظفة شاطرة ودقيقة. في صباح اليوم التالي، باغتت ميري سيما بالخبر: دكتور جاويد بيكون إجازة لمدة شهر، وأنت رح تغط ّ يـــ مكان نيرس أوليفيا في عيادة العظام مع دكتور غريب. دهشت سيما وقالت: –بدل نيرس أوليفيا؟ بس أنا مب ممرضة! وكيف بترجم وأصير ممرضة بنفس الوقت؟ –دكتور غريب يتكلم عربي، دكتور سعودي أخصائي عظام. تساءلت سيما: –وش بعمل معاه؟ ما عندي خبرة بالتمريض؟ ما في ممرضات؟

182 زمجرت ميري بحزم: –سيما، ال تجادليني، إحنا نحطك في المكان اللي نحتاج فيه أحد. اليوم ما في أي عيادة تحتاج مترجم، وش نعمل؟ نرجعك البيت؟ أجابت سيما بانصياع: –ال خالص معاك حق، إن شاء هللا األمور تمشي تمام. دخلت سيما العيادة، رتبت السجالت وتهيأت الستقبال المرضى، ثم التفتت للدكتور غريب الذي كان يرتشف قهوته شارد الذهن أمام النافذة وقالت: –صباح الخير. رد دون التفات: –صباح النور. بادرت سيما: –أبدأ دكتور أنادي المرضى؟ أجاب ببرود: –عادة الممرضة تنتظر لين أخلص قهوتي وأجلس على المكتب، فابدأي بعد ثالث دقائق. ثم سأل: وش اسمك؟ مي أعتقد؟ أجابت: –اسمي سيما.

183 –ماشي يـسيما، إن شاء هللا من اليوم تعرفي نظامي، بعد ما أخلص قهوتي وأجلس على المكتب. ختمت قائلة: تمام. اتخذت سيما موقعها خلف المنضدة الصغيرة، وتناثرت حولها ملفات طبية توحي بعبء العمل المترقب، بينما راحت أناملها تنقبض وتنبسط في حركات عصبية غير إرادية. كانت عيناها ترصدان الدكتور غريب وهو يحتسي قهوته بتمهل الفت، كأنما يسترق لحظات من السكينة قبل أن يبتلعه صخبالعيادة، وحين حطت كأسه بانتهاء تلك الوقفة، وثبت سيما من جلستها بحيوية مباغتة لتستعد الستقبال المراجعين. مضت سويعات الصباح في هدوء وئيد، خلت من مباغتات الطوارئ وتوتر االنتظار، وعندما أزفت ساعة االستراحة اقترب الدكتور غريب ليستكشف مالمح ما تبقى من يومه متسائال: –كم مريض باقي عندنا في القائمة؟ أجابته بمالمح مطمئنة: –خمسة مواعيد بعد الظهر. أومأ برأسه وقال: –تمام، بأجي الساعة وحدة بالضبط. قالت سيما بوقار: –ماشي يـدكتور.

184 انزوت سيما في ركن الممرضات، فرشت سجادتها لتؤدي فرضها، وما إن فرغت حتى أطلت أحالم بوجه شحبته أعباء النهار، زفرت بعمق وقالت: –أعوذ باهلل، العيادة اليوم كلها ضغط، الناس أعصابها تعبانه والايش؟ ردت سيما بابتسامة مخففة للوطأة: –هللا يديك العافية، كالمك صحيح، صليتي؟ هزت أحالم رأسها بالنفي: –ال، ما صليت اليوم. نظرت إليها سيما بحنو: –طيب تعالي، جايبة لك اليوم شي لذيذ. سألت أحالم بلهفة: –ها، ورينا؟ استلت سيما حافظتين من حقيبتها وهتفت: –اتفضلي، صحة على قلبك. ما إن أزاحت أحالم الغطاء حتى تضوعت رائحة المكرونة بالبشاميل، وبرقت عيناها قائلة: –يـ سالم، وهللا أحبها!

185 انقطع حديثهما على وقع صراخ ميري وهي تخاطب اإلدارة بإنجليزية حادة، تطالب بزيادة الطاقم التمريضي لردم فجوة النقص. همست أحالم بفضول: –وش فيها ميري؟ شكلها مب رايقه اليوم. أوضحت سيما: –أظن ألنها مضطرة تغطي نقص الممرضات، واليوم أنا حطوني مكان أوليفيا في عيادة العظام. اتسعت عينا أحالم بذهول: –مع الدكتور غريب؟ ردت سيما ببساطة: –ايه. ضحكت أحالم وقالت بمشاكسة: –الكل يتمنى يشتغل مع الدكتور غريب، هو الوحيد األعزب هنا، صغير بالعمر، من عائلة معروفة، ومتخرج من كندا، ومطمع كل البنات في الزواج. قالت سيما بهدوء: –الزواج دايما قسمة ونصيب، مهما حاولوا البنات، إذا كان من نصيبها، بيكون لها. قهقهت أحالم وقالت:

186 –هللا يجعله من نصيبك. زفرت سيما بالمباالة: –ال، أنا وين وهذا وين. قالت أحالم بجدية: –وش قصدك؟ ضحكت سيما بسخرية الذعة: –مب تقولين من عايلة معروفة مدري مرموقة؟ أنا من عايله ضعيفه. ردت أحالم وهي تغالب االنشغال بوجبتها: –كيف يعني ضعيفه؟ –يعني أبوي متوفي، ماعندنا أمالك، فلوسنا من راتب تأمينات ضعيف، أخواني فالح وناصر مب متعلمين وال عندهم وظيفه مرموقه… يعني شي زي كذا. ردت أحالموهيتضحك لتخفف العبء على سيما: –فالحوناصرأسماء إخوانك؟ باهلل من وين جا أسم سيما؟المهم يـــبنت الحالل لما ربك يريد يرزقك بالرجل الزين اللي يحبه خاطرك بغض النظر عن ظروفكوأنتما شاء هللا جميله ومتعلمهومثقفهألف عريس يتمناك خل عنك بس. –هللا يسعدكويجبرخاطرك. ثم أردفت أحالم وهي تستطيب المذاق:

187 شفت أفنان؟ سلمت عليها وقلت لها تجي معانا هنا، أحسن تأكل، ألنها دايما لحالها بالمطعم مع العساكر، قالت بكره بتجيب لنا كلنا بيتزا، فالتجيبي شي بكره. ختمت سيما حديثها قائلة: أي أحسن. –وأنابعد الراحة مالي براجعه العيادة استأذنت. –ليه عسى ما شر؟ –عندي متابعه في عيادة النساءوالوالدة. –بسم هللا عليك وشفيك؟ –أبد أنا الحمل عندي صعب جبت شذى بعد خمس سنوات محاوالت هللا يحفظها لي. –هللا يحفظهاويخليهالكويرزقكبالضنى قريب أخ أو أخت ل شذى. –يارب هللا يسمعمنك يــقلبي… يــ هللا أنا بروح. –بحفظ هللا هللا يوفقك. ✼✼✼ تالشى صخب استراحة الظهيرة، لتعود الحياه إلى أروقة العيادات حيث السكون المقترن برائحة المعقمات، دخلت سيما العيادة لترصد مقعد الدكتور غريب خاويا، فلم تلبث طويال حتى انهمكت في تنظيم ملفات المرضى.

188 ثم جاء الطبيبودخلتالمريضة التي استقرت على المقعد، تئن من وطأة ألم نهش ركبتها، ففحصها الدكتور غريب بتمعن قبل أن يقرر: –بعطيك إبرة كورتيزون بالركبة، بتخفف عنك الوجع لين يبدأ مفعول العالج. أومأت المريضة بموافقة صامتة، فالتفت الدكتور نحو سيما بأمر مقتضب: –سيما، جهزي األدوات والطاولة، بروح أجيب اإلبرة من المستودع. أجابت بحماس شاب: –أبشر يــدكتور. أخذت سيما ترتب األدوات ببراعة، فضت أختام التعقيم لتستخرج المقص والقطن والشاش ومحاليل التطهير، وما إن غاصت في تفاصيل عملها حتى باغتتها خطى الدكتور، ليتجمد نظره على يديها العاريتين من القفازات، فارتسمت على شفتيه ابتسامة تهكمية: –باهلل، ما لبستجلوفز؟ اصطبغ وجهها بحمرة الخجل وهي تتمتم: –أوه.. نسيت. فقال بنبرة صارمة ال تقبل الجدل: –ارفعي كل شي وارميه بالزبالة، عقمي يدينك، البسي الجلوفز وعيدي تجهيز كل شي من جديد.

189 تجرعت سيما مرارة اإلحراج أمام المريضة، وأحست بضآلة شأنها تحت نظراته، غير أنها انصاعت ألوامره دون إبطاء. ومع أفول النهار، قالت بابتسامة تترجم تعبها: –دكتور، هذا آخر مريض، الحمد هلل خلصنا، هللا يعطيك العافية، وأنا آسفة على اللي صار بالتعقيم والقفازات. رد ببرود يغلفه الجمود: –ال ال، ما في مشكلة، بس هذي أشياء الزم ننتبه لها. تنهدت بعمق وقالت بنبرة خافتة: –أنا أصال مب ممرضة. فابتسم بلمحة خاطفة وقال: –أعرف، ما حصل شي. ثم انشغل بهاتفه في مكالمة جانبية متجاهال وجودها تماما، فانسحبت بصمت: –مع السالمة دكتور. تمتمت لنفسها بمرارة وهي تغادر: هذا الدكتور شايف نفسه، وجواله يطق له العشرة آالف، هللا يرزقنا.

190 تسللت إلى شارع موحش بعد أن فاتها الباص، فقررت استئجار مركبة أجرة، وبينما كانت تنتظر، مرت سيارات األطباء الفارهة تخطف األبصار، لتشعر هي بضعف الموقف وهي تلوح بيدها لسيارة ال تأتي. لمحها الدكتور غريب وهو يمر بمركبته من بعيد، فزفرت بحنق: –أستغفر هللا، الزم اإلحراج، شكلي بالشارع عره، خليني أمشي أحسن، المكان بعيد والليموزينات قليله. سارت بخطوات متسارعه حتى ظفرت بمركبة أقلتها نحو منزلها، لتبلغ ذروة التأخير عن موعدها، وما إن ولجت البيت حتى وجدت أخاها فالح وأمها في استقبالها بانتظار قلق. التفت فالح نحوها بابتسامة مسمومة تقطر سخرية وقال: –شرفتي يـالشيخة. ردت بصوت خافت يحاول التماسك: –شكرا. انفجر فالح بحدة جفت لها األبدان: –أقول ال تستخفين دمك، وراك متأخرة ساعة وربع! حاولت سيما تبرير عثرتها بارتباك: –راح علي الباص، وأخذت ليموزين ألن الدكتور أخذ وقت زيادة مع المريض. استشاط فالح غضبا وهدر في وجهها:

191 –هذي مشكلته، مرة ثانيةتطلعين،حتى لو باقي مرضى. –وش ذا الكالم؟ أقول للدكتور ياهلل أنا ماشية وأنت دبر عمرك مع المرضى، ما أقدر أتأخر عشان أخوي فالح ال يزعل.. كالم مجانين! وقبلأن تكمل جائتها صفعة عنيفة فوق وجهها، تجمدت سيما في مكانها والحقيقة المرة صعبة التصديق، هل تجرأ أخوها على مد يده؟ انفجرت صرختها في أرجاء المكان: –فالح يـحيوان! اندفعت نحوه بتهور، لكن األم تداخلت بجسدها الواهن وهي تصرخ بذعر: –خالص يـعيال، خالص! دفعها فالح بقسوة نحو الباب ونبرة صوته تتوعد بالويل: –انقلعي، ما المجنون إال وجهك، هذا آخر تحذير، إذا جيتي الساعةسبع والدنياليل، ياهلل ضفي وجهك. وقفت سيما والدموع تنحدر كالجمر على وجنتيها، تغلي من الداخل بنيران قهر ال يطفئه االعتذار. دخلت األم خلفه تتلظى غيظا:

192 –وش اللي سويته، أنت مهبول! حسبي هللا ونعم الوكيل فيك، هذه أختك جاية تعبانة من الشغل وأنت كذا تعاملها! هللا ياخذك ويكسر يدك، وهي مطلعتلك سيارة أقساط علىاسمها، يــناكر المعروف! وقف الجميع تحت وطأة الصمت الموحش، ليرد فالح بتهكم: –وش يعني إذا شريت لي سيارة؟ أركب قرون؟! ردت األم وهي تمسح دمعها بحزم: –استح على وجهك، حسبي هللا ونعم الوكيل فيك. تربع الحزن مالمح سيما وهي تختبئ في غرفتها، لتلحق بها األم وتهمس بوجع: –خالص يـحبيبتي ال تبكي، هللا يكسر إيديه وهللا ألعلمك فيه. مسحت دموعها بسؤال ينهش قلبها: –أبنك يتعاطى شي؟ مب طبيعي هذا الكره ناحيتي، وش فيه فالح؟ وهللا كان يحبني وش صار له؟ –مرجوج خالص طنشيه قوليله على أمركوخالص. –أقوله على أمرك؟ وش تقولين؟ روحي علميه األدب بدل ما تعلميني الضعف. –مالت عليك. أنا أعلمك المسايس. –ما أبغى أسايس أحد الكل الزم يحترم األخر. أبغى أنام عن أذنك. خرجت األم مكسوره فما بيدها شئ تقدمه.

193 وبدأتبتبديل مالبسها في صمت مطبق، واستلقت على فراشها، يغمرها إحساس بالمرارة ال يحد. ✼✼✼ في صباح اليوم التالي، طبعت خيبات األمس ظاللها على وجه سيما داخل المستشفى، فنظرت إلى ميري وقالت بوهن: –نيرس ميري، ممكن تغيريني من عند دكتور غريب؟ رفعت ميري حاجبها باستغراب: –ليش؟ أجابتها سيما بصوت منكسر: –دكتور غريب ياخذ وقت طويل مع المرضى، وأمس اتأخرت وراح علي الباص، واضطريت أخذ ليموزين، وبعدها صار لي مشكلة في البيت ألني تأخرت، ما أقدر أتأخر على الباص، وما أقدر أقعد مع الدكتور إذا طول. تعثرت الحروف على شفتي سيما وهي تهمس بكلمات متلعثمة، غير مدركة أن أذني الدكتور غريب كانت تترصد حديثها من خلف الجدار الفاصل. –فهمت،خالص ببدلكمع وحدة من الممرضات بعد الغدا. حين همت سيما بالنهوض، باغتتها قامة الدكتور غريب وهو ينتصب خلفها كطيف شامخ، صوته المعتذر يكسر حدة الصمت:

194 –أنا آسف، أدري إني أطول مع المرضى وأعطلك، مقدر وضعك تماما. سيما بارتباك: –ال دكتور، وهللا ما كان قصدي أشتكيك. ضحك بوقار وهو يكمل: –ال يـبنت الحالل،موبخايف من الشكوى، بس أحيانا الواحد يغفل عن إيذاء غيره بدون ما يحس. ثم التفت لميري بإنجليزية حازمة: –ما يحتاج، سيما بتستمر معي في العيادة. سيما بامتنان: –مشكور دكتور، ما قصرت، بروح أجهز الملفات. خيم صمت مهني على أروقة العيادة، إذ انغمس الدكتور غريب في عمله بجدية الفتة، مختصرا المواعيد بدقة متناهية قبل أوانها، ليختم يومه بابتسامة دافئة: –الحمد هلل، خلصنا على الوقت، ومرضانا اليوم طالعين ومبسوطين، يال توكلي على هللا والحقي الباص. –تسلم دكتور، هللا يجزاك خير، فعال كانوا راضين، أشوفك األسبوعاللي يجي.. هابي ويكند. –هابي ويكند، في أمان هللا.

195 خطت سيما نحو بيتها، حيث كان فالح يتربع في الصالة بجوار أمه، لم تلتفت لشيء سوى غرفتها التي قصدتها كالمالذ. –فالح يبي يعتذر لك. سيما ببرود مقتضب: –ما لهداعي يـيمه. –تكفين يـبنتي، أخوك ندمانوخابر غلطته. سيما بحدة واثقة: –ال يمه، اللي سواه ما يغتفر بسهولة. اقتحم فالح سكون المكان بخطوات متسارعة، تالشت معها حدة الموقف حين انحنى يقبل جبين شقيقته بصدق، وقال: –أناآسف يـخيتي، تكفين سامحيني. وقفت سيما صامتة، تعتريها حيرة بدت في نظراتها التي لم تبارح مالمحه، فأردف فالح محاوال تلطيف األجواء: –تذكرين يوم كفختيني وأنا صغير عشان دراستي؟ اعتبري هذي بذي، كذا خلصنا وحسابنا تصفى. رمقته سيما بنظرة حازمة قائلة: –ال هذيموبمثل ذيك.

196 رد فالح بابتسامة باهتة: –الكفواحد يـــخيه. أجابته بصرامة: –يعني للحين شايل بقلبك من ضربة أيام طفولة؟ أنا سويتها لمصلحتك. أسرع فالح قائال: –مب قصدي، بس أبيك تمسحينها بوجهي وننسى كل شيء. تنهدت سيما بعمق قبل أن تقول: –صار خير، بس ضربتي لك ما تتساوى مع اللي سويته، أنا أختك الكبيرة، وال عاد تعيدها. انقبض صدر فالح من وقع كلماتها، وقف بنزق وقال: –ما فيه مرة ثانية، أستأذنكم، بكرة إجازة وبطلع مع الشباب. سألته األم بلهفة: –ناصر بيجي الحين، ما تبي تجلس معه؟ أجاب فالح بحدة: –ال، بشوفه بعدين، سالم. ردت األموسيمابصوت واحد: –وعليكم السالم.

197 اقتربت األم من ابنتها تهمس لها: –معليش يـيمه، ال تشيلين بخاطرك عليه، ترى أخوك موب في عقله. ضحكت سيما بخفة: –إال صاحي ومستوعب، بس طبيعته دكتاتور ويحب التسلط. هزت األم رأسها بريبة وقالت: –تشوفينه طبيعي؟ وهللا إني أدخل غرفته أحيانا وألقاه يضحك من دون سبب. –كلنا نضحك إذا مر ببالنا موقفيضحك يـيمه. –أنا حاسة أن به شيء، كل ما نام أدخل أقرأ عليه قرآن، عسى هللا يهديه. –آمين. وفي خضم أحاديثهما، انفتح الباب ليدخل ناصر وسط أجواء مشحونة بالمشاعر المتباينة. رحبت األم بصوت يملؤه الدفء: –حياهلل الغالي. أجاب ناصر بابتسامة مشرقة: –هال يمه، ثم طبع قبلة على يدها ورأسها، والتفت نحو سيما يحييها قائال: –هال سيما. أجابته بابتسامة ودودة:

198 –هال ناصر، هللا يسعدك. كيف حالك وأخبارك؟ متى بنشوفك زي الناس؟ تجاوب ناصر بضحكة خفيفة: –ليه؟ هذا أنا دايم قدامكم. غمزت سيما بمشاكسة: –إيه، ما نشوفك غير في إجازة نهاية األسبوع. ليه ما تجي البيت كل يوم تنام؟ تنهد ناصر موضحا: –قلت لكم المصنع بعيد عن البيت، وأطلع من العمل وأروح بيت خوياي مستأجرينه عشان يكون جنب المصنع ويوفر مشاوير. اتخيلي أجي كل يوم ساعتين، والصبح أسوق ساعتين، صعب. أومأت سيما متفهمة: –صادق وهللا. طيب ندور لنا شقة قريبة من عملك. هز ناصر رأسه نافيا: –صعب، المنطقة هناك كلها عمال، مب حلوة لكم. –أي صحيح مع العمال مستحيل. استأذنت األم لتنال قسطا من الراحة، فانتهز ناصر الفرصة قائال: –يمه قبل تروحي وش رايك نطلع مكة بعد بكرة نعمل عمرة؟